الاتحاد

الملحق الثقافي

عملان بديعان بِرَسْم السينما

التطرف يعطل قدرة المرء على المحاكمة العقلية السليمة (أرشيفية)

التطرف يعطل قدرة المرء على المحاكمة العقلية السليمة (أرشيفية)

محمد حسن الحربي

الدكتور حمد الحمادي، قال لنا أموراً عديدة على مدى عملين روائيين. جاءت رحلتنا معه طويلة واقعيا، قصيرة فنياً، قال فيها مما أراده، الكثير، وترك فيهما الكثير مما علينا استنباطه ومعرفته، وبين الحالتين مهد أمامنا مساحات، نثر فيها من المسكوت عنه، كمّاً كبيراً، مما يغري هواة الاجتهاد والتأويل، بالهرولة فيها كيفما شاءوا..
في مسألة الزمن، يحدث أن تقرأ الرواية في يوم، وقد تأخذ منك يومين وأكثر. ذلك يعتمد على انشغالاتك، وما في العمل من تشويق ومتعة. لكن الأحداث في الرواية قد تأتي مُقاسةً بالأشهر والسنين وما تحمله من أفراح وأتراح. وروايتا الحمادي في نظري، ارتقتا إلى مستوى من الإتقان الفني يصعب إنكاره أو التجني عليه، كما توافرتا على عنصري التشويق والمتعة. ومسألة كهذه تحسب، إضافة إلى الإتقان الفني، لمصلحة الكاتب الذي شعرت وأنا معه، أنه يمتلك مواراً وتوثباً يشيان بأعمال أدبية مقبلة..
.. والتفكير في أحداث الروايتين، بعد القراءة، يأخذ هو الآخر وقتاً طويلاً، فطبيعة الأحداث تضع العملين في دائرة حساسة للغاية؛ تلك الطبيعة لا يستطيع الاقتراب منها سوى قلة، وفي مرحلة زمنية محددة ولها ظروفها الاستثنائية. سيفهمُ ما أقوله، من قرأ العملين دفعة واحدة، أو سيقرأهما مستقبلاً دفعة واحدة، ثم يتبصَّر في أحداثهما..

التشويق
التشويق، عنصر لطالما افترضته مهما، بل من بين الأهم في أي عمل أدبي سردي، فهو كان وما زال في دائرة الحرص بالنسبة لي. أحرص عليه، قارئاً مهتماً، وكاتباً يتوافر على تجربة متواضعة في الأدب وشؤونه. إن الشعور بأهمية عنصر التشويق يتنامى لديَّ، كلما انتهيت من مؤلَفٍ بوقت معقول..
هنالك من يرى أن الانتهاء من عملية قراءة لعمل أدبي سردي، كالقصة والرواية، كلما كانت سريعة، كان ذلك العمل جيداً. فهل هذا صحيح ؟. شخصياً، لا أعتقد..
لكن التشويق ما هو وكيف نفهمه؟. هل هو نوع من الغموض الذي يستفز الفضول عندنا فننجذب إليه لاكتشاف المعرفة؟. سؤال رغم مشروعية طرحه، يخيف؛ هنالك أسئلة تخيف حقاً وأخرى «تخض».. أسئلة تجلب الصداع لصاحبها فتمرضه، وأسئلة تستبكي صاحبها فيبكي، أسئلة تجعلك كبيراً، وأخرى تجعلك صغيراً، وأسئلة ترفعك وأخرى تحطك، وأخرى تجعلك تهرب من نفسك. والحقيقة أن المسألة ليست في الأسئلة، بقدر ما أن هنالك شيئاً ما، أعطاها وجهها المخيف، وأكسبها سلوكاً غير مطمئن..
هذا «الشيء ما» يكمن في اللغة العربية. إن لغتنا العربية غنية وعميقة ودقيقة، تُربك المستخدم عند استخدامها؛ فهي قد تفرح وقد تحزن، قد تشرح الصدر وقد تقبضه وتجلب الكآبة، قد تغضبك فتخرجك عن طورك، وقد تأسرك في بيانها فتخرج عن وقارك، قد تجعل منك قاسياً ظالماً، وقد تجعل منك عادلاً رحيماً. قد تدفعك إلى إثبات تهمة وإزهاق روح، وقد تدفعك إلى تشوِّفِ خيوط البراءة في الادعاء، لتنسجها سجادة عفو يطير بها الخصم لحريته..
وعليه، فقد يكون الخوف بهذا المعنى، تشويقاً ومتعة. والارتباك قد يكون تشويقاً ومتعة، أيضاً. وقد يكون الغموض، ثالثاً، ذروة التشويق والمتعة، في بعض درجات الغموض..
شخصياً، أحببت التشويق لما يستجلبه من متعة. تُرى، ألا يكمن السبب في أنني لا أستطيع قراءة عمل دونما تشويق فيه، بحثاً عن المتعة ؟ ربما..
.. واللغة العربية جاءت في عملي د. الحمادي، صافية، دقيقة، محددة المعنى والإيحاء. ذلك وحَّد - على القارئ - الطرق وسهل عليه المهمة. جاءت جمله ذات معنى محدد، حرصاً منه على ألا «يشطح» معها القارئ إلى ما لم يفكر به الكاتب نفسه أو يريده.. إنه نجاح في ضبط اللغة وتدبر أنظمتها، قبل دفعها إلى قارئ يعيش فوضى الحياة، وقد لا يستوعب عملا أدبياً رصيناً بالسرعة المبتغاة..

رسائل
إن روايتي الحمادي «لأجل غيث» و «ريتاج» تضمنتا رسائل عدة إلى جهات وأطراف متعددة؛ بعض تلك الرسائل لا نستطيع الحديث فيها، إما لطبيعتها وإما لأهميتها غير العادية. وموضوع الروايتين يكاد يكون موضوعاً واحداً يتمحور حول التطرف، ذلك المرض الكيميائي الذي ما أن يجري ضخه في رأس الإنسان، حتى «يتحيوَن»، فتتعطل لديه حاستي العقل والبصيرة، فيفترس كل من حوله من مخلوقات. إنه مرض يجعل «الإنسان المتحيْون» يرى الوجود بعين ضيقه، وأفق أضيق، وفكر بائس، يفضي به لأن يلجأ إلى إفساد الحياة، انتقاما من البشر، وإلى إفساد الأرض، انتقاما من نفسه، وصولا إلى تطابق {.. وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }.. الآية.
بالنسبة للحبكة، يكتشف المرء في بعض المواطن في رواية «لأجل غيث»، أنها وإن بدت طبيعية فهي ليست كذلك، ليست تلقائية كما ينبغي، أو كما يفترض بها شعوراً يصل إلى القارئ، وبالتالي فإن هذا «الشك» قد تؤثر ظلاله على المضي قدماً في فعل القراءة، وبالمتعة نفسها والحماسة التي ابتدأ بها في الصفحات الأولى من الرواية..

مؤشر
الناقد الفرنسي روب غرييه ينصح الكاتب الأدبي، في هذا السياق، بالانتباه إلى ذكاء القارئ ودهائه، إلى شغفه لمعرفة الكلام المضمَّر غير المكتوب؛ فالقارئ وهو يقرأ سرداً القصة والرواية، ينصب تفكيره على كلام الصمت غير المنطوق، الكلام المتلطي خلف الظاهر من النص، ومحاولة معرفته لتكوين صورة يريدها مقاربة تعينه على الفهم والبناء المعرفي الخاص به..
هل تراني ذهبت في كلامي إلى الغموض غير الجيد والمذموم؟. لا أتمنى ذلك، فقد حاذرت ألا أسقط في هذه الحفيرة.
لكنها المرة الأولى التي أجد فيها كاتباً خليجياً، يأتي على ذكر اسم جهاز أمن الدولة، في عمله الأدبي القصصي أو الروائي. إنه أمر جيد ولصالح الكاتب بلا شك، ويحمل أبعاداً إيجابية. مثل هذا الذكر لم يكن يحدث سابقاً. كل ما كان يحدث من قبل، حينما تقتضي الضرورة ذكر اسم هذا الجهاز الوطني، الحيوي والحساس، أن يستخدم الكاتب طريقة التلميح إليه وليس التصريح، أو أن يجعله مرمزاً، أو أن يعطيه اسماً مستعاراً..
في أعمال الحمادي، في الروايتين، الأشياء كلها واضحة حد أن الشخص يستطيع تخيلها ورؤيتها بالعين المجردة؛ أسماء الدول والمدن والشوارع، وأسماء المقاهي والمستشفيات والمطارات. بل حتى ليستطيع القارئ تخيل شخصيات العمل، وذلك عبر سلوكها وممارساتها وردود أفعالها ومواقفها تجاه الأخبار والأحداث..
وكما قلت، فإن مسألة إيراد اسم جهاز وطني فعّال كهذا، يُفرح من جهة، ويؤشر من جهة أخرى إلى أبعاد إيجابية، من بينها بعدان جديدان في الدولة: البعد الأول، أن سقف حرية الرأي والتعبير، ارتفاعه في ازدياد مستمر. والبعد الثاني، أن جهاز أمن الدولة، هو في الأصل، مؤسسة وطنية حيوية، مثله مثل بقية مؤسسات الدولة، وعليه، فإن ذكره في الأعمال الأدبية - حيثما اقتضى الحال ذلك - لم يعد محظوراً. ومن يدري، فلربما لم يكن محظوراً من قبل، لكن الناس جعلته - بعد أن توهمت - في تلك القائمة الغامضة، وذلك كان ظلماً وخطأً كبيراً، وما بُني على خطأ يبقى خطأً حتى يقيض الله من يجليه فيصبح حقيقة بائنة أمام الخلق. ومن البدهي أن أمراً كهذا يجيَّر بالكامل لمصلحة الكاتب كما قلنا، ولصالح دولة الإمارات العربية المتحدة..

الأماكن بأسمائها الحقيقية
ولمناسبة الحديث عما يذكر الآن في الأعمال الأدبية، وعما كان غائباً لا يذكر فيها سابقاً، آخذين عقد الثمانينيات مثالاً؛ فقد تنبهت وأنا أقرأ بعض أعمال الأدباء الشباب، لمسألة مهمة جداً، هي أن أسماء المدن والأماكن كالمقاهي والشوارع والأسواق، لم تكن لتذكر في التآليف الأدبية الخليجية بشكل خاص، مثلما يذكرها الأدباء الشباب اليوم، في الإمارات وفي غيرها من بلدان المنطقة. لقد كانت الأمكنة مُغفلة الاسم، أو مرمزة، أو كانت تمنح أسماءً مستعارةً، لا تدل عليها ولا تؤشر. مما يترك القارئ أمام خيار واحد فيه الكثير من الإرهاق والضنى، هو قيامه بعملية إسقاط على هذه المدينة أو تلك، على هذه الدولة أو تلك، على هذه الشخصية أو تلك.. وهكذا. إن تلك العملية، إضافة إلى أنها كانت مرهقة، فقد كانت غير دقيقة، الأمر الذي يضلل القارئ دونما ضرورة أو سبب موجب ومنطقي..
ولعلي أستطيع هنا التجرؤ على القول، إن الأديب القاص محمد المر، هو أول كاتب في الإمارات يذكر المدن والشوارع والمقاهي، بأسمائها الحقيقية في قصصه القصيرة. ومسألة كهذه تحسب له بالطبع، وهو يكون بذلك فعل ما لم يفعله غيره من مجايليه من الأدباء الإماراتيين.. هي وجهة نظر على المهتم بشؤون الأدب البحث فيها والحفر أعمق للخروج بتصورات مثمرة..
روايتا «لأجل غيث» و«ريتاج» قطعتا مبكراً، مكانة متقدمة في قائمة الأعمال المرشحة سينمائياً وتلفزيونياً. هذا ما خرجت به؛ فقد وجدت نفسي أمام فيلم لا ينقصه إلا رتوش لمشاهدته في صالة العرض.. العملان لامعان..

اقرأ أيضا