الاتحاد

الملحق الثقافي

أنا الهوى

 د· صلاح فضل

د· صلاح فضل

يلومني أحد الأصدقاء لأنني مازلت أصر على الحديث عن الشعر ومطارحاته العاطفية في زمن عصيب، تجتاح فيه التوترات الاقتصادية وتوابعها المريعة فضاء الحياة العامة، فكأننا مشغولون بلون من الترف الثقافي الذي لا يلائم جدية الحياة ولا خطورة أحداثها·
والواقع أن حاجتنا إلى الفن والشعر والجمال تشتد في هذه اللحظات التي يخيل للناس فيها أن السماء توشك أن تنطبق على الأرض فينحصر وعيهم في دائرتها الخانقة وتختزل مشاعرهم إلى الغرائز الدفاعية الأولى وتجف منابع الخيال في وجدانهم مما يجعلهم أقل كفاءة في ممارستهم·
وفي تقديري أن المذخور الشعري في الثقافة الإنسانية هو الرصيد الذهبي للبشر، فمتغيرات الحياة المادية تنفي بعضها وتنسف علاماتها بينما تظل شواهد الحياة العاطفية وتجلياتها الإبداعية ماثلة في ذاكرة البشرية·
وإذا كان الحب هو شرك البقاء الفاتن فإن ما يسجله الشعراء من لمحاته بذكاء وحساسية هو خيوط ذلك الشرك، مما يعتبره ثروة متجددة لا تنفذ للروح والوجدان، ولنتأمل قول العباس بن الأخنف وهو يتماهى مع الهوى:
يا ويح من قتل الأحبة قلبه
حتى إذا ظفروا به قتلوه
عزّوا، وما بال الهوى فأزله
إن العزيز على الذليل يتيه
انظر إلى جسد أضربه الهوى
لولا تقلب جفنه دفنوه
من كان خلوا من تباريح الهوى
فأنا الهوى وحليفه وأخوه
وما أريد أن ألفت النظر إليه في هذه الأبيات الرائقة هو سر حلاوة الصياغة الآسرة، في التوالد الاشتقاقي والتقابل الدلالي لأطراف التعبير، مما يبرز المفارقات الممتعة، فهؤلاء الأحبة يتعرضون لسرقة قلوبهم من أقرب الناس إليهم، ولابد للسرقة أن تفضي إلى القتل، لكنه قتل معنوي للضحايا·
وكل الأشطار الثانية في الأبيات الأربعة مقابلات دلالية وصياغات تكرارية متنوعة للأشطار الأولى فالرقة قسيم القتل، والعز والذل صنوان موزعان على الطرفين، وضرر الجسد بالهوى هو الذي يودي به للفناء، ومن كان يفخر بخلوه من تباريح الهوى فإن الشاعر والقارئ معه يعلن بأن المفخرة الحقيقية هي أن تكون أنت الهوى ذاته وكل ما يتصل به من أخوة وحلفاء·
وبمناسبة الروح فإن الشعراء في تمثلهم لمواجدهم واستغراقهم في عواطفهم، أو لنقل في تعبيرهم الناجع عما يحدث لنا في حياتنا الوجدانية من مظاهر ذلك، قد عمدوا إلى قسمة الإنسان منذ القدم إلى جسد وروح كي يتمكنوا من التشاطر والتخاطر مثل قول خالد:
جسمي معي غير أن الروح عندكم
فالجسم في غربة والروح في وطن
فليعجب الناس مني أن لي بدنا
لا روح فيه ولي روح بلا بدن
هذا هو تكوين الخلية الاجتماعية والعاطفية الأولى، انتقال الروح إلى فضاء المحبوب، حيث تحفه وتتخذه وطنا لها، وترك الجسم مغتربا بما يترتب على ذلك من ثنائية طريفة يمتلك فيها صوت القصيدة كيانين، بدن بلا روح، وروح بلا بدن·

اقرأ أيضا