صحيفة الاتحاد

دنيا

العود.. سيّد الروائح وملك العطور المتوج

أمل النعيمي:

تأخذك الدهشة، وأنت تهم بدخول هذا المكان، تفاصيل الاستقبال والألوان، والروائح، وكأنك في حفلة من ليالي ألف ليلة وليلة، يتسابق عبق العود إلى حواسك، هل أنت في حلم وكأن كل ما تراه قد شكل لك وحدك!·
أريج الأميرات واحة لأسرار العود ودهنه، فيها أنواع متعددة وتحف فنية حسب الطلب، وعلى هوى الأذواق، وتتسابق أماني الزائر للاقتناء مع كل رفَّة رمش، كل جزء من زواياها لوحة تحمل في طياتها زجاجات دهن العود المذهبة وباقات خشب العود المتناسقة، والذي تفوح رائحته المترفة في زوايا المكان التي تختزن تاريخ الماضي بتفاصيله كافة·
مع علي محمد الملا المدير العام لـ أريج الأميرات كان هذا الحوار·
يقول الملا: أتذكر هذا وكأنه حدث بالأمس القريب، فقد نشأت في منزل يعاف كل الروائح إلا العود ودهنه، ولم أشم إلا أطيب العطور، وكان والدي يصطحبني إلى الأسواق أحيانا كثيرة، أراقب ما يفعل، وعندما شببت عن الطوق، بدأت اخترق المهنة بطريقتي، بعد ذلك أصابني ما يشبه الغيرة على هذا العزيز الغالي لدرجه أنني أشعر أحياناً ببعض الندم إذا اشترى احدهم بضاعة اعتز بها ·

رحلة العود

ولأن كل تاجر يعنى بتفاصيل تجارته والإلمام بعوالمها المختلفة، سعى الملا إلى تقديم أجود ما في السوق العالمية، يقول: زرت أسواق العود وتسللت إلى الغابات برفقه المختصين، فكل صاحب تجارة، يتقمص شخصية تجارته، وتجارة العود من الغابة إلى السوق تمر برحلة تحتاج إلى الصبر والدراية والحنكة والقدرة على التجاوب السريع مع المتغيرات· هذه المسيرة التي مررت بها منذ 8 سنوات أعطتني شيئاً من التحدي وعدم القبول إلا بالأكمل والأجمل، لهذا نقدم في أريج الأميرات الخصوصية والفَرادة لزبائننا، حيث نوفر لهم زجاجات دهن العود المذهبة، وباقات خشب العود المتناسقة ·

العود درجات

العود ليس عوداً واحداً بل درجات وطبقات وأنواع يبينها لنا الملا بقوله: ينقسم العود إلى عدة درجات، أولها العود الأزرق (تربل سوبر)، وهو الأكثر ندرة وجودة، ويليه (دبل سوبر) و (السوبر الصغير)، وأنا أتاجر بالعود الأزرق وهو آخر مراحل العود وأكثرها تركيزاً، وتتوفر لدينا مجموعه خاصة من الحقائب ذات التصاميم الفخمة والمسكوة بالجلد الفاخر المصنوع محلياً لتتناسب مع أذواق ضيوفنا المختلفة·

لا للخداع

يضيف الملا: قطعت على نفسي عهداً أن لا أنساق إلى الرخيص من العود في تجارتي، بل اهتم ببناء طبقه خاصة من الـ (VIP)، في محاولة لتغيير مفهوم الناس وإرشادهم إلى الأجود، وعندما أحقق ذلك، أكون قد وصلت إلى تغيير مفهوم السوق والمستهلك، فالجهل بطبيعة (العود) لدى الناس يخلق لدينا تاجراً متمرداً، يتفنن في خداع المستهلك، وهمّه الوحيد هو الثروة·
أنا لا أريد أن أخسر أهلي وناسي وأحبابي من أجل بضعة دراهم، فالتوفيق من الله وحده، ولدينا طاقم من الشباب المدربين المؤهلين، حيث نقوم على تدريبهم ونختار الأفضل، لأن عملهم يتطلب زيارة القصور لتقديم بضاعتنا، إنني أثق كثيرا بشبابنا وأضع بين أيديهم حقائب العود التي قد يصل ثمن بعضها إلى ملايين الدولارات دون خوف على البضاعة ولا على سر المهنة الذي أحتفظ به في ذاكرتي ·

كلنا نحب العود

يواصل الملا: الأسر في الخليج والجزيرة العربية إجمالا تستهلك ما يعادل (كيلو) من العود، لكن استهلاك العود لا يقتصر على الخليجيين كما هو شائع بين الناس، بل تتشارك في حبه شعوب الشرق كلها، وذلك لارتباطه بثقافات وعادات وتقاليد شعبية· اليابان، على سبيل المثال، تستورد من هذه المادة ما يعادل واردات دول الخليج نتيجة لدخوله في طقوس العبادة واستخدامه كنوع من الرفاهية، كذلك يستخدم بعض أطباء الهنود والباكستانيين العود لتعقيم غرف العمليات، وقد عرف عنهم معالجة بعض الأعراض المرضية التي تصيب الإنسان بالعود ·

تراث أصيل

عرف العود في منطقة الخليج العربي منذ بداية القرن العشرين، عندما ترسخت التجارة مع الهند، حيث كان آباؤنا وأجدادنا من التجار والطواويش يقايضون العود باللآلئ، وبالتدريج أصبح العود جزءا من ثقافة بلدان الخليج العربي، وعادة يمارسها الناس عندما يزورهم ضيف مهم، حيث يقومون بتعطير المكان بهذه الرائحة المميزة، كما أنه هدية ثمينة تتبادلها العائلات والأصدقاء والأحباب بين بعضهم البعض·
ورغم ظهور أنواع عديدة من العطور المختلفة والتي تتطور يوما بعد يوم، إلا أن رائحة العود لا تزال تشكل جزءا لا يتجزأ من عاداتنا وتقاليدنا، فقد غدت تعبيرا اجتماعيا عن المودة والتقدير للشخص المهداة إليه، ولا تزال من أثمن وأكثر الروائح روحانية وأصالة عند استنشاقها·