الاتحاد

دنيا

أمام المرآة

سعاد جواد:

إنها تقف أمام المرآة ساعات طويلة بلا ملل، لا أدري لم هي معجبة بشكلها إلى هذا الحد؟ تدلل نفسها بنفسها، فلا أحد يكترث لها· بعد أن تنظر في المرآة طويلا وتقوم بحركات مختلفة تردد: فديتني ··· ما أحلاني· أمرها عجيب، لم تفلح في دراستها، وقد أعادت السنة الثانوية الأخيرة بسبب رسوبها في الدور الثاني ثم نجحت بمعدل بسيط لم يساعدها على دخول الجامعة·
إنها أختي الوحيدة، وأنا أحبها، ولكنها تتصرف بشكل يثير توتري باستمرار· لا تحب المذاكرة وبمجرد أن تمسك كتابا تبدأ بالضجر والتأفف، وكأن هموم الدنيا حطت على رأسها، وسرعان ما تلقيه بعيدا عنها وتعود إلى متعتها المفضلة وهي الوقوف أمام المرآة·
ترفع شعرها وتعقصه، تفكه وتربطه، ثم ترسم عيونها بالكحل والظلال حتى تبدو مثل الشيطان، ثم تبدأ بطلاء وجهها بالأصباغ المختلفة ثم تعاود التغني بجمالها وهي معجبة بنفسها إعجابا لا حدود له· بعد ذلك تنظر إلي بدلع لتستفزني وهي تقول: انظري إليّ··· ألست جميلة؟ وبالطبع فإنني أكون مستغرقة في مذاكرتي لأنني أدرس في السنة الجامعية الثانية ولا وقت لدي أضيعه معها· معظم وقتي أقضيه في الجامعة وعندما أعود فإنني لا أجد وقتا كافيا لإتمام واجباتي، فالمواد كلها صعبة وتحتاج مني إلى الجد والتركيز، وكيف يتم ذلك وأنا مضطرة للتعايش مع أختي التي تختلف عني اختلافا جذريا·
عندما تجدني منهمكة في مذاكرتي وغير مكترثة لها، تفعل أمورا كثيرة لاستفزازي واستثارتي، فهي تستهزئ بي وبجديتي وتحاول إقناعي بوجهة نظرها قائلة: نحن خلقنا لنعيش معززات مكرمات في منزل الزوجية· لم نخلق لمثل هذا الهراء· أحاول إقناعها بأنني أرغب في الحصول على الشهادة لأنها ستكون سلاحي الذي أخبئه لتقلبات الزمن· وإنني أحب العلم وأشعر بأنني سأخدم مجتمعي بمهنة الصيدلة التي أدرسها، فتسكتني قائلة: أرجوك لا تتمادي في محاضراتك المملة··· فأنا لا أفكر مثلما تفكرين·
تعود للانهماك بأمورها السخيفة فتقوم بطلاء أظافرها، ثم تفتح دولاب الملابس وتبدأ بحشو جسدها في ثياب كلها أصغر من حجمها، فهي تحب الملابس الضيقة، حتى أن معظم الثياب التي تشتريها تتمزق عليها بعد اللبسة الأولى، ولا أدري لم لا تريح نفسها بلباس واسع خصوصا في البيت·
هوايتها الثانية هي الخروج للتنزه، ففي كل ساعة تخطر على بالها فكرة جديدة تقترحها علينا للذهاب إلى هذا المكان أو ذاك، وبالطبع فإن كل خططها تلقى المعارضة من أمي التي تعود من عملها منهكة ولا تحب الخروج من المنزل إلا في الإجازات·
عندما ترفض أمي مقترحاتها تتذمر وتردد كلمات كثيرة مللنا من سماعها، ثم تبدأ هوايتها الثالثة وهي اللجوء إلى الهاتف والتحدث المتواصل مع صديقاتها· أحاديث سخيفة مملة لا أول لها ولا آخر·

شعور مؤلم

كنت أحيانا أشعر بالظلم لأنني مضطرة للتفرج على هذه المهزلة اليومية، فأنا أشاركها نفس الغرفة ولا مفر لي من التعايش مع هذا الوضع المزعج·
على فكرة··· نسيت أن أذكر إحدى هواياتها الهامة في حياتها· إنها الأكل··· ففمها لا يمل من المضغ ولا يخلو أبدا· مكسرات، تشيبس، حلويات· تفتح الثلاجة ولا تسأل لمن هذا الطعام بل تنهشه بلا تفكير، فلا أحد يحق له إخفاء وجبة طعام، خصوصا إذا كانت من أحد مطاعمها المفضلة، البيتزا، والهامبرغر·
أما من الناحية الدينية فهي تصلي فروضها في آخر لحظة قبل انتهاء الوقت، ولا تصلي إلا إذا تم تذكيرها لمرات متعددة بقرب فوات الوقت، ومعظم صلواتها قضاء·
كنت أدعو ربي بصدق أن تتزوج بسرعة مع أنها أصغر مني، لأنها تعيش بلا هدف· فلا دراسة جامعية ولا عمل، حلمها الوحيد الذي تسعى إليه هو الحصول على ابن الحلال الذي يحقق لها رغباتها المتعددة التي عجزت أسرتنا عن تحقيقها· أتمنى من كل قلبي أن يتحقق حلمها الوحيد فتتزوج وتذهب بعيدا عني· ولكن يبدو أن هذا الحلم لن يكون قريبا لأنها مازالت في الثامنة عشرة من عمرها·
تردد دائما بأن أمي تفرق بيننا، أنا وهي، مدعية بأنها تحبني أكثر منها، وبالطبع فإن ذلك لم يكن صحيحا، لأن أمي تحبنا نحن الاثنتين بنفس القدر، ولكنها غير راضية عن تصرفات أختي وطريقة تفكيرها، وهي تنتقدها باستمرار بسبب عدم اهتمامها بالمذاكرة، وبسبب إلحاحها الكبير للحصول على أشياء كثيرة ترهق ميزانية الأسرة، فهي تحب التسوق والتنزه والسفر، وبالطبع فإن في كل ذلك تكاليف كثيرة لا تطيقها أمي·

المواجهة الحادة

في أحد الأيام حدثت بيني وبينها مشادة كلامية حادة فأسمعتها رأيي فيها بصراحة· أخبرتها بأنها إنسانة فاشلة تعيش بلا هدف، والأفضل لها أن تفكر بطريقة أكثر فاعلية فلا تشكل عبئا على والدتنا المسكينة التي تتحمل نفقاتنا لوحدها بعد أن طلقها والدنا وتزوج غيرها ولم يعد يسأل عنا، لا من قريب ولا من بعيد·
أمنا المسكينة تتحمل صعوبات وضغوطات كثيرة لتؤمن لنا احتياجاتنا، وعلينا أن نكون جادتين في مساعدتها وعدم تحميلها أكثر من طاقتها·
نظرت إليّ أختي نظرة حزينة وقد تأثرت بكل كلمة قلتها لها وقالت: ماذا تقترحين عليّ أن أفعل؟ قلت لها: كوني جادة وابحثي عن عمل واشغلي به نفسك بدلا من الوقوف أمام المرآة والتحدث الممل في الهاتف وتناول الطعام طوال الوقت· فمن يضمن لك مجيء الخاطب بعد عام أو عامين أو أكثر، إن انتظارك للزواج سيطول كثيرا إن أصبح هو شغلك الشاغل في الحياة، انسي هذا الأمر وابحثي عن عمل·
دمعت عيناها من صراحتي وقالت: أين سأجد العمل؟ قلت لها: إن خالتي تملك محلا لخياطة وبيع العباءات، اطلبي منها أن توظفك لديها فهي لن تعارض تلك الفكرة وسترحب بها· قالت: اخبريها أنت وسأطبق ما ترينه مناسبا· قالت تلك الكلمات ثم انصرفت إلى شأنها·
أعرف أنني كنت قاسية عليها، ولكن كان لابد من تلك القسوة لتصحو وتستيقظ من خدرها وتفعل شيئا لصالحها·
كان تفكيرها جادا هذه المرة، فقد تحدثت بنفسها مع خالتي وأبدت رغبتها في العمل عندها فرحبت خالتي بالفكرة وبدأت أختي مرحلة جديدة من حياتها·

حياة مختلفة

العمل في المحل ليس سهلا، عليها أن تنهض بشكل مبكر وتبقى طوال اليوم هناك، تتلقى اتصالات الزبائن وتأخذ المقاسات وتكتب الفواتير· أرادت أن تتراجع عن الفكرة ولكنها خشيت أن نتهمها بالفشل في كل شيء فواصلت عملها بنشاط وحيوية وصارت تلتقط الزبونات باسلوبها اللطيف ووسائلها الجيدة في الإقناع والتأثير عليهن· حاولت أن تكسر قاعدة الفشل التي لازمتها في سنين الدراسة وارتسمت على وجهها علامات السعادة والرضا· وبالطبع فهي لم تنس أبدا هدفها الرئيسي الذي تسعى إليه بجدية وهو البحث عن ابن الحلال الذي يخلصها من مشقة العمل ويريحها في بيت الزوجية·
راحت تبحث عن أم أو أخت لشاب مناسب من بين زبوناتها، وبالطبع فإن معظم الزبونات كن من الشابات المتزوجات أو غير المتزوجات، ولم يكن من السهل إفهامهن بأن الموظفة التي يتعاملن معها تبحث عن ابن الحلال·
المحل الذي كانت تعمل فيه يقع في أحد مراكز التسوق وقد شاهدت نماذج مختلفة من الشباب المختلفين في الأصول والأجناس والمستويات المادية· حاول البعض منهم استدراجها بهدف التسلية وإقامة العلاقات التي لا هدف لها، ولكنها كانت ذكية تعرف ما تريد· رفضت تلك العروض وبقيت تنتظر·
بعد سنة واحدة من عملها أحست بأنها متورطة، ذلك لأن حلمها أصبح شبه مستحيل، فمن يفكر بالارتباط بفتاة تعمل بائعة؟
ولأنها لا تحب أن تعمل، وكل ما تحلم به هو أن تكون زوجة لرجل يضمن لها عيشا مريحا في بيت مستقل، تصحو من نومها متى شاءت وتتصل به ليسمعها كلاما جميلا وفي المساء يأخذها إلى التنزه في مراكز التسوق والمطاعم والأسواق، ولا يبخل عليها ويدللها فتنجب له البنات والبنين··· تركت العمل وجلست في البيت مرة أخرى·
شعرت بالغيظ الشديد منها وصرت أتعامل معها بعصبية شديدة· حاولت أن تستميلني للتعاطف معها والاقتناع بوجهة نظرها، ولكني فكرت بمدى المضايقة التي ستسببها لي وهي تمارس هواياتها البغيضة المزعجة لي في الوقوف أمام المرآة والتغني بجمالها، وفي التحدث الطويل المزعج عبر الهاتف، وفي الجلوس أمام شاشة التلفاز والتهام الأطعمة بلا تفكير·
حاولت أن تغير من سلوكها كي لا تغضبني، فصارت تفتعل السكينة، تمسك كتابا أو مجلة، تضغط على نفسها كي تقرأ قليلا، ولكنها تقلب الصفحات بسرعة ثم تبدأ بالتثاؤب وتترك ما بيدها وتنام·
أجبرت نفسها على تغيير نظام النوم، حيث صارت تنام في فترات مذاكرتي، وتصحو عندما أذهب للنوم، فتغلق علي باب الغرفة وتجلس في الصالة أمام التلفاز، تضع إلى جانبها الهاتف وفي حضنها صينية الطعام· بقيت لفترة على هذا الحال الذي لم يعجب الوالدة، فنهرتها ومنعتها عن السهر طوال الليل، فعادت لنظامها القديم بعد أن نسيت الموضوع كله·
لم تعد تكترث لي، وعادت لممارسة هواياتها كلها دون أن تعطيني وقتا للمذاكرة أو الراحة، فماذا أفعل؟

البحث عن حل

قررت مفاتحة خالتي في هذه المعاناة التي تسببها لي أختي، فخالتي هي أقرب الناس إلى نفسي، وهي تملك الحكمة والعقل الراجح، أستأنس برأيها وأحب نصائحها وكلماتها· أخبرتها بكل ما تفعله أختي ومدى تأثير ما تقوم به علي، فابتسمت وقالت: يا ابنتي··· إن تواجدكما معا أنت وأختك هو تواجد مؤقت، ستشتاقين إليها كثيرا في المستقبل، فهي ستكبر وتنضج وتتغير وستتزوج وتكون لها أسرة تنشغل بها· وأنت أيضا ستكون لك مشاغلك وحياتك الخاصة، ستشتاقين لها وتتذكرين كل ما كانت تقوم به، وما تعتبرينه الآن مضايقة كبيرة لا صبر لك عليها، ستضحكين منه لاحقاً··· وسيصبح كل الذي تحسينه نحو أختك مجرد ذكريات تبتسمين عندما تمر بخاطرك· الزمن يا ابنتي يغير الأحوال ولا شيء يبقى على حاله أبدا، وكلما مرت السنين فإننا ننسى آلامها ومتاعبها ونتذكر فقط ما هو جميل فيها·
سكتت خالتي وبقيت سارحة والابتسامة مرتسمة على وجهها، فسألتها: بماذا تفكرين يا خالتي؟
قالت: تذكرت حياتنا أنا وأمك عندما كنا في نفس عمركما أنت وأختك· كانت أمك المدللة عند والدتي وكنت أتضايق كثيرا منها لأنها تفضلها عني في أشياء كثيرة·
كنت اعتقد بأنني لا أحبها بسبب ذلك التفضيل، ولكن بعد مرور الزمن أدركت بأنني أحب أختي حبا عميقا وكبيرا يجعلني قلقة عليها باستمرار، أفكر بها كما أفكر بنفسي، أفرح لفرحها وأحزن لحزنها· أنت أيضا سيكون هذا إحساسك نحو أختك في المستقبل فاصبري على ما تفعله معك، فلكل إنسان طبيعة وشخصية ميزها الله بهما، فلربما تكون أختك زوجة ناجحة وربة بيت ممتازة مادامت لا تملك مواهب في اكتساب العلم والتحصيل الدراسي·
أعجبتني كلمات خالتي، وصرت أنظر لأختي بعين الحب والتفهم، وأراها وهي تقف أمام المرآة تدلل نفسها··· فأبتسم من قلبي، تستغرب هي وتحاول استفزازي ولكني ابتسم لها وأعود للاستغراق في المذاكرة التي أحبها·
أحمد ربي كثيرا أن ميولي غير ميول أختي وأن رغباتي غير رغباتها وإلا لكنت الآن أتنافس معها على المرآة الوحيدة الموجودة في غرفتنا·

اقرأ أيضا