الاتحاد

الملحق الثقافي

أصالة لغويّة

بيوت مبنية من سعف النخيل (أرشيفية)

بيوت مبنية من سعف النخيل (أرشيفية)

علي العبدان

تسعى هذه الدراسة إلى التأصيل اللغوي لكثيرٍ من المفردات المتعلقة بشجر النخيل في اللهجة الإماراتية، وذلك لبيان أصالة هذه اللهجة في العربية عموماً؛ وبيان أصالة ما يتعلق بموضوع النخيل من الألفاظ خصوصاً، ولا تدعي هذه الدراسة استقصاءَ الألفاظ في هذا المَنحى وتأصيلها؛ فهذا بحاجة إلى التفرغ لإنجازه، ولإنجاز معجم شامل أيضاً لهذا التأصيل الذي تأخر مجيئه كثيراً، ولكن يكفي أنها محاولة لإنارة بعضَ الطريق المنشود في هذا السياق.

إن اللهجة الإماراتية - في هذه الدراسة - هي مزجٌ من لهجتيْن: لهجة أزد عُمان وهذه قحطانية؛ فقد جاء الأزد في جماعات إلى عُمان بعد الانهيار الأخير لسد مأرب كما هو مشهور، وسُمّوا منذ ذلك الحين أزد عُمان تمييزاً لهم عن غيرهم من الأزد. ولهجةٌ أُخرى عدنانية جاءت مع بعض الهجرات الشمالية لعرب الشمال من العدنانيين، ودليلُ ذلك أن اللهجة الإماراتية بشكل عام تقلب الجيم ياءً، فيقولون: شِيَر؛ ويقصدون: شَجَر، وهذه لهجةٌ تَميمية كما هو معلوم، وقد ورد بها بعضُ الشواهد من الشعر ذكرها السيوطي في كتابه (المُزهِر في علوم اللغة)، لذا سترد هنا كلمات من لهجة الأزد، وكلمات غيرها من لهجاتٍ شمالية عدنانية، وهو الحالُ في عموم اللهجة الإماراتية.

إشارة لا بد منها
ثمة ضرورة لتوضيح بعض الأمور المتعلقة باللهجة الإماراتية، منها: في اللهجة الإماراتية يُلفظ حرف القاف جيماً قاهرية، أو كحرف (G) بالإنجليزية، فإذا قلتُ في موضع ما: (قعّام - بالجيم القاهرية) فإني أقصد ما ذُكِر. وقد يُنطق حرف القاف أحياناً كثيرة جيماً، فيُقال: جِدِم وأصله قِدَم، وحرفُ الجيم أيضاً بدوره قد يُنطق ياءً في كلماتٍ معينة. كما يُنطق حرف القاف أحياناً كثيرة جيماً، وحرفُ الجيم بدوره يُنطق ياءً في كلماتٍ معينة مثل جذع؛ تُنطقُ في اللهجة الإماراتية: يِذع، وهي لهجةٌ ذاتُ أصلٍ شمالي كما ذكرتُ آنفاً. وكذلك الضاد تلفظ ظاءً في العامية الإماراتية كما هي الضاد النجدية أو العراقية، فيقولون مثلاً: فَرْظ، وهي في الفصيح: فَرْض. أخيراً، إذا قلتُ (غيض - بتخفيف الياء) على سبيل المثال؛ فإن معنى ذلك عدم إشباع الياء، بل تنطق كحرف (A) الإنجليزي، أو كأَلِفٍ مُمالَة. أما ترتيب المفردات فجاءت حسب الترتيب الألفبائي.

المفردات:
بْسال: هو في اللهجة الإماراتية بُسرٌ يُغلى في الماء مع بعض السكر؛ ثم يُجفف، وهي فصيحة الأصل؛ فقد جاء في القاموس أن معنى أَبْسَلَ الرجلُ البُسْرَ أي: طبخهُ وجَفَّفَه.
بِسِر: بكسر الباء في اللهجة الإماراتية هو البُسْرُ في الفصيح؛ أي ما احمرّ أو اصفرّ نضجاً من ثمر النخيل قُبَيْلَ مَصيرِهِ رُطباً.
بَجْس/‏‏ بَقس: البَجْس جمع بَجْسِه، وقد تُنطق: بَقْس جمع بَقْسِه (القاف كالجيم القاهرية)، وتعني في اللهجةِ الإماراتية فسيل النخل أو صغار النخل، وهذه المفردة قد تعود إلى الأصل «بَجس» وفي معانيه التشقق والتمدد؛ فلعلهم قصدوه بوصفهم فسيل النخل بالبَجْس؛ حيث تشققت النواة فخرج منها فسيلُ النخل. أو قد تعودُ هذه المفردة إلى الأصل «بَقـس» ومن معانيه نوعٌ من الشجرِ يُشبه الآس، فلعلهم شبّهوا فسيلَ النخل به، واللهُ أعلم.
تِفْراقه: هي كلمة في اللهجة الإماراتية في بعض المناطق تُطلقُ على القشرة الصغيرة التي تَعلو رأس التمرة، وأصلُها في الفصيح: التفروق والثفروق؛ بالتاء والثاء. جاء في القاموس في مادة تُفْروق: التُّفْروقُ - كعُصفور - قِمَعُ التمرة، وفي مادة ثُفْروق: الثُّفْروقُ – بالضم - قِمَعُ التمرة، أو ما يلتزقُ به قِمَعُها.
تمر: جمعُ تَمرة، وهو ما جَفَّ قليلاً من الرطب ثم كُنِز، فإن لم يُكنز فهو سَحٌّ، وفي اللهجةِ الإماراتية بكسر السين: سِح، وسيأتي في موضعه.
جارين: هي كلمة تُطلق على البُسْر الذي تلوَّنَ بعضُهُ إلى قرابة النصف بالإرطاب، وأصلُ الجيم قافٌ، فهو قارين بنطق القاف جيماً قاهرية. وأصلُ كل ذلك في الفصيح الاقتران، أي اقتران لونين في البُسر. قال ابن دريد: بُسْر قارنٌ؛ إذا نكَّتَ فيه الإرطابُ، كأنه قَرَنَ الإبسارَ بالإرطابِ؛ أزديّة.
جِدِم: بكسر الدال أصلهُ قِدَم، وقد قُلبت القافُ جيماً في اللهجة الإماراتية، وتُطلقُ لديهم على ما يتقدم نضجه من رُطب عمان، ولعلّ أصله في الفُصحى: المِقْدام، فقد قال ابنُ سيده في المخصص: المِقدام أبكرُ نخل عمان؛ سُمّيت بذلك لتقدمها النخل بالبلوغ.
جَنـــا: الجَنـا في اللهجة الإماراتية عبارة عن أعواد من جَريد النخل وهو ما نزع منه الخوص؛ يُستخدم مُتصالِباً كقاعدةٍ لأداة صيد الأسماك المسماة محلياً: قرقور (القاف تُنطق جيماً قاهرية)، وأصل الكلمة: القَنـا وقد قلبت القاف جيماً، فقد نقل ابنُ سيده في المخصَّص عن أبي حنيفة قال: ويقال للجريد القَنا، وجمعه القِنِيّ.
حَبابو: هو في اللهجة الإماراتية صغار ثمر النخيل الأخضر الغض، ولعل أصل الكلمة من الحَباحِب، وتُطلقُ في الفصحى على معان عدة يجمعُها كل ما اقترنَ من صِغار الأشياء.
حِسيل: الحِسيل في اللهجة الإماراتية ما جفَّ من البُسْر دون مُعالجة، وأصله فصيح، فقد جاء في القاموس: الحسيلة حشف النخل الذي لم يحلُ بسره، فييبس ويُوَدَّنُ باللبن أو بالماء، ويُمرسُ له تمرٌ حتى يُحليه، فيؤكل لقيماً.
حِشَف: الحشف في اللهجة الإماراتية هو رطب أصابه تغيّرٌ أفسدَ طعمَه، وقد جاء في أمثالِهم حيث يُضرب مثلٌ في الغش مُستقىً من ذلك فيُقال: «يوم كِشَف.. ولاّ حشف»!
وأصله من الفصيح، قال ابنُ دريد في الجمهرة: وحشف التمر؛ رديئهُ ويابسهُ الذي لا حلاوة فيه.
خْشاش /‏‏ خشخاش: هو في اللهجة الإماراتية في بعض مناطقِها: ما تساقط على الأرض من الخلال الناشف باهت اللون، ولعل أصله في الفصيح من خَشاشِ الأرض؛ يُطلق على هوامّ الأرض، فشُبِّهَ به ما تناثر على الأرض من ناشف ثمر النخل. ويُطلقُ عليه أيضاً في مناطق أخرى من الإمارات خشخاش، وقد تدل هذه التسمية على صوت تساقط وتناثر الخلال أو البسر الناشف، وقد جاءت هذه التسمية ضمن نشيد إحدى ألعاب الأطفال الشعبية: الخشخاش يطيح.. والبسر يتعلَّق!
خصَف: يُطلق في اللهجة الإماراتية على وعاءٍ أوجرابٍ كبير يُصنع من الخوص، ووظيفته الرئيسة حفظُ التمر، ولكن أحياناً يُحفظُ فيه السمك أثناء الانتقال والسفر بعد أن يُمَلَّح، ويُسمّى السمك المُمَلَّح بهذه الطريقة: مْدَفّـا.
والكلمةُ «خصَف» فصيحة حيث جاء في القاموس: والخَصَفَة - مُحَرّكةً - الجُلَّةُ تُعمَلُ من الخُوصِ للتمر.
خَلال: الخَلال جمعُ خَلاله – بتفخيم اللام في اللهجة الإماراتية - هو مُبتدأُ ثمر النخل إذا كبر ومازال أخضرَ اللون، وهو فصيح فقد قال أبو حنيفة عن ثمر النخل: وهو بعد التلقيح خلال، وقال ابن الأعرابي: واحدته خلالة، وقد أخلَّت النخلةُ؛ أي حملت خلالاً.
خندريس: في اللهجة الإماراتية هو التمر القديم، وهو كذلك في الفصيح، فقد جاء في المخصص لابن سيده: تمرٌ خندريس: قديم.
خوص: الخُوصُ وَرَقُ النخل، الواحدة خُوصة، وهو كذلك في الفصحى.
دِبس: الدبس هو عُصارة التمر، واشتقوا منه كلمة المدبسِه، وهي المكان المُهَيّـأ لإنتاج الدبس، والكلمة فصيحة؛ ففي القاموس: الدِّبْسُ عَسَلُ التمر.
دَعَن: الدَّعَن في اللهجة الإماراتية حزمة من جريد النخل، وجمعُهُ: دْعون، والكلمةُ فصيحة، ففي المُخصَّص لابن سيده عن ابن دريد قال: الدَّعْنُ سَعَفٌ يُضم بعضُهُ إلى بعض ويُرمَلُ بالشريط.. أزدية.
رطب: الرطب هو ما لانَ ونضجَ تماماً من البُسْر، وهي فصيحةٌ معروفة.
سَعَف: هو جَريدُ النخل، واحدته سَعَفة، وهي فصيحةٌ معروفة.
شمروخ: الشمروخ وجمعه شماريخ هو عذق النخل أو عثكوله، وهو فصيح ويُقال: شمروخ وشِمراخ في العربية.
شيص: الشيص هو البسر الذي لم يُلقح حين كان خلالاً؛ فتنبتُ بعضُ حبّاته متلاصقة، قال الجوهري في الصِّحاح: الشيصُ والشيصاء ؛ التمرُ الذي لا يشتد نَواه، وإنما يَتشيَّصُ إذا لم تُلَقَّحُ النخل.
عذج: العِذْج في اللهجة الإماراتية هو العِذق، وقد قُلبت القافُ جيماً، والكلمة معروفة فصيحة، فالعِذقُ هو قِنوُ النخلة كما في القاموس.
عِسَق: العِسَق (بكسر العين، والقاف تُنطق جيماً قاهرية) يُطلقُ في اللهجة الإماراتية على الذراع الغليظة الممتدة من العذق، دون بقية الأطراف التي تحملُ الثمار، ويُستخدم قديماً في الإمارات بعد تقطيعه أو سحله في صناعة الأقفاص باختلاف أنواعها لقابليته الالتواء، وكذلك بعض الأوعية شّبَكية الشكل، وأصل الكلمة فصيح؛ فقد جاء في القاموس: العَسَقُ الالتواء.. والعُرجون الرديء.

عوّان: العُوّان في اللهجة الإماراتية جمع عوّانه، وهي النخلة الطويلة، وفي المُخصص عن أبي حنيفة عند ذِكرهِ أسماء طِوال النخل عند العرب حسب بلدانهم قال: وفي لغة أهل عمان عَوانة، وجمعها عَوان.
الغيظ /‏‏ الغيض: الغيض بتخفيف الياء - وتُنطق الغيظ - يُطلقُ على طلع النخل، والكلمةُ فصيحة؛ فقد نقل ابنُ سيده في المُخصص عن ابن دريد قال: الغَضيض الطلع، وقد يُسمى: الغِيض، وهي يمانية.
الفَرْظ /‏‏ الفَرْض: الفَرْض - وتُنطق الفرظ - هو نوعٌ من أجودِ أنواع التمور في منطقة الإمارات وعُمان، وهي لفظةٌ قديمة، ففي المُخصص عن ابن دريد قال: الفَرْضُ من أجود رُطبٍ بعُمان.

قعّامه: القعّامه (القاف تُنطق جيماً قاهرية) وجمعُها قعّام؛ تُطلقُ على القشرة الصغيرة التي تَعلو رأس التمرة، وأصلها عندي من القمع، وهو في الفصيح بنفس المعنى، لكن يبدو أن تحويراً ما أصابَ الكلمة عبر العصور المختلفة، فجمعُ قمع: أقماع، فربما قلبوه إلى أقعام ثم أصبح قعّام، هذا رأيي الخاص، واللهُ سبحانه أعلم.
الليف: المقصودُ هنا لِيفُ النخل، وهو معروف، وهو بنفس النطق في الفصيح. جاء في المخصص عن أبي حنيفة: يُقالُ لما بين الكرب مُحيطاً بالجذع إلى قمة النخلة: الليف. قال سيبويه: واحدتهُ: لِيفة.

نَخَل: النَّخَل هو النخْلُ في الفصيح؛ لكنّه في العامّية الإماراتية بتحريك الخاء فتحاً، أما النخْلةُ الواحدة فتكون بإسكان الخاء كالفصيح تماماً لكن بشيءٍ من التفخيم في النطق.
يراب /‏‏ جراب: اليراب في اللهجة الإماراتية هو وعاءٌ لحفظ التمر، وقد قُلبت الجيمُ ياءً فأصلها جِراب، والكلمة فصيحة. جاء في القاموس: الجِرابُ.. المِزوَدُ، أو الوِعاء.
يريد /‏‏ جريد: اليريد في اللهجة الإماراتية هو جريدُ النخل، وقد قُلبت الجيمُ ياءً، والكلمة فصيحةٌ معروفة. قال في القاموس: الجريدةُ سعفةٌ طويلةٌ رَطبةٌ أو يابسة، أو التي تُقَشَّرُ من خُوصِها.

صديقة كل العصور
موزة خميس

تلعب أشجار النخيل دورا اجتماعيا واقتصاديا مهما في كافة المجتمعات، نظراً لاستخداماتها المتعددة وفوائدها الكثيرة على كافة المستويات، ولا يخفى على أحد أن الإمارات دخلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية، كأول دولة في العالم حققت زراعة أكبر عدد من أشجار النخيل، حيث تم تقديرها بأكثر من 40 مليون نخلة.
الدكتور خليفة بن دلموك أحد الباحثين والمهتمين بإجراء التجارب الزراعية، قال: «تبدأ شجرة النخيل بالإثمار حين يتراوح عمرها بين 5-8 سنوات، وتستمر بالعطاء حتى بلوغها مئة عام»، مضيفاً: «الدولة تقوم بدور هام في التوعية بأهمية أشجار النخيل ودورها في حياتنا، سواء من خلال دعم زراعتها، أو تعريف الناس على أصناف التمور التي تزخر بها البيئة الإماراتية».
وتابع:« للنخلة شأن عظيم في الجانب التراثي من حياتنا، يتعلق باستخداماتها التي توارثتها الأجيال على مر العصور، بدءا من استخدام المهفة والحابول والجفة والمكشة والجفير وغيرها، وحين وصف الكثيرون النخلة بأنها صديقة للبيئة، فذلك بسبب استخدام الإنسان منذ القدم لكافة مخلفاتها، فكل جزء فيها له فائدة عظيمة، ولذلك لا توجد لها مخلفات ضارة لا بالمكان ولا بالإنسان».
وعن أساليب الاعتناء بأشجار النخيل قال: «تتطلب أشجار النخيل كغيرها من النباتات الأخرى رعاية واهتماماً، ومن ذلك تقليم الأوراق والري المنتظم، مع مراعاة القيام بذلك بالشكل الصحيح، حيث إن الري بكميات كبيره قد يكون ضارا عند ارتفاع درجات الحرارة التي تسبب التبخر السريع، وتراكم الأملاح في التربة، وبالتالي موت الشجرة، كما أن النخلة هي الشجرة الوحيدة التي لا تتساقط أوراقها، كما ورد ذكرها في القران الكريم نصا في 21 آية، وفي أكثر من 300 حديث من السنة النبوية الشريفة، وحظيت على مر العصور الغابرة بالتقدير والاهتمام، إلى جانب اشتراكها مع الإنسان في خصائص عدة لعل أهمها أنها تحمل نفس عدد الكروموسومات التي يحملها الإنسان (47 كروموسوم)، ولهذا لم نستغرب حين وصفها والدنا زايد رحمة الله عليه بأنها أمنا».
نخلة التمر لها جذور طويلة في دولة الإمارات امتدت لآلاف السنين، وتعايشت مع أهالي المنطقة فكانت المأكل والمسكن، وحظيت برعاية خاصة من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث أصبحت أرض الإمارات واحة للنخيل، ثم أكمل المسيرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وتم إطلاق جائزة الشيخ خليفة الدولية لنخيل التمر.

شجرة العرب
علي القحطاني

النخلة وما أدراك ما النخلة، هي الشجرة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وفي جميع الكتب السماوية وفي معظم الديانات وفي أكثر من موضع.
تختلف النخلة عن بقية الأشجار، فكل ما فيها يستفاد منه بدءاً من ثمرها وهو التمر ومروراً بأوراقها التي يصنع منها الدعن الذي يستخدم في بناء المساكن المبنية من العريش، ولا ننسى ليفها الذي يستخدم كثيرا في التنظيف وفي صناعة الحبال، وجذوعها التي كانت تشكل اغلب أبواب المنازل قديما وأسقفها، ناهيك عن نواها وعن حبوب اللقاح التي تستخرج منها. لذا أرى أن هذه الشجرة شجرة مباركة بحق فلكل جزءٍ منها أهميته وقيمته الغذائية والاقتصادية.
وأرى أن النخلة شجرة العرب، أو الشجرة العربية، فهو الاسم الأصح وذلك لتواجد ما يزيد على 85% من أشجار النخيل في الكرة الأرضية في دولنا العربية. وتشير الإحصائيات إلى أن أعداد النخيل في العالم تزيد على الـ 100 مليون نخلة، وان الوطن العربي لوحده به ما يقارب الـ 80 مليون نخلة.
وتحتل الإمارات المركز الأول في تصدير التمور على مستوى العالم. فلقد دأب المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الباني والمؤسس، منذ قيام الدولة على الاهتمام بالتشجير والخضرة، ومن اهم أشكال هذا الاهتمام هو المحافظة على الواحات، وبناء السدود، وترميم الأفلاج، ومن ثم إنشاء مصنع الساد للتمور والذي نقل عملية إنتاج التمور من الشكل البدائي إلى أفق أبعد من ناحية التعقيم والتغليف وإنتاج الدبس وانتهاءً بالتسويق لها في الأسواق الخارجية وتصديرها.
ومما يفرح القلب أن الاهتمام بالنخيل وبإنتاج التمور مستمر في الدولة، ولله الحمد، فقد حرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، على أن تستمر الجهود السابقة للرقي بهذه الصناعة الرائجة، والتي يؤمل لها أن تكون رافداً مهماً من روافد الاقتصاد، ومكونا أساسيا من صادرات البلد، فلقد أنشأ سموه مهرجان ليوا للرطب أو كما تعرف محلياً باسم (مزاينة الرطب) والذي تقام سنوياً في مدينة زايد للاهتمام بهذا الصنف (الرطب)، وليقوم المزارعون وأصحاب النخيل بالتنافس للحصول على المراكز الأولى بناءً على نوعية الرطب الذي تنتجه مزارعهم من ناحية الجودة والمذاق والتغليف وحسن المظهر، وبذلك يزيد الاهتمام بإنتاج النخيل على الصعيدين الرسمي والشعبي، فهذه الشجرة لها قيمة مادية ومعنوية للمجتمع الإماراتي وفي شبه جزيرة العرب تحديداً منذ القدم ولا تزال.

كنز الأرض
طلال الجنيبي

لو سألت أي شخص تنتمي جذوره، وتمتد راسخة في هذه الأرض الطيبة المباركة عن النخلة، وماذا تمثل له، لاستشعرت فيما سيصلك من إجابات، بغض النظر عن صاحبها، ارتباطاً وثيقاً بين إنسان هذه الأرض ونخيلها، ولاستشعرت ملامح علاقة حميمة جمعتهما على امتداد الزمن، فما سر هذه العلاقة الخاصة المتجذرة في أرواح الوطن وأهله على السواء، بين إنسان الإمارات ونخيلها؟
الإجابة (الشافية) عن هذا السؤال السهل الممتنع تتطلب فهماً وإدراكاً عميقين للدور الذي لعبته النخلة في حياة أهل الإمارات، قبل أن يمن الله عليهم بثروة النفط، وبزعماء كرام عظام، على شاكلة المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأبنائه الكرام من بعده، فهم الذين أحسنوا تسخير هذه النعم التي جعلها الله في باطن هذه الأرض لخدمة نماء ظاهرها، ولبناء الوطن وأهله والوفاء باحتياجات نموه وتطوره على أكمل وجه ممكن.
لو رجعنا للوراء، إلى حقبة ما قبل ظهور النفط، لاكتشفنا منشأ هذه العلاقة الوطيدة، فقد مثلت النخلة أحد أكثر عناصر الطبيعة عطاء في تلك الحقبة، واستحقت، في ذلك الحين، أن تقدم نفسها كأحد أبرز كنوز الطبيعة التي سهلت حياة الناس حيث مثلت مصدراً للخير بكل مكوناتها.
النخلة، بكل ما فيها، مثلت مصدراً متكاملاً للعطاء بلا هدر، فلا يوجد فيها ما لا يمكن استخدامه، وكل ما فيها نافع وصالح للاستخدام، ومن هنا استحقت أن يكون لها في نفوس أهل الإمارات تلك المكانة الخاصة.
العطاء، الشموخ، الصبر والتحمل، كلها، معان أصيلة، كريمة وسامية، استحقت أن تصبح مرادفة للنخيل في نفوس أهل الإمارات، عبر الأجيال فحضرت في الشعر وفي الأمثال وفي نتاج الرسامين والفنانين والمبدعين على اختلاف أطيافهم بكثافة تدلل على قيمتها ومكانتها التي تبوأتها في زمن شح الموارد وضعف الحال، وحافظت عليها في زمن الوفرة والتطور وتنوع المصادر والموارد، فالكريم لا ينسى الفضل، فكيف ينسى شعب كريم كشعب الإمارات فضل النخلة التي تبوأ ظلها وأكل ثمرها وشعر معها وبها بقيمة العطاء ومعاني الشموخ، هذا هو سرّ الارتباط الأصيل بين النخلة وإنسان الإمارات.

نفط الزمان القديم
عتيق القبيسي

النخلة.. هذه الشجرة العظيمة العجيبة التي تعتبر من الأشجار المقدّسة المباركة عند إنسان شبه جزيرة العرب وما بين النهرين وبلاد الشام. ذكرها القرآن الكريم وذكر تمورها في مواضع عدّة، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلّم في أحاديث كثيرة، وذكرها العرب في الكثير من مآثرهم وأشعارهم وحكاياتهم، لما لها من مكانة عظيمة وفوائد كثيرة.


ثروة غذائية واقتصادية
للنخلة فوائد غذائيّة واقتصاديّة واجتماعيّة كثيرة يصعب حصرها في مقالةٍ مختصرة قصيرة، لكن من بعض فوائدها الغذائية الكثيرة أن التمور تحتوي على نسبة عالية من السكريات والتي قد تزيد على 75% من وزنها الجاف، ومن هنا يمكن اعتبار التمور أغنى الفواكه قاطبة في محتواها من الطاقة الحرارية، وقد أطلق على التمر لقب (منجم) لغناه بالمعادن، كما أشارت البحوث العلمية الحديثة.
واقتصاديّاً.. فإنّ أصحاب مزارع النخيل يعتبرون من أصحاب المال والأملاك، لما تدرّه عليهم من عوائد وأرباح، فالنخلة لا يُرمى منها أي شيء، فكل أجزائها قابلة للتداول الاقتصادي، بدءاً بمحصولها من ثمار البلح، وانتهاءً بجذعها الميّت، مروراً بسعفها وليفها وكربها وعذوقها وغير ذلك من مكوّناتها.. ومن لم يكن يملك النخل فإنّه يعمل فيها بالأجرة ويحصل أيضاً على نسبة من منتوجها السنوي، فكانت النخلة تعتبر من أهم مصادر الدخل القومي قبل النفط، إضافة إلى تجارة اللؤلؤ والأسماك.

سبب للتمدن والعمران
من الناحية الاجتماعية كانت النخلة سبباً للاستقرار وبناء العمران وتكوّن المجتمعات من خلال ما تقدّمه من مواد أوّليّة لصنع البيوت، بشكل أساسي وكامل، كما هو الحال مع البيوت السعفيّة التي تُبنى من جذوع وأغصان النخل وتؤثّث من خوصها وليفها وسعفها.. أو بشكل جزئي كالبيوت الطينيّة التي تعتمد في بعض أجزائها على النخل، كالجذوع والسّعف، لكنّها تعتمد في أثاثها أيضاً على النخل.. وكان الناس يجتمعون على تناول التمر وشرب القهوة في مجالسهم وسمرهم في حلّهم وترحالهم، كما أنّهم كانوا يتهادون التمور ويتناقلون الأخبار عن جودة نخل فلان ونضارة بلح فلان، وهكذا ما زالت النخلة رغم التقدّم الحضاري عنصراً أساسيّاً من عناصر هذه الحضارة يحكي قصة الوجود والانتماء، وركيزة من ركائز التقدّم والازدهار.
ومن الطرق الأنسب للحفاظ على النخلة وجودة إنتاجها:
* زراعتها في مكان يصل إليه الضوء بشكل مباشر وكافٍ، فقد لوحظ أن النخلة المزروعة في المناطق المظللة يكون نموها بطيئاً جداً في المراحل الأولى من حياتها، ولا تزهر إلا بعد فترة طويلة جداً.
* بالرغم من أن النخلة يمكن أن تتحمل الجفاف، إلا أن احتياجاتها المائية عالية جدّاً.. وهي تحتاج لما يقارب النصف ليتر في الدقيقة طوال العام.
* يستطيع النخل تحمل ملوحة الماء من دون حدوث ضرر بالإنتاج أو النمو، إذا كانت الملوحة (2-3) غ/‏ليتر.. لكن في حال زيادتها عن 3 غ/‏ل فإن الإنتاج يتأثر سلباً من الناحيتين النوعية والكمية.
وتبقى النخلة كما هي منذ آلاف السنين رمزاً للحياة والعطاء والكرم، وسيتغنّى بها الشعراء، وتحاك حولها الحكايات والروايات والقصص، وتقام من أجلها المهرجانات والمزاينات، إجلالاً وتعظيماً.


اقرأ أيضا