الاتحاد

عربي ودولي

أوروبا.. شواطىء بلا مرسى

أمينة عوض:

يبدو أن الأسطورة الإغريقية التي صورت أوروبا على هيئة ابنة ملك فينيقي وقد اختطفها الإله الأوليمبي ''زيوس'' المتخفي في شكل ثور، انقلبت لتخطف أوروبا أنظار العالم نحوها، فتجدُ فيها أجناساً وأشكالاً وطوائف وألواناً مختلفة من البشر· أوروبا حلم العديد من شباب دول العالم الثالث خاصة الشرق الأوسط وأفريقيا· وعلى الرغم مما تُعانيه الأقليات العربيّة والإسلامية هناك مازالت أوروبا ملجأهم الأول· و قد تكون أحضان الأوروبيين أدفأ وأوسع وأكثر رحابة من غيرها، خصوصاً في عين الحالمين بغدٍ أفضل·

أنت مسلم·· إذاً أنت إرهابي، حتى يثبت العكس!· شهدت أوروبا سلسلة من الاعتقالات بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 لدواعٍ أمنية خاصةً ضد الجاليات الإسلامية· فكونك عربياً مسلماً قد يكون الأمر أكثر سوءاً فأنت المتهم الأول لأي اعتداءات ممكن أن تحدث· وقد ارتبطت أسماء المسلمين في أوروبا بعدد من الحوادث وأعمال الإرهابية·
كثيرة هي الممارسات المعادية لحقوق الإنسان التي تمارس تحت مسمى مكافحة الإرهاب، وقد ذكر تقرير عن منظمة ''هيومن رايتس ووتش'' في عام 2004 أن اعتقال الحكومة البريطانية للأجانب المشتبه بتورطهم في الإرهاب لأجل غير مسمى أدى إلى تقويض ضمانات حماية حقوق الإنسان، وحال دون وضع إستراتيجية فعالة لمكافحة الإرهاب·
ودائماً الحال واحد ''محمد، أحمد، عبد الله···'' في مدريد العرب المسلمون هم المشتبه بهم الأوائل، وإذا جئنا إلى حقيقة الحال ليس في مدريد فقط بل في معظم بلدان أوروبا إن لم تكن جميعها· هل هي اعتقالات متعمدة أم مصادفة متكررة؟!، إن الشك الدائم الذي يحوم حول العرب المسلمين يجعل بعضاً منهم يخشى القيام بفرائضهم المعتادة حتى لا تشار إليهم أصابع الاتهام بالتطرف والإرهاب، وإن كان معظمهم غير متدين!·
عندما يتم الحديث عن المهاجرين المسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: لماذا اعتقل تيسير علوني؟ أسئلة كثيرة أثارتها قضية علوني الصحافي الإسباني من أصول سورية، والذي اعتقل لأنه أجرى مقابلة مع زعيم ''القاعدة'' أسامة بن لادن واتهم بتمويل خلايا أصولية، ووفق رئيس المحكمة الوطنية الإسبانية ''جوميز بير موديز'' وإن ذكاء علوني كان أحد أسباب زيادة الحكم عليه''· غريبة هي التهم وطريفة في الوقت نفسه، فكيف لسبق صحافي أن يكون سبباً لدخول مراسل إلى السجن ؟! فنحن محظوظون إذا كان الذكاء يدان!!! إن قضية علوني أصبحت هاجساً للعديد من المهاجرين العرب المسلمين المقيمين في أوروبا، فهم متهمون بذنب أو من دونه·
لم يكد المهاجرون العرب المسلمون يتنفسون الصعداء حتى اشتعلت النيران في فرنسا، لترتسم دوائر حُمر حول العرب المسلمين في بادئ الأمر، إلى أن سطعت الحقيقة لتبرّئ ساحتهم من هذا الاتهام، وتظهر جاليات أخرى ومهاجرون آخرون عانوا ما يعانيه المسلمون من البطالة والضياع· النيران تشتعل والمسلمون يحترقون بنار التّهم!، هكذا بات حالهم أينما حلّوا·
المهاجرون العرب المسلمون في أوروبا يبحثون عن هوية كالأوروبيين الراغبين في الحفاظ على هويتهم، هم مقيدون في ممارساتهم لشعائرهم الدينية بطريقة أو بأخرى، ففي إجراء أمني آخر قامت بريطانيا بمراقبة القادمين من أداء فريضة الحج خوفاً وتحسباً لأي عمل إرهابي·
كما لم يسلم الحجاب من التدابير الأمنية المتخذ ضد أي عمل إرهابي·
بعض الناس يرى أن لدى الأوروبيين الحق في مطالبة الموجودين على أرضهم باحترام ثقافتهم وقوانينهم التي يسنّونها، فيما يرى بعض آخر أنها تُعد تدخلاً في الشؤون الخاصة، وهو أمر شخصي يتعلق بالشخص نفسه بمنأى عن المجتمع، فالحجاب يمثل فكر وثقافة وهوية صاحبة· الحجاب لم يكن أزمة في أوروبا وحدها، حيث أثير في الشرق الأوسط وإن كان بشكل آخر· ويعتبر القانون الفرنسي الذي يحظر ارتداء الحجاب في المدارس أقرب إلى المنطق من غيره وأكثر عدالة، على الرغم من سخط بعض الجماعات واستيائهم منه، فقد أقر المجلس الأدنى بالبرلمان الفرنسي بالأغلبية أجراه على مسودة قانون يحظر الحجاب الإسلامي وغيره من الرموز الدينية في المدارس الفرنسية· وأيّد نحو 70% من الشعب الفرنسي مسودة القانون، والغريب أن هناك استطلاعات إشارات إلى أن 40% من المسلمات أنفسهن أيدن حظر الحجاب!·
لاجئون بلا ملجأ
تضاعف عدد طالبي اللجوء في أوروبا عام 2006 خاصةً من العراقيين· وأكد الناطق باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ''وليام سبيندلر'' أن 4700 عراقي قدموا طلب لجوء لأوروبا في الربع الأول من ،2006 وهو الأعلى منذ عام ·2003 وأضاف أن''عدد طالبي اللجوء تضاعف العام الماضي، متوقعاً أن تزداد أعداد اللاجئين في الأشهر المقبلة''· وقال: ''لا يوجد بلد يخرج منه اللاجئون بهذه الأعداد الكبيرة وبهذا الوقت القصير، فاللاجئون العراقيون أصبحوا من بين أكثر جنسيات طالبي اللجوء نمواً في العالم''·
تعرض العديد من اللاجئين خاصةً العراقيين إلى أعمال تعسفية، فقد تمت إعادة عدد كبير منهم رغماً عنهم، وفي هذا قال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لمنظمة ''هيومان رايتس ووتش'': من غير المقبول أن يتم جمع العراقيين وإعادتهم بعكس إرادتهم، في الوقت الذي تنصح فيه وزارة الخارجية البريطانيين بعدم السفر إلى العراق وتحذرهم من الهجمات التي يقوم بها المتمردون· إن السلامة والأمان نسبيان في العراق اليوم، وهذا ليس هو الوقت المناسب لإجبار أحد على العودة إلى العراق''·
ترغب سويسرا في تعديل قانون الهجرة واللجوء، إذا قررت تشديد سياساتها الخاصة بذلك، ويعني هذا القرار أنه سيكون من الصعب جداً، إن لم يكن مستحيلاً، قبول لاجئين لا يحملون وثائق تثبت هوياتهم· وأثار عدداً من جمعيات حقوق الإنسان، كما أنه لايزال قيد النقاش· أما ألمانيا فهناك 21 ألف طلب لجوء خلال العام الماضي ،2006 وهو ما يقل بنحو ثمانية آلاف طلب قدم في السنة السابقة لها، حيث طالب نحو 29 ألف شخص اللجوء، وحصل أقل من واحد بالمائة منهم عليه، بينما منح 4,3 بالمائة منهم حق الحماية، وسمحت السلطات لـ2,3 بالمائة بالبقاء بسبب المخاطر التي يمكن أن يتعرضوا لها في حال عادوا إلى ديارهم، مع العلم بأن كثيراً منهم لا يحصلون على ملجأ بالرغم من وجودهم القانوني، وهو ما تعتبره منظمة ''برو آزول'' لشؤون اللاجيئن دليلاً على عدم تحمل ألمانيا مسؤوليتها فيما يتعلق بحقوقهم·
أجساد عائمة
امتلأت شواطئ أوروبا بالعديد من قوارب الموت، حاملة معها عدداً من الحالمين والهاربين من البؤس، هؤلاء المغامرون بحياتهم متحدين خطر الغرق الذي يكون في كثير من الأحيان مصيرهم، واقعين في ''شباك الموت'' الإسبانية على وجه التحديد· غالبيتهم من الأفارقة والمغرب العربي وهم يتخذون من دول شمال إفريقيا منفذاً للوصول إلى أوروبا· في الآونة الأخيرة شددت أوروبا من الإجراءات الأمنية ضد الهجرات غير الشرعية أو كما تسمى الهجرات الاقتصادية·
لقد أدى القرب الجغرافي لقارة أوروبا من الشرق الأوسط خاصةً مع دول المغرب العربي إلى تسهيل مثل هذه الهجرات، لكن العامل الاقتصادي لعب دوراً رئيساً في الهجرة غير الشرعية لأوروبا، فمعظم هؤلاء من جنوب الصحراء الأفريقية يتجهون إلى دول المنفذ (المغرب العربي) رغبة في تحسين أوضاعهم الاقتصادية، خاصةً أن معظمهم من فئة الشباب المتعلم الحاصل على شهادات جامعية· وإذا تم قياس نسبة البطالة في بعض دول المغرب العربي فإنها تقدر في المغرب مثلاً بأكثر من 30 بالمائة، وفي الجزائر بـ 23,7 بالمائة وذلك حسب المجلس الوطني الاقتصادي، و15بالمائة في تونس·
لم تقف أوروبا صامتة أمام محاولات الهجرة المتكررة من الدول الافريقية عبر ساحل شمال القارة بواسطة قوارب الموت ، فقد قامت بتقديم العديد من الحلول والإغراءات المالية لدول المغرب العربي، بالإضافة إلى الضغوط الدبلوماسية التي تمارسها، وذلك لتعزز هذه الدول إجراءاتها الأمنية وتمنع تسهيل هجرات الأفارقة وغيرهم عبر أرضيها، فعرضت على المغرب 40 مليون يورو·
هناك العديد من المهاجرين الذين مازالوا ينتظرون فرصهم للمغادرة في بلدان المغرب العربي، ففي الجزائر وموريتانيا هناك ما يقارب 100 ألف أفريقي وعشرات الآلاف في كل من تونس والمغرب، أما في ليبيا فهناك مايقارب من مليون ونصف المليون يعيشون فيها حسب بعض المصادر· تحاول أوروبا أن تعقد اتفاقيات مع دول المغرب العربي ومصر لتوطين المهاجرين الأفارقة في مناطق العبور، ومازالت أوروبا تحاول إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة التي باتت القضية الأهم في الاتحاد الأوروبي·
جميل في الموضوع أن الكل يحاول منع مثل هذه الهجرات حتى دول المنفذ، ومن المحاولات الطريفة اللجوء إلى علماء الدين للإفتاء بتحريم مثل هذه الهجرات·
لماذا···أوروبا؟!
المهاجر هو الباحث عن الأمان والاستقلال، هذا ما سعت أوروبا في منتصف القرن السابق إلى توفيرة أو تصويره للدول التي احتلتها، فأعشاش الهجرة بنيت على أساس الحرية والديموقراطية والعلم والعمل لكل راغب، فتجد في أوروبا اللاجئ السياسي واللاجئ الاجتماعي والاقتصادي·
وعلاقة أوروبا بدول المهاجرين علاقة قديمة، وبدأت مع استعمار دول أوروبا وفرض هيمنتها على هذه الدول الأفريقية التي ظلت حتى بعد استقلالها مرتبطة بها، خاصةً أن الاستعمار الأوروبي كان يعتمد على فرض ثقافته على هذه الشعوب واحتوائها وتسهيل الهجرة من هذه الدول إليه أثناء الاستقلال، مما ولد شعوراً لدى سكان هذه البلدان بالتبعية للدولة المستعمِرة ( الدول الأوروبية)· لم تدرك دول أوروبا أن هذه التبعية ستكون من أهم مشكلاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية· فإذا أخذت فرنسا على سبيل المثال، وكيف قامت باجتذاب وتسهيل هجرات العديد من دول المغرب العربي على وجه التحديد في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حتى أصبحت تحوي أحياءً مملوءة بالمهاجرين وأشهرها الحي الجزائري- الأمازيغي، إن الدول الأوروبية كانت بمثابة الأم التي فتح هؤلاء المهاجرون أعينهم عليها·
القارة العجوز حائرة!
بين الخوف من تزايد عدد الأقليات المهاجرة في أوروبا والحاجة الأوروبية لهؤلاء المهاجرين، تقف أوروبا لا تعلم إلى أين تتجه، فقد صرح رئيس البرلمان الأوروبي ''خوسيب بوريل''، الإسباني الجنسية، بأن أوروبا تقترب من حالة من الشيخوخة الديموغرافية، مما يتطلب وصول عدد كبير من المهاجرين، فقد أقر ''بوريل'' أمام مؤتمر عقد في برشلونة أن ''حركة البناء في أوروبا تشهد وضعاً محبطاً للغاية في الوقت الحالي''، وبمرور 50 عاماً على تأسيس الاتحاد الأوروبي سيسود الشعور بـ''الحنين والتعب والخوف''، مضيفا أن الاتحاد الأوروبي قام بالعديد من الإنجازات ومازال يسعى لتحقيق الكثير، الأمر الذي يعني أن الحاجة للمهاجرين ستظل ملحة· فالاتحاد يتعرض حالياً لأربع أزمات هي ''الهوية والإبعاد والكفاءة والشرعية''· وأكد بوريل -بالرغم من انه اشتراكي- حاجة أوروبا إلى المهاجرين بسبب العجز الديموغرافي (السكاني) المرعب· كما أشار إلى أن أسبانيا و إيطاليا ستصبحان خلال الـ15 عاماً المقبلة من بلدان أوروبا الأكثر شيخوخة على مستوى العالم·
يبقى الحال على ما هو عليه!
لا تزال أوروبا جميلة مبهره، فهي على الأقل تحاول جاهده كبت كل أشكال العنصرية على أراضيها، فقد أقال الحزب الاشتراكي الفرنسي أحد أعضائه البارزين ''جورجيس فريشة'' لقوله: إن هناك لاعبين كثيرين من السود بالمنتخب الوطني الفرنسي· القوانين الأوروبية أكثر سماحة مع الآخر، غير أن المشكلة تكمن في تطبيق هذه القوانين في بعض الدول، كما أن الهوة الفكرية تتسع باتساع عدد المهاجرين غير الشرعيين خاصةً الفئة الأمية منها· أوروبا تخشى على هويتها التي هي مصدر اعتزازها وافتخارها، فهي التي ساهمت بظهور الأحزاب المتعصبة والمتطرفة لهذه الهوية التي بنت ثقافة ''الرجل الأبيض'' في أميركا وأستراليا وغيرها من قارات العالم·
هذه الازدواجية وصراع الذات الأوروبية تجعل أوروبا عاجزة عن حل قضية الهجرة بشكل أكثر حزماً وصرامة، فضاعت في تفاصيل قضيتها، وتشعب ملف الهجرة ليتفرع وتظهر قضايا ساخنة تحمل في طياتها كثير من الهموم· أوروبا عجزت أمام هذا الكم من المهاجرين وضاعت في وسط قراراتها، واختلطت حساباتها ليبقى الحال على ما هو عليه·

اقرأ أيضا

ترامب يوقع مرسوماً للتصدّي لمعاداة السامية في الجامعات