الاتحاد

دنيا

لغة العصر

مع تقدم الالكترونيات والبرمجيات، استطاعت شركات الكمبيوتر أن تغرس شعورًا عميقًا بالذنب لدى فئتين: فئة مصممي البرامج وفئة المستهلكين .. الآباء منهم بالذات.
بالنسبة لمصممي البرامج فقد سيطرت عليهم فكرة أن برامج الكمبيوتر يجب أن تكون مفيدة ويتعلم منها الطفل شيئًا، وهكذا سهر المصممون ليالي لا حصر لها كي يقدموا أسمج وأسخف باقة من البرامج التي يمكن تصورها .. هناك الصيغة البسيطة: أربعة أسئلة وعلى الطفل أن يختار إجابة صحيحة، وهناك الصيغة الأعقد حيث يصعد القرد درجة سلم أعلى كلما استطاع أن يعرف حاصل ضرب 7 X 9 أو عاصمة مدغشقر .. هكذا يصل للموز ويرقص. لاحظ التنفيذ الساذج السخيف.
كل صانعي البرامج قرروا أن يقدموا برامج تعليمية، واعتقدوا أن تحويل أي منهج علمي إلى صور ملونة وقرد وغزالة وأرنب يمكن يحقق معجزة التعليم بالكمبيوتر. ابنتي عندها أكثر من سي دي لتعليم الإنجليزية عن طريق ألعاب من طراز (ساعد الدودة على عبور الطريق) و(ساعد القرد على الوصول للموز)، وقد لاحظت أنها لا تهتم بها بتاتًا ولا تلعبها بتاتًا، بينما هي على استعداد لقضاء عشر ساعات تنتقي ثوبًا وماكياجًا لباربي في موقعها على شبكة الإنترنت.
بالنسبة للآباء تضخم الشعور بالذنب أكثر . إنهم يشترون هذه البرمجيات التي لا يفهمونها لأنها (لغة العصر)، ولأن الكل يتكلم عن التعليم بالكمبيوتر. هكذا يبتاع الأب المسكين حشدًا من الأقراص المرنة التي تعلم الإنجليزية وتعلم الوضوء والصلاة وإشارات المرور وضرب الأقواس وقسمة الكسور ..
النتيجة أن الطفل لا يجلس ربع ساعة أمام أي برنامج من هذه .. وبرغم هذا فالأكذوبة مستمرة والشركات تصر على أن من واجب الأب أن يشتري هذه البرامج، وواجب الطفل أن يحبها..
أغرقت الصين الأسواق العربية بحشد من كمبيوترات الأطفال التي تسمح له بالرسم ولعب عدة ألعاب وتعلم الإنجليزية .. هذه الأجهزة لا يستفيد الطفل منها بمليم واحد، والسيناريو الأرجح هو أن الجهاز يتلف بعد ربع ساعة من استعماله.. احترقت الدائرة الفلانية ولا توجد لها قطع غيار . أما لو حدثت المعجزة وظل الجهاز حيًا فالطفل يجلس أمامه ربع ساعة ثم يمل الأمر كله وينصرف ..
والحقيقة التي سوف يكتشفها الأب المكلوم هي أن ابنه فارغ العقل وتافه، يرغب في أن يقضي عدة ساعات يطلق الليزر على سفن الفضاء أو يضرب خصومه المتوحشين .. بالنسبة له هذا هو الغرض من صنع الكمبيوتر ولا داعي لتضييع الوقت في هراء آخر ..
هناك القواميس الناطقة الالكترونية، وقد وجدت أن من يبتاع أي قاموس منها لا يستعمله إلا أربع أو خمس مرات ثم ينسى الأمر برمته، ويضيع الجهاز أو تسيل الحجارة الجافة فيه ويتلف ..
أذكر في معرض القاهرة للكتاب أن بائعة حسناء راحت تطاردني، ليس لوسامتي طبعًا ولكن لتبيع لي سلحفاة بلاستيكية. لو ضغطت على بطن السلحفاة لسمعت صوت من يتجشأ أو يتأوه .. تصر الفتاة على أن هذا الصوت عبارة إنجليزية على الطفل أن يقلدها ليتحسن نطقه. ثمن هذه الأعجوبة المصابة بغازات البطن 600 جنيه مصري (400 درهم) وقتها.
هذا شخص آخر خطر له أن يستخدم الالكترونيات في التعليم، وصنع هذه السلحفاة عديمة القيمة التي تتجشأ في وجهك.
أعتقد أن الكمبيوتر يعطي فعلاً فرصًا عظيمة للتعلم، لكن يجب أن يتم هذا بمعرفة خبراء تربويين وعلماء نفس وفنانين حقيقيين، أما عما يدور الآن فهو نوع من الاستسهال وطريقة لجلب الرزق. ليس الأمر ببساطة أن نعلم الأطفال جدول الضرب، فنأتي بستة رجال شرطة يضرب كلاً منهم خمسة لصوص، ويكون على الطفل أن يخمن عدد الأشلاء الممزقة .. لو قال إنها ثلاثون شلوًا فلسوف تظهر زرافة تحمل طبلة في عنقها وتدق له محيية، ولو أخطأ نرسم قردًا يبكي ..
أو لو نجح يسمع أغنية أطفال سخيفة تقول:
أنا حاتعلم جدول ضرب .. بيفيد في السلم وفي الحرب
لا .. العملية أعقد من هذا، وأبسط من هذا في الوقت نفسه. ولهذا يترك الطفل عشرات المجلات التلقينية التي نحاصره بها ويعكف على قراءة مطبوعات ديزني .. ما هو السبب؟.. ليس لأن الأطفال أوغاد تافهون يستحقون الحرق .. فلتعد قراءة المقال من البداية !




د. أحمد خالد توفيق

اقرأ أيضا