الاتحاد

الاقتصادي

القرصنة تهدد صناعة البرمجيات العربية

إعداد - عدنان عضيمة:

أصبحت ظاهرة قرصنة البرمجيات حمى مستشرية في دول العالم كافة· وليست منطقة الشرق الأوسط بمنأى عن أخطارها وتداعياتها·· هذه هي الحقيقة المرة كما تراها نهلا حيدر مديرة مكتب التنمية الاقتصادية للبلدان العربية في منظمة الملكية الفكرية التي يوجد مقرها في جنيف· وتضيف: (ويكون من الصواب أيضاً القول إن قرصنة البرامج التطبيقية في المنطقة العربية بلغت معدلات عالية جداً)· ويشير تقرير تنشره (ميد) اليوم إلى أن إحصائيات موثقة أنجزتها فرق بحوث متخصصة أثبتت أن أكثر من 58% من البرامج التطبيقية في أجهزة الكمبيوتر عام 2005 مسروقة؛ ويمثل هذا الرقم تراجعاً بمعدل يتراوح بين 1% و2% عن معدل البرامج المقرصنة في عام ·2004 وبالرغم من ضآلة حجم التراجع عن هذا الفعل المشين، إلا أنه ينذر على أقل تقدير بوجود نية لتدارك هذه المشكلة في منطقة الشرق الأوسط· ومن أجل التوضيح والمقارنة، أشارت الدراسة إلى أن معدل البرمجيات المسروقة في العالم يبلغ 35% من إجمالي حجم ما يستخدم منها في التطبيقات الحاسوبية·
وبالرغم من وجود قوانين صريحة لحماية الملكية الفكرية في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن الجدية في تطبيقها على أرض الواقع تختلف من بلد لآخر· وتقول هدى بركات من شركة (التميمي وشركاه) الإماراتية: (إن قانون الملكية الفكرية في الشرق الأوسط يستند بشكل أساسي على الاتفاقية الدولية المتعلقة بـ''قانون حقوق الملكية الفكرية ذات الصبغة التجارية'' المعروف اختصاراً بالأحرف الإنجليزية TRIPS· وتعمل دول المنطقة في هذا الإطار بوحي من أقل المعايير والأسس تأثيراً والسائدة على المستوى العالمي)·
ثم إن مجرّد تبنّي الاتفاقات الدولية للملكية الفكرية لا يمكنه بحد ذاته أن يضمن حمايتها· ويعود ذلك لعدم وجود أجهزة تنفيذية مناسبة لتطبيق القوانين المتعلقة بهذه الملكية من جهة، وغياب الوازع العقابي والأخلاقي لدى مستخدمي الأنظمة الرقمية في منطقة الشرق الأوسط، من جهة ثانية·
ومع كل هذا، فإن فسحة من الأمل فيما يتعلق بهذه المسألة الحساسة باتت تلوح في الأفق· ويضرب تقرير (ميد) مثالاً عن ذلك فيقول إن الإمارات العربية المتحدة أبلت بلاء حسناً في هذا الاتجاه وللدرجة التي جعلتها تتحول بسرعة كبيرة إلى نموذج يُحتذى في المنطقة· ولقد انخفض فيها معدل قرصنة البرامج إلى 34% لتسبق في هذا الانخفاض كلاً من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا· وتقول هدى في هذا الإطار: (تتبنّى الحكومة الإماراتية حملة صارمة لمكافحة قرصنة البرمجيات؛ واتخذت من هذه المسألة الحساسة موقفاً جدّياً)· وتضيف: (إن الدول التي ترسم لنفسها سياسات طموحة ومحسوبة بدقة والتي تعرف كيف تستثمر في قطاع البحث والتطوير وذات المعدلات العالية في قرصنة البرمجيات، عادة ما تكون مؤهلة إلى التحول لدول منتجة لتكنولوجيا المعلومات)· وتعد الهند من أوضح الأمثلة عن هذه الظاهرة·
ويقيّم الخبير توم بروبير حال سوق قرصنة البرامج التطبيقية الحاسوبية في الأردن فيشير إلى أن أي إنسان يتجول في شوارع عمّان فلابد أن يرى العشرات من تجّار أقراص (دي في دي) والبرمجيات الحاسوبية وألعاب الفيديو المقرصنة، وهم يصطفون متلاصقين على الأرصفة ونواصي الطرق العامة· ويحرص كل واحد من هؤلاء (اللصوص) على الإبقاء على عين مفتوحة على الزبائن، وأخرى لمراقبة تحركات شرطة المكافحة· وأصبحت الحكومة الأردنية تولي اهتماماً خاصاً بمكافحة هذه الظاهرة· ويقول موظف في إحدى الشركات الاستشارية المتخصصة بصناعة تقنية المعلومات: (قبل بضع سنوات فحسب، كانت هناك حملة منظمة لمحاربة هؤلاء التجار من قبل السلطات المدعومة بالشركات الكبرى المنتجة للبرمجيات مثل مايكروسوفت وأوراكل واتحاد منتجي برامج الكمبيوتر الأميركي· وأصبح لكل هذه الأطراف الحق في مطاردة القراصنة بعد أن وقعت عمّان على اتفاقية التجارة الحرّة مع واشنطن)·
وفي العاصمة اللبنانية بيروت، أفضت مداهمات مشابهة لأوكار قراصنة الأقراص المنسوخة إلى احتجاز وإتلاف أكثر من 150 ألف قرص تتضمن الأفلام والقطع الموسيقية والبرامج التطبيقية الحاسوبية وألعاب الفيديو المسروقة·
وتجدر الملاحظة بأن هذه التجارة غير القانونية التي يقدّر حجمها بمليارات الدولارات سنوياً، تترك أثرها البالغ على الشركات المحلية والعالمية على حدّ سواء· وجاء في تقرير صدر العام الماضي في بيروت عن الممثلية التجارية للولايات المتحدة أن الرابطة العالمية لحقوق الملكية الفكرية التي يوجد مقرها في واشنطن، أشارت إلى أن قرصنة البرامج التطبيقية والأقراص في لبنان لا تزال تمثل مشكلة كبيرة بما يقتضي الإبقاء على لبنان ضمن دائرة التحرّي والمراقبة المكثّفة· وعمدت السلطات اللبنانية مؤخراً إلى تشكيل وحدة لمكافحة قرصنة الملكيات الفكرية تتألف من 25 ضابطاً ينتمون إلى فرع الشرطة الجنائية· وهذه الوحدة التي بدأت نشاطها في الأول من يناير الماضي، تكلفت بمصادرة كافة المواد المقرصنة والقبض على مروّجيها والمتاجرين بها وإحالة ملفاتهم إلى النيابة العامة·
وشدّدت توصية صادرة عن الحكومة أن من مهمات ضباط جهاز الجمارك اللبنانية اتخاذ الإجراءات الصارمة لمصادرة كافة المواد المقرصنة المستوردة أو المعدّة للتصدير بما فيها البرامج التطبيقية والأقراص وألعاب الفيديو والأفلام وغيرها· ويقول تقرير الممثلية التجارية الأميركية في بيروت: (في الوقت الذي يتم إنتاج معظم المواد الحاسوبية المقرصنة التي يتم الاتجار بها في لبنان محلياً، فإن هناك نشاطاً كبيراً في استيرداها من دول الشرق الأقصى)· ولا تمثل البرامج التطبيقية الحاسوبية المادة المقرصنة الوحيدة، بل إن لبنان أصبح مركزاً لقرصنة الكتب المطبوعة التي تصدر بكميات كبيرة إلى بقية بلدان الشرق الأوسط· ويشير التقرير إلى أن هذه الظاهرة ذاتها باتت منتشرة في مصر أيضاً·

الصناعة المحلية

يبدو بوضوح أن هبوط معدلات قرصنة البرمجيات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو الصناعة المحلية لأجهزة تقنية المعلومات والبرامج التطبيقية الحاسوبية (البرمجيات)· وتشير دراسة أنجزتها شركة (إنترناشونال داتا كوربوريشن) بالتعاون مع الرابطة الأميركية لصنّاع البرامج التطبيقية الحاسوبية إلى أن تراجعاً بمقدار 10 نقاط في المعدل العام لقرصنة البرامج التطبيقية الحاسوبية في قطاع تقنية المعلومات بمنطقة الشرق الأوسط يمكن أن يرفع حجم هذه التجارة في عام 2009 إلى 27,5 مليار دولار فيما يبلغ حجمها الآن 17 مليار دولار·
وهبط معدل قرصنة البرامج التطبيقية الحاسوبية في الكويت بمقدار 13% خلال السنوات العشر الماضية فيما تضاعف حجم التجارة في هذا القطاع وقفزت صناعة البرمجيات هناك إلى ثلاثة أمثال ما كانت عليه قبل تحقيق هذا الإنجاز الكبير· وفي مصر، سجل قطاع إنتاج البرامج التطبيقية الحاسوبية نمواً بنسبة 160% بين عامي 1996 و2002 فيما انخفض معدل قرصنة البرمجيات بمعدل 30%·

الجهود الدولية

بالرغم من أن إجراءات مكافحة القرصنة تعد فعّالة ومفيدة، فإنها لا تبدو كافية لمواجهة ظاهرة بمثل هذا الحجم· ويقول وليد ناصر المستشار القانوني في (الاتحاد العالمي المضاد للقرصنة) في معرض شرحه للوضع: (هناك مشاكل ذات مستويات متعددة: تكمن أولاها في الحاجة الماسة إلى تعقّب المجرمين والتماس ما يكفي من الأدلة القانونية لتقديمهم إلى العدالة· وتتعلق الثانية بضرورة تأسيس جهاز قوي للتحقيقات الشرطية؛ خاصة وأن القضايا المتعلقة بقرصنة البرمجيات والأقراص والألعاب، من الصعب التحقيق فيها كما أن ذلك يتطلب هدر الكثير من الوقت· ثم إن هذه المهمات المعقدة تأتي لتضاف إلى الأعباء الكثيرة التي ينشغل فيها رجال الشرطة في منطقة الشرق الأوسط)· ويضاف إلى كل ذلك أن المحاكم في منطقة الشرق الأوسط لا تمتلك المعارف الكافية بالقوانين المتعلقة بحماية الملكية الفكرية؛ وغالباً ما يعتمد القضاة في هذا المجال على اجتهاداتهم الشخصية لأن كليات الحقوق والقانون لا تتولى تدريس جرائم الاعتداء على الملكية الفكرية في مناهجها·

الرابطة العربية

في منطقة الخليج العربي، تم تأسيس الرابطة العربية لمكافحة القرصنة منذ عام 1996 في دبي· وتتركز مهماتها في معالجة مشكلة القرصنة· وتمكنت من مصادرة كميات هائلة من المواد المقرصنة وأحالت العديد من القراصنة إلى النيابة العامة، كما عمدت أيضاً إلى نشر الإعلانات التحذيرية بشأن القرصنة في مختلف وسائل الوسائط الإعلامية المتعددة· وتم تشكيل وحدات للمكافحة والضبط في كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت·

اقرأ أيضا

ترخيص «العربية للطيران أبوظبي» في المراحل النهائية