الاتحاد

الملحق الثقافي

الشيخوخة.. الهويّة فارغةٌ من نفسها

أفلاطون وأرسطو وتلاميذهما في مدرسة الفلسفة اليونانية (بريشة رافائيل)

أفلاطون وأرسطو وتلاميذهما في مدرسة الفلسفة اليونانية (بريشة رافائيل)

فتحي المسكيني

فلسفيّاً، تعاني مسألة «الشيخوخة» قلقاً وندرة كبيرة. مثلاً: في المقالة التي خصّصها أرسطو للموضوع، تحت عنوان رسالة «في الشبيبة والشيخوخة وفي الحياة والموت»، هو لا يتطرّق إلى القضية إلاّ عرضاً فقط. قال المتنبّي: «عرضاً نظرتُ وخلت أنّي أسلم». عرضاً، حيث يشترط على القول في الشيخوخة أن يبدأ بذكر علل «التنفّس» في الحيوانات، ثمّ عرضاً، أيضاً، عندما فسّر الشيخوخة بطبيعة «النار» بوصفها الاستعارة الداخلية عن «الحياة». وعرضاً، أيضاً عندما نسي موضوع الرسالة وعوّضه بقول مسهب في التنفّس لدى الحيوانات. وتاهت الفرصة الميتافيزيقية لعقد خطاب فلسفي أساسي في ماهية الشيخوخة بشكل مبكّر. وعلينا أن نسأل: لماذا؟
قال: «الحياة نوع من النار، إذا انطفأت من نفسها، مات الحيوان من الشيخوخة، وإذا ما أُطفئت من خارج، مات الحيوان ميتة عنيفة».

كيف تفهم الفلسفة هذين المعطيين الغريبين من أرسطو: إنّ تفسير «التنفّس» شرط للقول في الشيخوخة، وإنّ فهم طبيعة انطفاء «النار» هو معنى الشيخوخة.
إنّ نكتة الإشكال هنا هي الربط الفلسفي بين الحياة والشيخوخة التي تأتي من دون عنف. الموت العنيف ليس شيخوخة.

كاتو القديم
على عكس ما نراه لدى أرسطو من تردّد فلسفي، تصدّى سيسرون (أو شيشرون) إلى معنى الشيخوخة في محاورة فلسفية عنوانها «كاتو القديم أو في الشيخوخة»، وذلك من زاوية آداب الشيخوخة أو إتيقا الشيخوخة.
قال سيسرون مبرّراً إقدامه على تأليف كتاب مفرد لمعنى الشيخوخة: «إنّ تأليف هذا الكتاب قد كان في نفسي شيئاً ممتعاً.. ولن نستطيع أبداً أن نقوم بتقريظ للفلسفة على هذا القدر من الروعة بحيث أنّه يخلّص الذي ينصت إليه من كلّ مرارة في أيّ حقبة من العمر».
والشخصية التي اختارها كي تعبّر عن آرائه الفلسفية في الشيخوخة، والتي تحمل اسم كاتو أو «كاتون»، إنّما تتميّز بأمر أساسي واحد: أنّه أثار دهشة معاصرين من قدرته على «تحمّل الشيخوخة بكلّ يسر».
يصوغ سيسرون مفارقة حول الشيخوخة على هذا النحو: «الشيخوخة هي العمر الذي يتمنّى كلّ الناس بلوغه، لكنّه ما أنْ يبلغه حتى يأخذ في ذمّه».
وفي تقديره أنّ كلّ الأعمار هي لا تُحتمل بالنسبة إلى كل من يفتقر إلى مصادر مناسبة لوجوده. يبدو أنّ الطبع هو المشكل وليس العمر. قال: «شيخوخة أفلاطون كانت فاتنة: فاجأه الموت وهو في ورشته يعمل في سن الثمانين». وسوفوكليس في أقصى شيخوخته كان يؤلّف التراجيديات ويهمل تجارته حتى اشتكاه أولاده وجرّوه أمام العدالة وحوكم باعتباره «مجنوناً»: يهمل أرزاقه ويتفرّغ للشعر.
يحدث أن تُحاكَم الشيخوخة باعتبارها نوعاً من الجنون يتمثّل في إهمال العالم. ويبدو أنّ أروع ما في الشيخوخة حسب سيسرون هو: فكرة ازدراء الموت. وحدهم الشيوخ تدرّبوا كفاية على احتقار الموت. وبهذا المعنى أمكنه أن يقول: «إنّ الشيخوخة هي الفعل الأخير للحياة».
ظلّ القدماء ينظرون إلى الشيخوخة من جهة الخدمة الأخلاقية التي يمكنها أن تؤدّيها تجاه غير المسنّين، بناء على القرينة المريبة بين الشيخوخة والحكمة. وهذا مبثوث في محاورات أفلاطون. (بروتاغوراس، السياسي، الخ...)
قال سقراط: «لنفحص المسألة مع أناس أكبر منّا سنّا، إذ إنّنا لا نزال شباباً وذلك يمنعنا من أن نحسم أمراً على هذا القدر من الأهمّية».
المسألة كانت تتعلق بإمكانية «بيع العلوم كما تُباع الأغذية» وهل يمكن نقلها من «نفس» إلى أخرى كما تُنقل الأطعمة من إناء إلى آخر. وتبدو الشيخوخة هنا باعتبارها قدرة استثنائية على الحسم في مسائل تتجاوز سنّ الشباب.
يقول ديكارت (مقالة المنهج، الجزء 6، الفقرة 2): الشيخوخة تبدو نوعاً من المرض لو تقدّم العلم بما فيه الكفاية لتمّ الشفاء منه. وفي رسالة إلى ويغانز (25 يناير 1638): لو أصلحنا «نمط حياتنا» (régime de notre vie) من الأخطاء التي تعوّدنا الوقوع فيها لتحصّلنا على «شيخوخة أكثر طولاً وأكثر سعادة ممّا نفعل عادة».

حالة وجود
كما كان سيسرون بالنسبة إلى القدماء، كان كانط بالنسبة إلى المحدثين: ردّ الاعتبار للشيخوخة بوصفها حالة وجود لها استحقاق خاص بها، وليس حالة علينا التعامل معها بوصفها تنطوي على نقص أنطولوجي أو على ذنب أخلاقي ما.
يقول كانط في مقالة نزاع الكليات (القسم الثالث): «إنّ واجب إكرام الشيخوخة لا يتأسّس على المراعاة المنصفة التي نطلبها من الشبان بإزاء ضعف أو وهن الشيوخ، فليس هذا سبباً يوجب الاحترام لهم. بل إنّ العمر يريد أن يكون منظوراً إليه أيضاً باعتباره شيئاً يستحق الثناء، فنحن لا نكفّ عن أخذه في الاعتبار».
لكنّ شيخوخة كانط كانت بحدّ ذاتها، ولأسباب غير فلسفية بل إنسانية استثنائية، درساً رائعاً عن تجربة الشيخوخة بوصفها من تجارب المعنى الفذّة في حياة النوع.
وهي تجربة ذاع صيتها إلى حدّ أن حوّلها عديد الكتّاب إلى موضوع للدراسة وللسرد الروائي. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك، كتاب توماس كينساي (Thomas de Quincey): «الأيّام الأخيرة في حياة إيمانويل كانط». وقد كُتب ونُشر في مجلّة سنة 1827 ثمّ في صيغة منقّحة في سنة 1854، حيث جمع المؤلّف بين الطرافة الأدبية والكتابة البيوغرافية والنقد الفلسفي.
وهذا مشهد من شيخوخة كانط: «كانت قدماه تمتنعان أكثر فأكثر عن وظيفة المشي، كان يتساقط باستمرار، وفي بعض الأحيان ما أنْ يأخذ في اجتياز للغرفة، وحتى عندما ينتصب واقفاً بلا حراك. ومع ذلك، فهو في كلّ سقطاته، لا يجرح نفسه أبداً، وكان لا يكفّ عن الضحك من هذا الأمر، قائلاً إنّه من المستحيل أن يؤذي نفسه بفضل الخفّة القصوى لشخصه، الشخص الذي تقلّص عندئذ إلى أن صار مجرّد ظلّ إنساني».
لكنّ أكثر ما كان يزعجه هو أن يشيخ مثل بقية البشر. ولا يملّ من ترداد هذا الاستياء: «لم يعد يمكنني أن أخدم العالم، ثمّ أنّني صرت عبئاً على نفسي».
الشيخوخة هي هذا الشعور المضاعف بشكل مفارق ومزعج: العجز عن العالم، والفائض عن النفس. ومن لا عالم له، لا يمكنه أن يواصل الانتماء إلى نفسه. ليست «النفس» غير طريقة معيّنة في تأثيث العالم. وتحويله إلى مساحة قابلة للسكن. لكنّ الشيخوخة تأتي لتضع حدّاً يفصل جسداً ما عن عالمه، وبالتالي يجرّده من «شكل النفس» الذي تشكّل من خلاله إلى حدّ الآن.
لكنّ شكل النفس هو منذ أغسطينوس ولدى كانط وهيغل وهيدغر، ليس شيئاً آخر سوى «الزمان». إنّ الشيخوخة هي في جوهرها نوع من سياسة الزمان، خاصة سياسة الآتي أو المستقبل.
قالت حنّا أرندت: «من زاوية الإرادة، تتمثّل الشيخوخة في أن نرى تقلّص بُعد المستقبل فينا..قبل فقدانه النهائي».
ما يتقلّص إذن ليس الجسد والأعضاء بل بُعد المستقبل الذي يعوّل عليه الحيوان البشري لترتيب علاقته بنفسه العميقة. وربما نجازف بهذا الادّعاء الفلسفي: لم يكن قصد الفلاسفة من فصل النفس عن الجسد أن يحموها من الشيخوخة بل لأنّهم يفترضون بشكل جذري أنّ النفس في جوهرها بلا عمر، بلا عمر شخصي. ولهذا السبب فقط هي يمكنها أو من حقّها أن تصبو إلى «الخلود»، أي حسب ترجمة كانط، إلى «الحياة المستقبلية». المستقبل هو المعنى المتاح الوحيد للخلود. والنفس التي تصبو إلى الخلود لا تقصد سوى أن تحتفظ ببُعد المستقبل قدر الإمكان. الخلود هو الاحتفاظ ببُعد المستقبل قدر الإمكان.
ربّما هذا هو ما سمّاه فلادمير يانكليفيتش «vieillissement métaphysique»- «تهرّم ميتافيزيقي»- نوع من «تعب الحياة» لا علاقة له بأتعاب البدن، لأنّه عبارة عن «صحّة» من نوع آخر، تقوم على قيس مسيرة الوجود بمدى «حجم الذكريات». بعض الناس ذكرياتهم أكثر من وجودهم، وحاضرهم ماضٍ متواصل، لكنّ ذلك ليس اعتراضاً كافياً على حقّهم في مواصلة الحياة بطرق أخرى.

خارج اليوميّ
ربما يكون امتياز الشيوخ هو التحرّر من الحياة اليومية. علينا أن نفكّر بهذا الموقف الوجودي: شخص بلا حياة يومية. نعني هو شخص بلا عالم معيش. وعلى الرغم من ذلك، هو يواصل الإلحاح على أنّه جزء من أفقنا التاريخي. قد يغمز عليه أحدهم هزواً مستعيداً هذا المثل الغريب: «عليك أن تترك العالم قبل أن يتركك». وقد يكون غوته على حقّ حين قال في نبرة حكيم خجول: «أنْ تشيخ يعني أن تنسحب رويدا رويدا من عالم الظواهر». يعني ذلك: أن تتمرّن على كيف تصير أكثر فأكثر كائناً لا مرئيّاً. كأنّ الشيخوخة نوع غريب من عدم اللياقة.
ولذلك من الشيوخ من يرفض أيّ نوع من اللياقة تجاهه ويفضّل شيخوخة لا- مرئيّة، متكتّمة، كالتي وصفها شاتوبريان قائلاً: «الشيخوخة تشبه مسافرة الليل (une voyageuse de nuit)، لأنّ الأرض محجوبة عنها، هي لم تعد تكتشف سوى مزيد من السماء المتلألئة فوق رأسها».
قال هيغل: «الشيخوخة هي جسم اللامبالاة المطلقة إزاء كلّ الأحوال. هي محرومة من الفردية التي هي الهيئة الخاصة بكلّ مفرد».
ما معنى شيخوخة بلا فردية؟ شيخوخة خالية من هيئة المفرد؟ تعني «اللامبالاة»، كما يقول ذلك حرف اللغات الغربية (in-différence)، عدم الفرق أو ارتفاع الاختلاف أو هو الهوية الفارغة من نفسها. الشيخوخة هوية فارغة بلا أيّ فردية، أي بلا أيّ قدرة على المفرد، نعني على احتمال فرق الكينونة أو احتمال الاختلاف.

مشهد من شيخوخة كانط
كانت قدماه تمتنعان أكثر فأكثر عن وظيفة المشي، كان يتساقط باستمرار، وفي بعض الأحيان ما إنْ يأخذ في اجتياز الغرفة، وحتى عندما ينتصب واقفاً بلا حَراك. ومع ذلك، فهو في كلّ سقطاته، لا يجرح نفسه أبداً، وكان لا يكفّ عن الضحك من هذا الأمر، قائلاً إنّه من المستحيل أن يؤذي نفسه بفضل الخفّة القصوى لشخصه، الشخص الذي تقلّص عندئذٍ إلى أن صار مجرّد ظلّ إنساني.

الفلاسفة والشيخوخة
* أرسطو: الحياة نوع من النار إذا انطفأت من نفسها مات الحيوان من الشيخوخة
* سيسرون: كلّ الأعمار لا تُحتمل لمن يفتقر إلى مصادر مناسبة لوجوده
* سوفوكليس في أقصى شيخوخته كان يؤلّف التراجيديات
* ديكارت: الشيخوخة مرض لو تقدّم العلم بما فيه الكفاية لتمّ الشفاء منه
* حنّا أرندت: الشيخوخة تتمثل في أن نرى تقلّص بُعد المستقبل فينا قبل فقدانه النهائي
* غوته: أن تشيخ يعني أن تتمرّن على كيف تصير أكثر فأكثر كائناً لا مرئيّاً
* هيغل: الشيخوخة هي جسم اللامبالاة المطلقة إزاء كلّ الأحوال

اقرأ أيضا