الاتحاد

دنيا

للصراحة الزوجية.. حدود

الثقة المتبادلة بين الزوجين عماد حياتهما الزوجية، وحجر الزاوية في استقرار هذه الشراكة الاجتماعية واستمرارها، وغيابها يلقي بلا شك بظلال كثيفة تهدد هذا الاستقرار، ويخل بالأدوار الطبيعية والمسؤوليات الاجتماعية والأسرية لكل طرف· هذه الثقة لا يمكن أن تتوافر في غياب الصراحة الزوجية، لأن هذه الأخيرة هي مفتاح الثقة وبابها الواسع، وسرعان ما تهتز الثقة إن غابت الصراحة، فلا ثقة من دون صراحة·
من هنا تتبدى أهمية الصراحة التي تعتبر العمود الفقري في إقامة دعائم حياة أسرية خالية من الشكوك التي قد تهدد كيان الأسرة وتؤدي إلى الانهيار· نحاول هنا أن نتعرف إلى حدود الصراحة بين الزوجين، وما الذي يخفيه الزوج عن زوجته، وما الذي تخفيه الزوجة عن زوجها؟

هناء الحمادي:

يبدو أن للصراحة حدوداً تماماً كما أن للصبر حدوداً، فقد تؤدي الصراحة في بعض الأحيان إلى تدمير الأسرة في حال لم يكن الزوجان على قدر معقول من التفاهم والوعي بما لا يضر أو يجرح مشاعر الطرف الآخر· ويعتقد الكثير من الرجال أن مصارحة الزوجة بأسراره ينقص من رجولته، ويقلل من شأنه وهيبته، مما يتيح للزوجة السيطرة على الزوج· وفي مقابل ذلك، نرى الكثير من الزوجات يعلمن بخيانة أزواجهن، ويفضلن عدم الصراحة أو المواجهة لأسباب كثيرة، مما يدفع الأزواج إلى التمادي في الخيانة·

صورة مشرقة

الصراحة راحة، هذا ما أكدته (س· محمد أحمد) التي اعترفت لزوجها بأنها كانت على علاقة مع أحد الشباب وهو الآن يهددها بالصور التي يحتفظ بها، تقول: ''بعد زواجي بسنتين، وبينما أنا في سعادة وهناء مع زوجي، ظهر وحش الماضي في حياتي، فالشاب الذي كنت أعرفه قبل الزواج أخذ يهددني بإرسال صوري إلى زوجي· انقلب حالي ولم استطع الاستمرار في إخفاء أمري· حاولت بشتى الطرق أن أعالج الأمر، لكنني لم أستطع فقررت بيني وبين نفسي أن أصارح زوجي بما يشغل بالي· في البداية ترددت في أن أقول له الحقيقة، حيث راودني الشك في أن زوجي قد يطلقني بعد أن يعرف حكايتي، وبعد تردد وحيرة حزمت شجاعتي وأخبرت زوجي· في البداية توقعت أن يكون الطلاق ردة فعل زوجي، لكن ما حدث لم يكن في الحسبان، حيث قرر زوجي الحديث مع هذا الشخص الضعيف الشخصية الذي يهدد البنات بأعراضهن ويوقفه عند حده· وبالفعل بعد مواجهة زوجي مع هذا الشخص، تيقنت أن زوجي ما زال يحبني، ولم تسعني الدنيا من السعادة، عندما أكد لي أن العلاقة القائمة على الصراحة أفضل، بدلاً من العلاقة التي تهددها الشكوك وعدم الثقة''·

تأنيب الضمير

سالم علي حاله أخرى ـ متزوج منذ سنة ونصف السنة - يقول: ''تزوجت من بنت الجيران، ومر على زواجنا خمسة أشهر من دون إنجاب· الكل يريد أن يفرح بنا ويتمنى أن يرى طفلاً بيننا، ولكن ما حدث لم أتوقعه· حيث اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب على الرغم من مقومات الرجولة الكاملة· أخفيت هذا الأمر عن زوجتي وأسرتي· وفي أحد الأيام طلبت زوجتي الطلاق بسبب كلام أمي الجارح لها ومعايرتها بعدم قدرتها على إنجاب طفل واحد لي، وأنها عاقر· وبدلا من أن أهون عليها آلامها وأصارحها بالحقيقة، مثلت عليها دور الزوج المضحي الذي يتخلى عن حلمه في الإنجاب ويتمسك بزوجته، وأخبرتها أنني لا أريد أطفالاً ويكفيني الحب الذي يجمعنا·
إلا انني أشعر بالحزن ويؤنبني ضميري كلما قرأت نظرة الحزن والانكسار في عينيها· لا أعرف كيف أواجه زوجتي بالحقيقة ولا أطيق فراقها ولست متأكداً أنها ستتمسك بي ولن تتركني إن صارحتها بالحقيقة·

زوجة مع وقف التنفيذ

أما هذه المرأة التي أصبحت زوجة مع وقف التنفيذ، وربما حتى إشعار آخر، فتعزو ما أصابها إلى عدم الصراحة، تقول (أمل·ع): ''أنا الآن زوجة مع وقف التنفيذ، وحكايتي تبدأ من اليوم الأول لزواجي، حيث أنني فقدت عذريتي منذ الطفولة بسبب اعتداء أحد الشباب علي، ولم يعلم بهذا الأمر سوى أمي التي أخفت هذه الحقيقة عن أفراد الأسرة· وبالفعل نسيت هذا الأمر إلى أن جاء اليوم الذي خطبني أحد الشباب، وفكرت بيني وبين نفسي قبل الموافقة أن أبوح له بهذا السر الذي أكنه في صدري وأعتبره نقطة سوداء في حياتي، لكن كرامتي وسمعتي كانت أقوى ومنعتني من قول الحقيقة، وقد شجعتني أمي على ذلك، وحذرتني من البوح بهذا الأمر لهذا الشاب أو لأي أحد حتى لا تصبح سمعتي على كل لسان، وعندها لن يتقدم لي أحد· وافقت بسرعة البرق، وتم الزواج ودخلت إلى بيت الزوجية، ولكن منذ الليلة الأولى لم تمر حياتي مثل بقية البنات، فقد اكتشف زوجي ''الحقيقة المُرة''، وهنا حدثت الطامة الكبرى، حيث خرج من البيت إلى غير رجعة، ولم يفتح لي المجال لأخبره بما حدث، وإلى الآن لا أعرف مصيري، ولا أعرف أين هو، على الرغم من مرور ما يقارب أربعة أشهر على الزواج، حتى أهله لا يعرفون سوى انه سافر فقط، إنني في حيرة من أمري فربما لو صارحته قبل زواجي لتفهم مشكلتي ولا أعرف الآن ما هو ذنبي، وما هو مصيري؟!''·

نعمة··· ونقمة

الصراحة في الحياة الزوجية مهمة للغاية بلاشك، لأنها دليل على الحب والإخلاص، وتحفظ العلاقة بين الزوجين وتديمها، كما أنها تحمي أطرافها من الانتقاد· هذا ما يؤكده محمد المرزوقي، مدرب الاتيكيت الزوجي، ويقول: ''إن عدم توافر الصراحة بين الزوجين يعتبر مؤشراً خطيراً، فالكتمان يفتح باب الكذب· وربما يكون الكتمان إيجابياً ولكن في غير العلاقة الزوجية· لكن الصراحة على أهميتها ينبغي أن تكون المصارحة في حدود، فمن غير المعقول أن يصارح الزوج زوجته بماضيه أو مغامراته، وبالتالي إن غفرت الزوجة لزوجها، فإن غفران الزوج من سابع المستحيلات، ومن هنا تصبح الصراحة الايجابية في حد ذاتها غير ايجابية على أرض الواقع، ونتيجة لذلك نرى أن الشك وعدم الثقة يزداد بين الأزواج''·
ويضيف: ''إن احتفاظ كلا الزوجين بأسراره أو خصوصياته لا يعتبر كذباً، بل قد يكون العكس، فكل طرف يريد أن يحافظ على كيان الأسرة من الانهيار والتشتت· وأعتقد أن الزوجة لن تجد أقرب لها من زوجها لتصارحه بكل ما يشغل تفكيرها وأسئلتها وحيرتها وكذلك الزوج، فالإحراج وجرح المشاعر غير موجود في هذه الحالة لأنهما يعيشان تحت سقف واحد''·

اقرأ أيضا