الاتحاد

عربي ودولي

هناء عطية.. محاولات جديدة في كتابة الرواية

مفيد نجم:

يتميز الجيل الجديد من (الكتاب/الكاتبات) الروائيين بالنزعة الشديدة نحو التجريب والبحث عن أشكال جديدة للكتابة السردية، وتظهر تلك النزعة بوضوح أكبر عند الكاتبات في محاولة لتمثل التجربة المركبة التي تعيشها المرأة في الواقع موزعة بين هموم الواقع السياسية والاجتماعية العامة، وهموم الذات المعذبة حتى نجد التداخل والتراكب بين المستويين في الرؤية التي تطرحها الكاتبات في أعمالهن الروائية التي يستخدمن فيها تقنيات مختلفة كالمونتاج السينمائي وتيار الوعي وتعدد الأصوات وتقنيات الرواية الحديثة· وتشكل رواية هناء عطية( تمارين الورد) مثالاً على تلك المحاولات الجديدة في الكتابة الروائية، إذ تنحو منذ العنوان الذي يقوم بوظيفة الاتصال الأولى مع القارئ منحى شعرياً على مستوى لغة السرد الحكائي، يؤكده من ثم الإهداء الذي يتصدر العمل والذي يتألف من مقطع شعري مجتزأ من قصيدة للشاعر أحمد دحبور يعبر عن غربة الروح ووحشتها·
علاقات التجاور وشعرية اللغة
يحمل العنوان الرئيس للرواية معنى رمزياً يحيل على المرأة التي استخدم الورد للدلالة على شفافيتها ورقتها وجمالها، في حين يعبر الإهداء عن مضمون التجربة التي تعيشها الذات على مستوى الوجود والحياة ما يكثف مضمون التجربة ويهيئ أفق التوقع عند القارئ، ثم تأتي جملة البداية التي تؤسس للحكي من حيث بنيتها النحوية لتدل على علاقة الاتصال الدلالية بين جملة الاستهلال التي تفتتح به (الراويةُ / البطلة) السردَ وبين كلام سابق تتابعه الراوية في هذه الرواية، حيث تكشف تلك الجملة عبر المنولوج الذي تجريه البطلة مع نفسها طارحة سؤالها المعذب والناضح بالريبة حول علاقتها مع (الآخر/ الرجل) ومع العالم الخارجي، الذي تتكشف صورته السوريالية العجيبة من خلال علاقة شخصيات الرواية به: أعرف الآن أن الرجال تجمعوا حوله محدقين إلى نزفه الهادئ· سيلوكون الأسئلة بخفة وهذيان· هؤلاء·· ربما يتحسسون أجسادهم سرا بين الغرف·· وهم يضجون بالضحك الأكثر ارتباكا·
تحاول الروائية أن تلغي الحدود الفاصلة بين الكتابة السردية والأخرى الشعرية سواء من حيث البنية المجازية والاستعارية للغة السردية، أو من حيث السمات الأسلوبية المميزة للكتابة الشعرية كالحذف والتكرار وشكل الكتابة وتوزيعها، لاسيما أن جملة النهاية في كل فصل هي جملة شعرية بامتياز تكون بمثابة تعليق أو تكثيف دلالي ورمزي لمضمون التجربة المقدمة ويمكن القول إن بنية الأحداث التي تأتي متجاورة على طريقة الرواية الحديثة التي تغيب فيها العلاقات السببية بين الأحداث تجعل أحداث الرواية تسير بعفوية من دون أن تأخذ خطا تصاعديا، كما تجعل بطلة الرواية تنتقل بين الأمكنة والأزمنة بحرية كاشفة عن عدم وجود حدث مركزي تنتج عنه أحداث أخرى تساهم في تصعيد الخط الدرامي للأحداث، وتلغي الكاتبة التوزيع التقليدي للرواية على مجموعة فصول تاركة للتداعي الحر غير المباشر أن يرسم مشهد الحالة النفسية للبطلة ورؤيتها للواقع الخارجي· وتتميز الجملة السردية فيه ببنائها المكثف واقتصادها اللغوي ما يؤدي إلى خلق إيقاع سريع للسرد الحكائي الذي يهيمن عليه صوت (الراوية/البطلة)·
الواقعي والغرائبي العجيب
يتميز العالم الروائي بتلك الغرائبية العجيبة التي تجعل البطلة تعيشه بوصفه مزيجا من السوريالية والفنتازي والاستيهام الذي تتداخل فيه الصور والوقائع والكوابيس والشخصيات حتى تختلط صورته في وعي الراوية البطلة التي تسرد حكايتها مستخدمة تيار الوعي الحر الذي يتيح لها الانتقال في الزمان والمكان بحرية تامة تلغي معها الحركة الخطية التعاقبية الصاعدة للسرد من خلال تحطيم أبعاد الزمان الماضي والحاضر والمكان واستبدال واقعية السرد بالتدفق الحر للشعور أو الزمن الواقعي بالزمن النفسي، وتظهر علاقة البطلة بالحكاية بوصف الحكاية هي سمة ملازمة للمرأة على مستوى علاقتها بالواقع حيث تلح البطلة على الحديث عن تلك العلاقة باعتبارها وسيلتها للتعبير عن تجربتها القاسية وهو ما يظهر من خلال التركيز على دور المرسلة أو الشخصية الساردة التي تدور الحكاية السردية حولها وتقوم هي بمهمة سردها· ولعل العلامة الثانية المميزة للكتابات الروائية الشابة على مستوى التيمات هي موضوع الجسد وعلاقة المرأة بجسدها وقيمة هذا الجسد في واقع ذكوري يكرس دور المرأة على أساس وظيفتها المحددة كجسد لإشباع الرغبة والإنجاب، حيث تلعب المرأة دورا آخر أكثر خطورة يتمثل في إخضاع المرأة لتلك الوظيفة·
المرأة والحكي
إن غرائبية الواقع وعلاقة البطلة المختلة معه لا تنبع من معاناة المرأة القاسية وحدها، بل هي ترتبط بعلاقات الواقع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤدي إلى تغريب الذات وضياعها وشعورها بالاستلاب والتشيؤ حتى يتحول الواقع إلى مزيج من المعقول واللامعقول كما يكشف عن ذلك وعي البطلة المأزوم وعلاقتها بالواقع الذي تتداخل صوره وأزمنته وأمكنته وعلاقة الزوج معها وعلاقتها هي الأخرى مع زوجها، وعلى الرغم من هذا الإحساس الكابوسي بالواقع تظل البطلة مشغولة بالحكي ومنذورة له كأن الحكاية هي المعادل لوجودها وحياتها: كالعادة نسيت أين خبأت الورود التي من أجلها أعيد الحكاية· كالعادة··· سأحكي دونها وأدفع الثمن مرتين·
ولا شك في أن المهنة التي تعمل فيها البطلة وهي مهنة المكياج تنطوي على دلالة رمزية تتعلق بوهم تجميل صورة الناس بعد أن استهلكتهم الحياة ومعاناتهم القاسية فيها، ليس ثمة ترابط منطقي في انتقال السرد في المتن الحكائي للرواية مما قد يوحي للكثيرين بالتفكك في بنية الرواية ودخول السرد في استيهامات البطلة وتخيلاتها المفتوحة على العجيب والغريب والفنتازي الذي تحاول أن تربط بين زمنه وزمنها الأنثوي الخاص عبر ذلك السؤال الذي تطرحه على نفسها في نهاية الرواية: أراني هناك وريثة الصور·· صاحبة الأصابع المضحكة والجسد الملتبس مثل شيء يكاد أن ينفرط، أيشبه ذلك الساعات القليلة قبل الدورة الشهرية؟ هل أعيش دورة شهرية طوال الوقت·· منسحبة غامضة·· واضحة بوحشية!!·
لكن هذا المقترح السردي للروائية يحمل دلالته الخاصة التي توحي بالاغتراب والحالة الغرائبية التي بلغها الواقع وعلاقة الناس مع بعضهم البعض في ظل التحولات المتسارعة لهذا الواقع المنفلت والمأزوم الذي يتداخل فيه الوعي مع اللاوعي في حيوات الشخصيات ومصائرهم المنهوبة·
تعاني تجربة الكاتبة عطية من مسألة تكرار بعض المشاهد والحديث عن حالة الهذيان التي تعيشها بطلة الرواية· إذ أوقع التكرارُ السردَ في نوع من الملل وكان يمكن للرواية أن تتجاوزه من خلال تقديم مشاهد جديدة تعكس تلك الحالة وتعبر عنها بصور أخرى· ولا شك في أن هذه الأعمال تشكل استمرارا لتلك الأعمال الروائية التي تمزج بين لغة السرد ولغة الشعر مقيمة نوعا من التآلف والتساند فيما بين اللغتين معتمدة على الحلم والمنولوج الداخلي والتداعي الحر في رسم صورة لمعاناة شخوصها التي تتمثل صورة الواقع السائد وعلاقاته القائمة على التغريب وتكريس الشعور بالضياع والألم وفقدان القيمة الإنسانية للذات الغريبة فيه·

اقرأ أيضا

أميركا تفرض عقوبات على شخصين وكيانات مرتبطة بحزب الله