الاتحاد

الملحق الثقافي

تونس.. عبق الزمان العتيق

جامع الزيتونة.. من هنا خرجت حركات التنوير الفكري (أرشيفية)

جامع الزيتونة.. من هنا خرجت حركات التنوير الفكري (أرشيفية)

حسونة المصباحي

مغادراً الحمّامات، حيث أقيم، إلى العاصمة، أقول لنفسي وأنا في الطريق إليها، إنّ أجمل شيء أفعله، خصوصاً إذا ما كان الطقس بديعاً، هو أن أقوم بجولة هادئة ومتأنية في المدينة العتيقة. ذلك اليوم، كان الصباح مشرقاً بأنوار المتوسط، رغم أن نوفمبر كان على وشك الرحيل. شربت قهوة في «باب البحر» (القسم الأوروبي من العاصمة) ثم تركت مثقفين يتجادلون بأصوات عالية حول «ربيع عربي كاذب»، ومضيت باتجاه المدينة العتيقة بشوق الحبيب إلى الحبيبة...

عبرت الساحة الجميلة التي كان ينتصب فيها تمثال «جيل فيري» خلال الحقبة الاستعماريّة لأجد نفسي في نهج «جامع الزيتونة» وقد ازدحم بالمارة، وامتلأ بأصوات الباعة والمشترين ومرتّلي القرآن. وفي الحين شعرت أني انتفلت إلى عالم آخر، وإلى نمط حياة أخرى يختلف عن ذلك الذي يتميّز به الحيّ الأوروبي الذي أقامته فرنسا بعد احتلالها البلاد في العام 1881.

فضاءان متباينان
خلال الزيارة التي قام بها إلى تونس العام 1886، كتب الفرنسي اندريه جيد في يوميّاته يقول إن الحي الأوروبي «شوه» إلى حدّ ما الصورة الحقيقية لتونس، المدينة العربية المسلمة. وفعلاً يمكن لواحد مثلي أن يعاين بسهولة ويسر أن العالمين، عالم الحي الأوروبي، وعالم المدينة العتيقة، يجسّدان رؤيتين متباينتين كانت لهما تأثيرات مهمّة وخطيرة في مختلف الأحقاب في التاريخ التونسي المعاصر. وبين هاتين الرؤيتين اللتين يحددها البعض بـ «المعاصرة» و«الأصالة»، اندلعت معارك حامية، وصراعات مريرة انعكست على الحياة السياسية والثقافية، وعلى أسلوب الحياة اليوميّة، محدثة شروخاً عميقة في نسيج المجتمع التونسي. وقد برزت هذه الشروخ بعد انهيار نظام بن علي، مبرزة تيارات دينية وسياسية متشبثة بالماضي، ورافضة للحياة العصريّة في مختلف جوانبها، وراغبة في عودة عادات وتقاليد انتفت وما عاد لها وجود سوى في الذاكرة.
كان المصلح الكبير خير الدين باشا التونسي (1820-1890) أوّل من سعى لبلورة رؤية تحديثيّة كان الهدف منها «إيقاظ المجتمع التونسي من سباته الطويل» على حدّ تعبير أنصاره من شيوخ الدين وأعلامه. ولتجسيد رؤيته التحديثية، أنشأ خير الدين باشا «المدرسة الصادقيّة» التي أرادها أن تكون، خلافاً للجامعة الزيتونية، منفتحة على العلوم الحديثة، وعلى أساليب التمدّن الأوروبي. وقد أقيمت «المدرسة الصادقيّة» على مرتفع يشرف على المدينة العتيقة التي أقيم القسم الأعظم منها في فترة الدولة الحفصيّة التي حكمت البلاد من سنة 1228 إلى سنة 1573. وباستطاعتنا أن نقول إن اختيار الموقع المذكور لبناء أوّل مدرسة عصرية لم يكن بريئاً، بل قد يكون محمّلاً بدلالات تشير إلى أن خير الدين باشا أراد أن يثبت لخصومه ولأنصاره أن رؤيته التحديثيّة تتعارض مع أفكار قسم من شيوخ جامع الزيتونة الذين كانوا رافضين للغرب ولحضارته، ومن الماضي البعيد يستلهمون رؤاهم للدين ونظام الحكم ونمط الحياة. لذلك ستكون «المدرسة الصادقيّة» مقصد رموز النخبة التونسيّة المتطلعة للرقي والتقدم والإصلاح والتحديث، ومنها سيتخرّج أعلام في السياسة والفكر والأدب من أمثال البشير صفر وعلي باش حامبة والحبيب بورقيبة والدكتور محمود الماطري ومحمود المسعدي وغيرهم. وعقب احتلالها لتونس في العام المذكور، قامت فرنسا بإنشاء ما سيصبح «الحيّ الأوروبي». ومنذ ذلك الوقت انقسمت تونس العاصمة إلى فضاءين مختلفين ومتباينين: فضاء كولونيالي في معماره، وأسلوب حياته، وفضاء عربي إسلامي يعكس العادات والتقاليد التونسية القديمة، ويحيل الذاكرة إلى المراحل التي سبقت احتلال البلاد. ورغم أن السلطات الاستعماريّة سعت جاهدة لتقليص دور المدينة العتيقة، والحدّ من تأثيراتها في جميع المجالات، بهدف «فرنسة المجتمع»، وتذويب هويته، واستئصاله من جذوره، فإنها، أي المدينة العتيقة، ظلّت تشكلّ على مدى يزيد على السبعين عاماً، الفضاء الحيويّ للحركات الوطنية والثقافية والفنية بجميع فروعها وتيّاراتها. وكانت مقاهيها ونواديها ومدارسها ومكتباتها تستقطب أهمّ الزعماء والقادة السياسيين والشعراء والكتاب والصحافيين. ومن المدينة العتيقة، انطلقت «في أواخر القرن التاسع عشر حركة الشباب التونسي» بزعامة المناضل الوطني علي باش حامبة الذي ستنفيه السلطات الفرنسية ليموت بعيداً عن الوطن عام 1920. وفيها نشط الزعماء الوطنيّون الكبار من أمثال البشير صفر مؤسّس «الخلدونية» التي ستكون منبراً ثقافياً وفكرياً، فيها سيلقي أبو القاسم الشابي محاضرته الشهيرة «الخيال الشعري عند العرب». كما نشط فيها الشيخ المصلح عبد العزيز الثعالبي مؤسس الحزب الدستوري والذي سيجوب العالم الإسلامي للتعريف بأفكاره الإصلاحية، فكان في القاهرة، وفي بغداد، وفي اليمن، وفي الكويت، وفي الهند، وفي إندونيسيا. وفي المدينة العتيقة، استقبل الشيخ محمد عبده رموز النخبة التونسية المتطلعة للإصلاح والتحديث في الزيارتين اللتين قام بهما إلى تونس في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

أمام التاريخ
أتوقّف أمام جامع الزيتونة، فتغمرني سكينة روحيّة. إنه أحد المعالم الإسلامية الكبرى في بلاد المغرب. أسسه حسان بن النعمان سنة 736. ولم يلبث أن تحولّ إلى منارة للعلم والمعرفة تماماً مثلما هي حال جامع الأزهر في القاهرة، وجامع القروييين في فاس.. وفي العهد الحفصي، أصبح الجامع الأعظم قلب المدينة النابض. فيه دَرَسَ عبدالرحمن بن خلدون الذي اختار أن يترك تونس بعد أن حصد الطاعون عائلته وعدداً وفيراً من أهله. ولم يعد إليها إلاّ وهو كهل غزا الشيب رأسه، وحفرت التجارب المريرة التي عاشها في المغرب والأندلس تجاعيد على ملامحه. فلمّا عيّنه أبو زكريا الحفصي مدرّساً في الجامع الأعظم، شرع الشيوخ المتزمتون في حبك الدسائس والمؤامرات ضدّه. وفي النهاية، متعباً وجريح القلب والروح، فضّل أن يترك البلاد من جديد فلن يعود إليها أبداً بعد ذلك. وفي القرن التاسع عشر، ظهر نفر من الشيوخ تصدّوا للتزمت، وحاربوا التطرف والغلواء في الشريعة والدين، وناصروا حركة الإصلاح والتحديث التي تزعمها خير الدين باشا التونسي. من بين هؤلاء: الشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمود قابادو، والشيخ سالم بوحاجب، والشيخ محمد بيرم الخامس الذي اضطر في النهاية إلى الفرار من البلاد بسبب المخاطر التي كانت تتهدّد حياته وأفكاره الإصلاحية ليموت في القاهرة أواخر عام 1889! أما في القرن العشرين، فقد كان الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وابنه الفاضل ابن عاشور من أشهر شيوخ الجامع الأعظم. وقد تميّزت مواقفهما ومؤلفاتهما بروح تحررية عالية، وبتسامح يكاد يكون بلا مثيل في زمننا الراهن الذي كثر فيه المشعوذون والمتشدّدون الذين شوّهوا صورة الإسلام والمسلمين!
ويمكن اعتبار المظاهرة العارمة التي نظمها طلبة جامع الزيتونة في ربيع عام 1910 من أهمّ الأحداث الثقافية والسياسية التي عرفتها تونس في تلك الفترة. فعلى مدى أيّام عديدة، غصّت قاعة الجامع الأعظم، والدروب الضيقة المؤدية إليه بجموع هائلة من الطلبة، تمثلت مطالبهم في تحسين وتحديث برامج التعليم، وفي إدراج العلوم العصريّة واللغات الأجنبية في البرامج التي كانت تقتصر على تدريس الفقه واللغة والآداب العربية القديمة. ومن أبرز النتائج التي أفضت إليها تلك المظاهرات، انتشار الأفكار الإصلاحية بين طلبة الجامعة الزيتونيّة، وانحسار النفوذ الذي كان يتمتع به الشيوخ السلفيّون، ومن بين نتائجها الأخرى، بروز حركة سياسية وثقافية مناهضة للاستعمار، ومتشبعة بالجوانب المضيئة في التراث العربي-الإسلامي. وهذا ما تعكسه جلّ مؤلّفات الزعيم الوطني الكبير الشيخ عبد العزيز الثعالبي، خصوصاً «روح التحرّر في القرآن» الذي دعا فيه إلى وجوب التخلص من تقاليد الماضي، والقبول بحضارة العصر التي هي الحضارة الغربيّة. كما دعا فيه إلى ضرورة تحرير المرأة، معتبراً الحجاب مذلّة وإهانة لها! وفي كتابات الطاهر الحداد، نلمس الروح التحررية نفسها. ففي كتابه الشهير «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، انبرى مدافعاً بحماس، وجرأة نادرة في عصره عن حقوق المرأة، داعياً إلى ضرورة تعليمها وإشراكها في الحياة الاجتماعية والسياسية. غير أن شيوخ جامع الزيتونة المتشددين تصدّوا له، وحاربوه بعنف، محرضين العامة وسفلة القوم على الاعتداء عليه في الشوارع، وفي الأسواق. ولم يكتف الطاهر الحداد بالدفاع عن حقوق المرأة، بل ناصر أول حركة عمالية بقيادة محمد علي الحامي الذي عاد من ألمانيا عام 1924 لينشئ أول تنظيم نقابي في البلاد التونسية.
أما في المجال الأدبي، فقد فجّر أبو القاسم الشابي، وهو خريج جامع الزيتونة مثل الطاهر الحداد، أول ثورة شعرية باعثاً في الحياة الأدبية والفكرية روحاً جديدة لم يسبق لها مثيل. وقد شملت ثورته مجالات كثيرة ومختلفة. فكانت ثورة على اللغة القديمة المحنطة، وعلى البلاغة الركيكة والمبتذلة، وعلى الأفكار السلفيّة والرجعية السائدة آنذاك في الأوساط المحافظة... أظلّ واقفاً في الساحة المواجهة للجامع الأعظم، مستحضراً صورة صديقي الرائع العفيف الأخضر الذي رحل عن الدنيا في صيف عام 2013 بعد صراع مرير مع المرض. مرة روى لي ونحن نتجول في حديقة «اللكسمبورغ» بباريس، أنه قرأ في مكتبات جامع الزيتونة كتباً كثيرة، فتحت عينيه على آداب العالم وتاريخه وفلسفاته. وعندما كان يعوزه الجيب عن شرائها، كان يلجأ إلى قراءتها واقفاً غير عابئ بالحركة المحمومة من حوله. أغمض عينيّ وأتنصّت. لا شيء غير همس الماضي البعيد. تخترق جسدي قشعريرة باردة. عندما تهدأ، أمضي إلى إحدى المكتبات القديمة التي لا تزال تقاوم من أجل البقاء. يستقبلني صاحبها ببشاشة. يقول لي: «حدثني والدي رحمه الله أن الكتب التي كانت تأتي إلى تونس من بيروت ومن القاهرة ومن دمشق، كانت تنفد في أيام قليلة... أمّا الآن فلم يعد يأتي إلى المكتبة إلا عدد قليل من القراء جلّهم من الباحثين المختصين في التراث!». لمدة نصف ساعة انشغل بالبحث عن كتب قديمة، متحدثاً إلى صاحب المكتبة الذي كان يتنهّد من حين إلى آخر على زمن ولّى من دون رجعة، أودعه وأنطلق إلى «مكتبة العطارين» التي أصبحت شبه خاوية بعد أن أقيم مبنى جديد للمكتبة الوطنية.

في سوق العطارين
على مدى عقود طويلة، كانت «العطارين» أحد معالم المدينة العتيقة التي تجسّد روح الأصالة التونسيّة. وفي البداية كانت مجرّد ثكنة عسكريّة أسّسها حمودة باشا عام 1813. وفي عام 1885، وبأمر من علي باشا، أصبحت مقرّاً للمكتبة الوطنيّة. وفي عام 1895 تحوّلت إلى سجن مدني. وفي عام 1968، طبقاً لأمر رئاسي، تمّ تجميع المخطوطات في «العطارين»، لتصبح واحدة من أكثر المكتبات ثراء في منطقة المغرب العربي...
أتيه في الأسواق. كلّ سوق يحمل اسماً ما اختصّ به من سلع. فسوق «العطارين» هو سوق بائعي العطور والحنّاء والسواك واللبان والمسك والعنبر، وغير ذلك من أدوات العطر والزينة. وهو من أجمل الأسواق في البلاد الإسلامية. و«الشواشين» هو سوق الشاشية التونسية الحمراء التي لم يعد يقبل على شرائها غير عدد قليل من الناس. و«السراجين» هو سوق سروج الخيول الذي بارت سلعه راهناً. عبر شارع ضيق مسقوف أصل إلى «تربة الباي» حيث يرقد الملوك الحسينيّون الذين أطيح حكمهم من قبل نظام بورقيبة عام 1857. أقف أمام البيت الذي كان يسكنه الكاتب الكبير البشير خريف صاحب رائعة «الدقلة في عراجينها» التي مدحها الطيب صالح، معتبراً إيّاها واحدة من أجمل الروايات العربية التي قرأها. التقيت به في هذا البيت في خريف عام 1983. استقبلني مرتدياً اللباس التونسي التقليدي. بدا لي حزيناً ومرتعباً من الخراب الذي حلّ بالمدينة العتيقة في زمن «التمدّن المعطوب»، على حدّ تعبير صديقنا الشاعر والناقد المغربي محمد بنيس. قال لي: «أبنائي غادروا إلى الأحياء الجديدة التي أقيمت مؤخراً في ضواحي العاصمة، وقد طلبوا أن أفعل مثلهم، غير أنني رفضت ذلك رفضاً قاطعاً، وكيف أرتكب فعلة شنعاء كهذه، أنا الذي استوحيت جلّ ما كتبت من روايات ومن قصص من أجواء المدينة العتيقة، وفيها عشت الشطر الأكبر من حياتي، وفيها اكتويت بجمرة أول حبّ وأنا على عتبات الشباب؟؟». أمسك بيدي وقادني إلى النافذة المفتوحة على الجامع الأعظم، وبتأثر بالغ قال لي: «أنظر إلى هذا الجمال المعماري البديع، كلّ صباح أمتع نظري به، لذا لا يمكنني أن أغادر هذه البيت المتداعي إلا ميتاً!». بعد ذلك اللقاء ببضعة أسابيع، رحل «سي البشير» عن الدنيا وهو يشرب كأس شاي منعنع في مقهى قريب من بيته. وهو المقهى نفسه الذي كان يرتاده الشيخ العربي الكبادي، صاحب المسامرات البديعة التي كان يؤّمها الطلبة والمثقفون ليستمعوا إليه وهو ينشدهم قصائد من الشعر العربي القديم، ويحدثهم عن سير كبار الشعراء العرب من مختلف العصور، وبل ويطلعهم على بعض الأغاني التي كان يؤلفها لشهيرات المغنيات في عصره...

تحت السور
أجتاز ساحة «القصبة»، حيث قصر الحكومة ووزارة المال، وأنزل بهدوء عبر أزقة ضيقة وملتوية إلى حيّ «باب سويقة» الذي فقد الشهرة التي كان يتمتع بها قديماً ليصبح حيّاً يعجّ بالفوضى، وفيه يكثر الضجيج وتتكدس الفضلات. في مكان ما من هذا الحي، كان هناك مقهى يسمى «تحت السور»، منه انطلقت في الثلاثينات من القرن الماضي حركة أدبيّة وفنيّة جمعت بين الظرافة والجد، وبين النثر والشعر، وبين المسرح والغناء. وكان أصحاب هذه الحركة أدباء وفنانين عصاميين هجروا المدارس قبل أن تبلى سراويلهم على مقاعدها. وقد دفعتهم الظروف العصيبة التي كانوا يعيشونها إلى امتهان أعمال حقيرة لكسب قوتهم. ورغم محدودية تكوينهم الدراسي، تمكن هؤلاء الذين أصبحوا يسمّون «جماعة تحت السور» من أن يحذقوا اللغتين العربية والفرنسية، وأن يطلعوا على كنوز الأدب العربي، والأدب الفرنسي، وأن يتعرّفوا إلى أكثر الأفكار حداثة في المجال الأدبي والفني. ولا تزال الآثار التي تركها رموز هذه الحركة من أمثال علي الدوعاجي، ومحمد العريبي من أروع ما أبدعه الخيال التونسي في النصف الأول من القرن العشرين!
أترك المدينة العتيقة وأعود إلى «باب البحر»، وفي ذهني قول ابن خلدون: «العمران كلّه، بداوة وحضارة، له عمر محسوس، كما أن للشخص الواحد من أشخاص المكوّنات عمراً محسوساً...».

ذاكرة المدينة
تحتفظ مدينة تونس القديمة في حجارتها وأسواقها وجامعها ومقاهيها بتاريخ غير مكتوب؛ لكن قراءته ممكنة ببساطة في كل تفاصيلها، ففي ذاكرة هذه المدينة يعيش علماء وفقهاء ومفكرون وشعراء وكتاب دعوا إلى اليقظة، وحاربوا الاستعمار، واتفقوا - من دون تخطيط مسبق - على أن يحجزوا لهم مكاناً في تاريخ تونس: المناضل الوطني علي باش حامبة الذي ستنفيه السلطات الفرنسية ليموت بعيداً عن الوطن عام 1920. البشير صفر مؤسّس «الخلدونية» التي ستكون منبراً ثقافياً وفكرياً، فيها سيلقي أبو القاسم الشابي محاضرته الشهيرة «الخيال الشعري عند العرب». الشيخ المصلح عبد العزيز الثعالبي مؤسس الحزب الدستوري الذي سيجوب العالم الإسلامي للتعريف بأفكاره الإصلاحية، وفي المدينة العتيقة، استقبل الشيخ محمد عبده رموز النخبة التونسية المتطلعة للإصلاح والتحديث في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وغيرهم كثيرون يصعب حصرهم.

اقرأ أيضا