الاتحاد

الملحق الثقافي

النخلة.. قرينة المقدَّس

  لوحة للفنان وليام أدولف تظهر فيها امرأة تحمل سعفة النخل (أرشيفية)

لوحة للفنان وليام أدولف تظهر فيها امرأة تحمل سعفة النخل (أرشيفية)

د. عز الدين عناية

احتكرت مدينة سوسة التونسية مرابع صباي ومرتع طفولتي دون سواها، فالمدينة ساحلية فاتنة أغرت الفينيقيين قبل ألف عام من ميلاد السيد المسيح، فحطوا بها وجلبوا إليها شجر الزيتون، وما زالت سوسة وما جاورها من ربوع، مثل المنستير والمهدية وصفاقس، موطن غابات الزيتون، ما إنْ يغادر المرء العمران حتى يغرق في بحر من الخضرة، يوازي زرقة البحر التي لا تنتهي في الجهة المقابلة. لكن النخلة الباسقة، من حين إلى آخر، وسط تلك الخضرة الغامرة كانت تطلّ منفردة وحيدة، لا سيما قرب الآبار، ويندر أن ترى العين نخلتين أو أكثر متجاورتين، وكانت فعلاً علامة لافتة بعلوها الشاهق الذي يفوق سائر الشجر، فقد تسلقتُ في صباي كل أنواع الشجر وتمنّع عليّ النخل.

يزرع التونسيون النخلة طلباً للظلال والتبرك والجمال، وما كانت علاقتهم بها تزيد عن ذلك، لكنّ أشدّ ما كان يغريني أيام الصبا، ذلك المنظر الطافح بالخضرة، تطلّ من وسطه بغتة شجرة سامقة تلاحق عنان السماء لا تضاهيها الزيتونة طولاً مهما عمّرت، فكانت مدعاة للتأمّل والدهشة بالنسبة لي.
كانت تلك علاقتي بالنخلة حينها وإلى فترة الشباب، كونها موطن السحر والحسن والبهاء، حتى اكتشفت وجهاً آخر لها مفعماً بالقداسة مع إقامتي في بلد أوروبي وتخصصي في دراسات الأديان. تنبّهت أنها لم تشغل بال الإنسان شجرة، في التراث الكتابي، التوراتي والإنجيلي، مثلما شغلته النخلة. ويبرّر الإيطالي بييترو لاوريانو، في كتابه «الصحراء.. الحديقة المجهولة» الصادر عن «دار جونتي» (1989) ذلك، بخصوصية الشجرة البيولوجية وطبيعتها، التي تقف في منتصف الطريق بين عالم النبات وعالم الحيوان، مما حولها إلى شجرة مفعمة بالقداسة والبركة في المخيال الديني، سواء مع الذين هادوا أو مع أتباع المسيح. ولعل هذا التواشج بين الإنسان والنخلة ما دفع أبو حاتم السجستاني، فيما مضى، في «كتاب النخلة» لعدّها سيدة الشجر، والذهاب إلى أنها خُلقت من أفضل الطين الذي تبقّى من خلق آدم وقُدِّر لها أن ترافق الإنسان في الجنة، فعراقة هذه الشجرة الضاربة في القدم، جعلتها رفيقة الكائن البشري منذ عهود سحيقة، وتساميها وهي تعلو، تبدو وكأنها تحثّ الخطى بحثاً عن رابط يربط السماء بالأرض، لكونها أخت آدم، تبوح بذلك كما لا يبوح أي شجر آخر، كما يقول ابن عربي في «الفتوحات».

الشجرة الأسطورة
في منتصف القرن التاسع عشر، حين انطلقت أولى الحفريات الأثرية في العراق وما جاوره، أزاحت الكشوفات الآشورية الستار عن رمز نباتي على هيئة نخلة يحيط به الملوك والحكماء، يضمّ رسم شجرة الحياة، الشجرة المقدسة، ومع قدماء المصريين كان يوضع سعف النخل على المومياوات، وعلى صناديق الموتى، تيمّناً ببعثٍ آمن هانئ. وفي بلاد المغرب الكبير، حتى التاريخ الراهن، لا يزال النخل رمزاً للبهجة الكبرى التي تصحب الزواج وعقد القران، حيث يجلس العريس إلى عروسه، وقد أحيطا بسعف النخل. وهذه العراقة ليست من خاصيات الحضارات السامية فحسب، بل نجدها شائعة في حضارات أخرى نائية، فقد كانت النخلة لدى شعوب الشرق الأقصى، من وادي السند إلى بحر قزوين، رمزا للألوهية لأنها «خالدة» لا تأبه بعواصف البحار ولا بِحرّ الصحارى. تروي أسطورة من شبه جزيرة كاليفورنيا أن أحد الأسلاف الهنود من زعماء الجزيرة أحسّ بدنوّ أجله، فأسرّ لذويه أنه يريد أن يصير نخلة، في حيز وزمن ما كان فيه نخلٌ في الكون (أي في جزيرتهم)، ومن هناك فصاعداً صار «مول»، أي نخلة، وتبدّل في هيئة شجرة عالية وارفة.

النخلة والتراث الكتابي
حَفَل سِفرا العهد القديم والعهد الجديد بذكر النخلة مثلاً وعبرةً، فقد أورد سفر التثنية (34: 3) أن موسى من فوق جبل نبو أراه الرب جميع الأرض وأطلّ على أريحا مدينة النخيل. وكانت النبيّة دبورة تعقد مجلساً للقضاء تحت نخلة تسمى نخلة دبورة (القضاة 4: 4). ويروي سفر الملوك الأول (6: 29-35) أن النبي سليمان وشّى جدران معبده عند إنشائه بصور النخل ومنحوتاتها، كما يصف النبي حزقيال الهيكل أنه مزين بالنخل (حزقيال41: 18-20).
لكن النخلة التي ورد ذكرها في مواضع عدة في العهد القديم كعنصر من عناصر الزينة، نجدها تأخذ في «نشيد الأنشاد»، المنسوب للنبي سليمان، بعداً رمزياً صوفياً تطغى عليه لغة شبقية متوهّجة، حيث الحبيب يهيم بحبيبته قائلاً: «قامتك هذه مثل النخلة، ونهداك مثل العناقيد. قلتُ لأصعدنّ إلى النخلة وأمسكنّ بعذوقها، فيكون لي نهداك كعناقيد الكرم» (نشيد الأنشاد7: 7-8-9). وفي المزامير المنسوبة للنبي داود يتواصل هذا الإلماح الديني للمؤمن الصادق على هيئة النخلة «فالصِّدّيق يزهو كالنخلة» (المزمور92: 13).
لكن الرمزية الروحية للنخلة في العهد القديم نجدها تتطوّر مع العهد الجديد، وعلى خلاف الأناجيل الثلاثة، متى ومرقس ولوقا، يتحدث إنجيل يوحنا عن مقدم المخلّص منتصراً على الموت «بعد صلبه» ضمن عقيدة البعث من بين الأموات: «وفي اليوم التالي، عرف الجمهور الكبير الذي جاء إلى أورشليم. فحملوا سعف النخل وخرجوا لاستقباله هاتفين: أوصنّا، [خلِّصنا] تبارك الآتي باسم الرب، إنه ملك إسرائيل» (يوحنا 12: 12-13). وكما رأينا في إنجيل يوحنا تشير النخلة إلى بعث المسيح حيا، فهي في «سفر رؤيا يوحنا»، المعروف في الأدب الغربي بالأبوكاليبس، تمجيد للشهادة وتكريم للشهداء: «رأيتُ جمعاً غفيراً لا يحصى، من كل أمة وقبيلة وشعب ولغة... وقد ارتدوا ثياباً بيضاء، وأمسكوا بأيديهم سعف النخل، وهم يهتفون بصوت عال: الخلاص من عند إلهنا» (الرؤيا7: 9). واستلهاماً لهذه الآيات المرجعية في وصف بعث المسيح، باتت النخلة في الأيقونوغرافيا المسيحية رمز الشهادة والنصر والخلود، في مسع من المخيال الديني إلى استيعاب الدلالات الرمزية الرومانية الوثنية واستبدالها بحمولة دينية إنجيلية. فلم يتطلّع اللاهوت المسيحي إلى طمس الميثولوجيا السابقة، بل عمل على تحويرها وإضفاء دلالات مستجدة عليها، على صلة وثيقة بالمفاهيم الإنجيلية. ففي التصور المسيحي يُصوَّر طائر الفينيق على النخلة في إيحاء لبعث المسيح، وهو ما نجده معروضاً في رسم فسيفسائي في صدر كنيسة سان جوفاني لاتيراني في روما، وكذلك في عمل من أعمال الفنان جاكوبو توريتي يعود إلى العام 1294 يصور مشاهد المسيحية الأولى.
في واقع الأمر تأتي الرمزية الدينية المسيحية تركيباً مستوحى من التراث الأسطوري السابق بشأن النخلة وطائر الفينيق، إذ يروي بلينيوس أن نخلة ماتت في مصر ثم انبعثت ثانية مع الفينيق، ولذلك بقيت كلمة (Phoenix) في الإغريقية، تُطلَق سوياً على الطائر الأسطوري وعلى النخلة. وفي التصورات المسيحية اللاحقة، تتكثّف العلاقة بين صليب يساوي نخلة ومسيح يساوي طائر الفينيق، حيث نعثر على ذلك التصوير في العديد من الرسوم الفسيفسائية في روما، على غرار ما نراه في كنيسة القديسة براسيدي وكنيسة سانتا شيشيليا، وكذلك في جدارية لبييترو لورنزيتي تعود إلى مطلع القرن الرابع عشر، تتحدث عن لجوء العائلة المقدسة، المسيح الرضيع وأمه ويوسف النجار إلى أرض مصر، كما ورد في إنجيل متى، تظهر النخلة في الرسم منحنيةً وكأنها تعانق المسيح. وفي العصور الوسطى كان الحجيج النصارى من الفرنجة يأخذون معهم عند عودتهم سعف النخل من الأراضي المقدسة.

نخل صقلية
لا تزال النخلة في باليرمو وغيرها من مدن الجزيرة، مثل مَرْسالا (مرسى الله)، وألْكنترا (حلق القنطرة)، وفافارا (الفوّار)، وشاكّا (السّاقية)، وألْكامو (منزل القمح) تحوز الموضع السامي في القصور الخاصة والعامة، ولا يزال رائجاً بين النساء حتى اليوم اسم «بالْما»، أي نخلة، واسم «تمارا» (تمرة)، في إيحاء إلى الاسم التوراتي تامَارَ. كما امتزجت النخلة باعتقادات شعبية في صقلية تُوظَّف لطرد الساحرات اللواتي يظهرن في القيلولة، وذلك بقطع ثلاث سعفات مع ترديد تعويذة: «بيقين أقصّ السعفة، في الحقل وفي الطريق، دفعاً لكلّ ساحرة أثيمة». ويذهب بعض المؤرخين الإيطاليين إلى أن أول من بثّ شجر النخل في أرجاء الجزيرة السراسنة، أي المسلمين.. صحيح أن النخلة باتت شجرة مألوفة مع حضور المسلمين ولكن النصوص القديمة تورد ذكرها منذ عهود سحيقة أكان في صقلية الإيطالية أو في ديلوس اليونانية، ويعود ذلك إلى مهاجرين قدماء أتوا من أفريقية وآسيا جلبوها معهم. وهكذا حضر رسمُ النخلة على المسكوكات البونية الصيقولية، وعلى مسكوكات باليرمو وهيميرا. إذ تروي الأوديسة (6/‏ 160-163) أن عوليس بقي منبهراً لما ظهرت ناوسيکا: «ما رأيتُ بأم عيني مثل هذا.. لا رجلا ولا امرأة.. يجتاحني ذهول وأنا أتملى فيك، رأيت مرة واحدة في ديلوس، بالقرب من مذبح أبولو قامة فارهة كما ينبت النخل»، وفي موضع آخر من الأوديسة لم ينس عوليس الفرحة التي غمرته حين رأى النخلة تنبت وتعلو في جزيرة ديلوس.

أصلها من سيشل!
فيما أورده الكاتب الفرنسي ألان دورنيران في مؤلف بعنوان «تاريخ النخل» (1990)، تُروى أسطورة تعود إلى جزر السيشل «بعد يوم الخلق طار طائر للمرة الأولى صوب الشمس. وأثناء صعوده اُنتُزعت من جناحه ريشة بقيت تترنح طويلاً حتى لامست أديم الأرض، عانقت موضعاً خصباً، فظهرت النخلة المباركة بسعفها الشبيه بريش طائر الأزمنة القديمة».

اقرأ أيضا