الاتحاد

ألوان

الخلاف.. له آداب وقواعد

الخلاف موجود في كل المجتمعات، ولكن لابدَّ أن يُحاط بأدب الخلاف الذي التزمه جيل الصحابة والتابعين- رضي الله عنهم أجمعين- ومن بعدهم من الأجيال الصالحة.
ومن المعلوم أن المنهج الإسلامي واضحٌ لمن أراد أن يُصلح، وذلك بالنصيحة، كما جاء في الحديث الشريف: «الدِّينَ النَّصِيحَةُ، قُلنا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلكِتَابِهِ، وَلرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»، «أخرجه مسلم»، وبالكلمة الطيبة المؤثرة، كما جاء في قوله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)، «سورة طه: الآية 44»، ولهذا لما جاء أحد الوعاظ إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، فدخل على مجلسه فأغلظ عليه القول، فقال له: يا هذا، إنَّ الله أرسل مَنْ هو خيرٌ منك إلى مَنْ هو شرٌ مني، فقال تعالى: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)، ومما يروى عن الإمام الشافعي- رحمه الله- قوله:
تَعَمَّدني بِنُصْحِكَ في انْفِرَادِي
وجنِّبني النصيحة َ في الجماعهْ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ.
من التوبيخِ لا أرضى استماعه
فَإنْ خَالَفْتنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي
فَلاَ تَجْزَعْ إذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَهْ
كما ذكرت كتب السيرة والتاريخ أن الحسن والحسين- رضي الله عنهما- شاهدا- في صباهما- شيخاً لا يُحسن الوضوء، ومنعهما الحياء أن يُنكرا عليه، فزعما له أن بينهما خلافاً، أيهما أحسن وضوءاً من الآخر، وأنهما ارتضياه حكماً، فتوضآ أمامه، فلم يلبث الرجل أن أدرك أن وضوءهما حسن، وأنه هو الذي لا يُحسن الوضوء، ثم قام فتوضأ.
فكل مسلم يخرج من حظّ نفسه مكلفٌ أن يسلك هذا الطريق.
خُلُق الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع معارضيه
ما أجمل خلق الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع معارضيه، فقد جاء في كتاب السيرة النبوية لابن هشام ما دار بين عتبة بن ربيعة وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، «فهذا عتبة ترسله قريش مفاوضاً وعارضاً على الرسول - صلى الله عليه وسلم - المال والسيادة والمُلك والعلاج إن كان به مرض أو مَسٌ من الجن، وكان - صلى الله عليه وسلم - يُصغى إليه دون مقاطعة، حتى إذا ما انتهى من كلامه الذي يعرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كلام باطل، ولكنه أدب الاختلاف الذي التزمه، ليسمع للرأي الآخر دون مقاطعة، قال له: «يا أبا الوليد أفرغتَ من كلامك، فقال: نعم، قال: فاسمعْ مني، قال: أفعل، وأخذ - صلى الله عليه وسلم - يرتل عليه آيات من القرآن الكريم من أوائل سورة فصلت، حتى ذهب إلى قومه بغير الوجه الذي جاء به» (السيرة النبوية لابن هشام 1/‏‏293-294).
إننا نحتاج في هذا الزمان وفي كل زمان ومكان أن نرتقي إلى أدب النبوة الذي أصل قواعده في هذا الدين العظيم، إذا كنا نريد حقاً الوصول إلى الحق، فعلينا ترك عبادة الذات، وطرح الأحقاد التي تفسد كل شيء، وترك الأضغان التي لا تُهلك إلا أصحابها، وهذه الأمراض من أخطر الأمراض على المجتمع والفرد.

وحدة المسلمين فريضة
لقد ذكر أستاذنا الشيخ/‏‏ محمد الغزالي- رحمه الله- في كتابه خُلق المسلم، أن المصلين اختلفوا في صلاة التراويح، هل هي ثماني ركعات أم عشرون ركعة؟ فقال بعضهم: بأنها ثماني ركعات، وقال آخرون: بأنها عشرون ركعة، وتعصب كل فريق لرأيه، وكادت أن تحدث فتنه، ثم اتفق الجميع على أن يستفتوا عالماً في هذه القضية، فسألوه عن رأيه في الأمر، فنظر الشيخ بذكائه فعرف ما في نفوسهم، وهو أن كل طرف يريد كلمة منه، فقال الشيخ مستعيناً بفقهه: الرأي أن يُغلق المسجد بعد صلاة العشاء «الفريضة» فلا تُصلى فيه تراويح البتة، قالوا: ولماذا أيها الشيخ؟!.
قال: لأن صلاة التراويح نافلة «سنة» ووحدة المسلمين فريضة، فلا بارك الله في سنة هدمت فريضة، نعم، فديننا الإسلامي يحثنا على الوحدة، خصوصاً في هذه الأوقات العصيبة من حياة أمتنا.
إن وحدة المسلمين وتضامنهم عمل يمثل قطب الرحى، ويمثل طوق النجاة لسفينة المسلمين، فالمسلمون لن ترتفع لهم راية ولن يستقيم لهم أمرٌ ما لم يكونوا متضامنين مجتمعين على كلمة واحدة، فقد جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم- على أمة ممزقة مبعثرة فجمعها ووحد كلمتها، ثم جمع العرب على اختلاف أوطانهم وجعلهم أمة واحدة بعد أن كانت الحروب مستعرة بينهم، وصهرهم جميعاً في بوتقة الإسلام.
نحن في حاجة إلى فقه الخلاف والاختلاف، كيف نختلف ولا نتفرق بحيث لا يؤدي هذا إلى العداوة، نحن في حاجة إلى هذه القاعدة الذهبية التي تقول: «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه».
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

اقرأ أيضا