الاتحاد

دنيا

صندوق مثلث الأقفال

من قرية عزلاء منسية شرقي نهر الأردن، تحديدا في مادبا، على خط عرض23شمالي خط الاستواء ...من هناك- على الدواب- وصولا الى سواحل بلاد الشاب، حيث سافر فرج بالباخرة الى أمريكا اللاتينية، في الأربعينيات من القرن الماضي،بالتأكيد استمرت الرحلة لعدة أشهر . من ذلك الوقت انقطعت أخباره عن الأهل، لا خبر لا (تشفيّه) لا حامض حلو لا شربات، حتى اعتقد الجميع أنه مات، وربما قرأ بعضهم الفاتحة عن روحه المغامرة .
وفي إحدى السنين الماحلة ،التي غزا فيه الجراد المنطقة،مداهما الأخضر واليابس، وصل فرج الغائب بعد عقود الى بيت أهله ، فاستقبلوه بالأفراح والليالي الملاح والزغاريد،وقد ضاعف من لهفة الاستقبال وسخونته أن مستر فرج كان يحمل صندوقا خشبيا متوسط الحجم مغلق بثلاثة أقفال نحاسية تتدلى من أطرافه بكل أبهة.
صارت عبارة “رجع الميركاني “ ويقصد بها (عاد الأميركاني) مألوفة في القرية بأكملها . طبعا فقد استقبله الوالد والإخوة بفرح شديد، وتيقنوا أن الفرج جاء وحل بينهم الى الأبد مع فرج شخصيا ، وكانوا يسمعون الخرخشة وارتطام المعادن ببعضها،عندما ينقل فرج الصندوق من مكان الى آخر، فيحلمون بالذهب الذي سيطعمهم اللحم والدهن والعسل. بالمناسبة كان فرج لا يترك صندوقه قط، بل كان يحمله معه أينما ذهب ، حتى لو دخل الى بيت الخلاء، كان يأخذ الصندوق معه، ويخرجه معه.
انتشر الخبر في القرية الصغيرة، كما قلنا: جاء فرج ومعه الفرج. وعلى عادة أهل القرى والمدن الصغيرة، فقد صاروا يقيمون له المآدب، لعله يتذكرهم بالخير حينما يفتح صندوقه المثلث الأقفال. ولم يكن فرج يرفض أي عزومة ..حيث أكل وشرب في بيت المختار مرورا ببيوت القرية كلها، حتى أضعفهم حالا ذبح دجاجته الوحيدة وأولم لفرج العائد من الغربة بصندوق مثلث الأقفال.
كان فرج يحمل صندوقه المثلث الأقفال معه في كل مناسبة ويرفض أن يجلس على المفارش، بل كان يجلس مرتاحا ومبتهجا على صندوقه ، وكان الناس يراقبونه بإعجاب شديد، بانتظار أن يفرج فرج عن المفاتيح وتنفتح بوابة الثراء أمامهم.
بعد أن قامت كامل القرية بواجباتها تجاه فرج،انتظروا حفل الافتتاح، لكن فرجا لم يكن بالوارد، بل كان يجلس مرتاحا على صندوقه الخشبي الممهور بالأقفال الثلاثة. وقد حاول والده وأخوته إقناعه بفتح الصندوق ، فقد أكلت الناس وجوههم، لكنه رفض بكل إباء وسؤدد.
وبدون أي تنسيق ، وبعد أن طفح الكيل ، وبينما الناس يجلسون بهدوء في بيت والد فرج ،يتحدثون حول أحوالهم السيئة وضيق ذات اليد عند الجميع وانقطاع الشتاء. كان فرج يجلس معهم فوق صندوقه بكل فرح وسعادة، بدون اي تنسيق كما قلنا، هجم أولا والد فرج على الصندوق، وتبعه أخوته ثم أهالي القرية ، حاول فرج المقاومة، لكنه لم يستطع شيئا أمام هذا الشلال البشري الجائع.
وقف فرج بعيدا، بينما قام الشلال البشري يكسر الأقفال، وفتح الصندوق عنوة. نظر الجميع الى داخل الصندوق فعرفوا سر الخشخشة والطرطقة ...كان في الصندوق عدة قصارة(مالج، مسطرين، متر،ميزان، خيط).
نظروا الى حيث يقف فرج، نادوه اليهم ، جاء مدندلا رأسه ، وقال لهم ، إن الحياة كان صعبة عليه في بلاد الغربة ،ولم يستطع أن يجمع قرشا واحد، لكنه تعلم القصارة ومهر فيها .
وهكذا قضى فرج بقية العام وهو يقصر أبيار(جمع بئر) أهل القرية وبيوتهم مجانا، بانتظار عام جديد أكثر خيرا، وذلك بدل المناسف التي أكلها هنيئا مريئا.





يوسف غيشان
ghishan@gmail.com

اقرأ أيضا