الاتحاد

الملحق الثقافي

لا أحد يقبض يأسي

الاتحاد الثقافي (بيروت)

في الذكرى الثانية لرحيل الشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج (1937-2014)، تطلق «دار نوفل - هاشيت أنطوان للنشر» في السابعة مساء الأربعاء 16 مارس الجاري، مجموعة نصوص لشاعر قصيدة النثر تُنشَر لأول مرة، بعنوان «كان هذا سهواً»، حيث تقيم بالتعاون مع «مؤسسة أنسي الحاج» في «مسرح المدينة» في منطقة الحمراء في العاصمة اللبنانية حفلاً فنياً تتخلله قراءات على المسرح من نصوص كتاب «كان هذا سهواً» تلقيها ابنة الراحل، الشاعرة ندى الحاج، كما تؤدّي المؤلفة الموسيقية والسوبرانو هبة القواس تأليفاً، صوتاً وعزفاً على البيانو، مقتطفات من الكتاب الجديد، إلى جانب مقطوعات أخرى قديمة من كلمات الشاعر أنسي الحاج. «كان هذا سهواً» شذرات تحوي آراء أنسي الحاج في مختلف مواضيع الحياة، مكتوبة بصيغة «خواتمه» الشهيرة. تلك المواضيع شكّلت فصول الكتاب، الذي يقع في 250 صفحة، كالتالي: ميتافيزيك ودين، فن وموسيقا، حب، سلوك، أدب، بالإضافة إلى قصيدة «غيوم»... «الاتحاد الثقافي» هو الآخر يحتفي بأنسي الحاج بنشر هذه المقتطفات من كتابه الجديد.

عهدٌ من الصبا الناهب المدى يخطف الأرض. الصخَب، الارتجال، الإسفاف، الخطأ، الإعاقة، الابتذال، قتْل التأمّل، وغيرها من آفات السرعة، ولها حسنات أوّلها تضليل الرتابة وخَلْق الحاجة إلى إيجاد مقاييس جديدة للصبر ونفاده، لكنّ أسوأ آفات السرعة أنّ زوبعتها غير موصَدة في وجوه المزوّرين والمزيِّفين والانتهازيّين، لأنّ هؤلاء كانوا دوماً أبطال السرعة على مرّ العصور.
***
ما يحصل لكثير من البلدان الصغيرة أو المستَفرَدة هو ما يحصل حين تجتمع عصابة من القَتلة في غرفة مقفلة وتنفرد بخصم فتُعذّبه وتقطع أصابعه فأطرافه ثمّ تفقأ عينيه وتقطع لسانه قبل أن تتركه ينزف آخر أنفاسه، بينما زوجته في القاعة الأخرى ترتجف ثمّ تصمّ أذنيها، ثمّ تلجأ إلى الحانة مع صديقتها تشربان لعلّهما تنسيان صراخ الضحيّة ثمّ تنسيان الضحيّة، محاولتين التغافل عن احتمال أن تُقتلا بدورهما أو أن تعيشا مهدَّدتين بالقتل إنْ واحدة منهما فتحت فمها.
لقد أُعطينا نحن الشعوب المعتقَلة المخطوفة المقتولة المحكّم فيها العماء والأوصياء، أُعطينا أن نَسكت عن قتلنا أو أن نُقتَل...
***

القليل الشفقة أقرب إلى «الحريّة» كذلك القليل الضمير. والقليل الشعور بالآخر، إجمالاً. وإن قلتَ لهم حريّتهم أنانيّة بغيضة لفوجئوا. فهم أوّلاً لا يعرفون أنّ هذا الذي يُخفِّف عنهم الوطء يُسمّى حريّة بل يحسبونه حكمة، وثانياً يظنّون أنفسهم ضحايا للآخرين.
***
بعض الذين يموتون يسعدون بالرحيل حتى إنّهم يُشفقون على الباقين أحياءً، فدعونا لا نودّعهم بغصّة إلّا إن كنّا نتشبّث ببقائهم لمواصلة التمكّن منهم.
***
كلٌّ منا يريد أن يحافظ في ذاته على ولد كانَهُ ولا يزال يرعاه. وأحياناً يَدفع ويُدفّع في المقابل ثمناً لا يستحقّه ذلك الولد.

***
خطأٌ أنّك تَغفر لمنْ تحتقر. من تحتقره تنساه. إنّكَ تغفر لمنْ تخاف عليهم من غول الندَم، ولمنْ تأبى أن يتوهّموكَ ضحيّة فوق طاقتك.
***
حين تعي أنّك تنام لتهْرب، يبدأ النوم بمُجافاتِك.
***
ألم تلاحظ أنّ ما يُجنّنك، كثيراً دائماً، هو عقلك؟!
***
نحن المرسومة علاماتنا في النجوم، علامات النجوم مرسومة في عيوننا. نحن نلمع وننطفئ وهي تلمع وتنطفئ، لكنّنا نحن نرى دموعها ولا نعرف إن كانت لها أيضاً ابتسامات، فهل ترى هي تعبيرات وجوهنا؟
***
الوِحدة تولّد الوَحدة. الاختلاط يضَعضِع النفْس ويُشتِّت أجزاءها. إذا كنتَ وحدك استجمعتَ روحكَ صافية متكتِّلة. أكثر ما يحَبّ الآخرون انطلاقاً من العزلة. إذا دَعتنا المدنيّة الجديدة إلى العزلات فلا نتكبّر. لنذهب، لعلّنا هناك نستكين، وإذ يعود بعضنا إلى بعض لا يكون ذلك للتباغض والعزل والإماتة.
***
الحياة تمضي إلى الأمام بزَخم الحركة لا بدافِع الأخلاق. هناك نوعان من الغابات: نوع تزدهر فيه الغرائز الحرّة ونقاوة الهواء، ونوع لا يُعرَف من أجناس الوحوش إلّا البشر.
أفظع غربة هي تلك التي كانت كلّ حياتك. وأبشع الظواهر هي تلك التي ترعرعتَ في ظلّ رونقها وفجأة نظرتَ فإذا تحتها فوراً الهاوية.

***
رجلٌ متدفِّق يجلس في العشيّة عند باب بيته الصغير، أمامه شارع ضيّق وراءه المقابر، وحوله ديرٌ وعمارات دميمة وشجرات صلعاء. يبيت من عمله الضيّق إلى غرفته الضيّقة فيأكل عشاءه الضيّق ويحتسي عَرَقه الرحيم ويَدُوخُهُ على كرسيّ ضيّق أمام الباب الواطئ في الشارع الضيّق.
يفعل هذا ليتونَّس بـ«الطبيعة»، ولكنّ الطبيعة هي التي تتونَّس به. مِن تَدفُّق طيبته لا يرى بؤس الدنيا ولا يشعر بقَباحة المحيط.
إنّه هو الذي يمْسح عن الدنيا فراغها ويُلهي المحيط عن موته.
ويشكرُ كلّ يوم.
***
الحياة هي هذا الاستعداد للّذي قد ينقضي معظم العمر قبل أن يحدث، لكنّه سيحدث.

***
للمرء الحقّ في إنكار حياته، إنْ هي لم تشبه مُناه، وأن لا يعترف في عُباب هذا البحر المترامي وراءه إلّا بحبّات من الملح وبضع نقاط من البخار.
***
احفِرْ في الهاجس،
تابِع الحَفْر،
حتى ينبجِسَ اللبّ من الطرف الآخر.
فإمّا جوهرة، وإمّا فرَج الفراغ.
***
أوّل نَعْرة غَيرة أذكرها هي يوم رأيتُ، طفلاً، أنّ الكبار يكذبون،
وأنّهم يكذبون أفضل منّي.
تغادر طفولتكَ من باب المواجهة لتعود إليها، بعد قليل، من
شبّاك الوعي.

***

الإقامة في الخوف تَخْلق حالةً ثالثة تتكوَّن ما وراء الساديّة
والمازوخيّة، وفيها من الاستسلام ما فيها من التحدّي، ومن
الانتحار ما فيها من النَحْر.
***
الطريدة أجمل في كلّ حين من الصيّاد لأنّ عليها ظلال البراءة
التي ستُغدَر، وانخطاف الوهلة الأخيرة.

***
لا يعدو الشرّ كونه عند بعض الأشخاص حزناً متراكماً. ولا
يلطّفه ضحكهم إذا ضحكوا. إنّه الضحك رفقاً بالذات، وهو أشبَه
ما يكون بمعطفٍ ورديّ للنحس.

***
أجمل ما في الحضارة صنَعه سُذّج أو مثاليّون واستعمله
انتهازيّون. لم ينتقل خير الحضارة إلى البشريّة بدَفقه الكامل
المجّاني ولا مرّة. إنّه ينتقل، كما في الفنون والطبّ والتكنولوجيا،
***
الإنترنت حميميّة كونيّة مبدأها «اعزِلْ تُوحِّدْ».

***
جَهلكَ يُعظِّم وجَهلكَ يُقزِّم. ومعرفتكَ تؤذي، بدون الشفقة.

***
أجمل ما في الكرَم ليس العطاء، بل كونه أخبث المُفْسِدات.
***
مَن هم الحثالة؟
المتلاعبون.
والخوَنة؟
كريهون إن هم انتصروا.
وإذا عُزلوا؟
أنسي الحاج المعزول يغدو أقلّ ذنْباً من عازليه.
***

الاغتسال من زَعْبرة «النجاح» بأيّ خطيئة كانت، يُطهّر
هذه الخطيئة.
***
كلّ ما في الطبيعة أقوى ممّا يفعله الإنسان، إلّا الدموع.
حُممُ البركان تحرق الأبرياء، السيول تُغرقهم، الزوابع
تشرّدهم. الدموع تُعيد لهمُ الأمان.
***
الجرح العميق لا يُبرِّر أشدّ الكتابات جنوحاً، فحسب، بل
يبارك قارئها.
***

أكثر ما تعيش الحقيقة، هنا في صدور المعتّرين، الأبرياء من
المجد والحبْر والورق.
بين شخص يعاني كثيراً في صمت وكاتب يعاني قليلاً ويصف
كثيراً معاناته، حتى لو كانت كتابته عنها تحفة، الأوّل هو الأجدَر
بالاحترام.
فالكلام على الشيء تخفيف منه، والصمت عليه تعميق له.
والعجز عن سَرْده يمضي به إلى أقصاه.
***
لعلَّ العنصر الأخلد في الصورة أو اللوحة، الفيلم، الإنترنت،
فضلاً عن الصوت واللحن، هو أنّكَ لا تَشمُّ الرائحة.

***
حين ينسى الكاتب أو يرفض تدوين خواطره، تتساقط كأوراق
شجرة ويضمّها تراب كيانه أحلى ممّا كان سيضمّها كتاب.

***
كان هذا سهواً
كان هذا سهواً.
لم أكتب هذه الرسائل ولا تلك المقالات، ولم أكن إلّا قليلاً في
الأيّام حيث كنت.

للمرء الحقّ في إنكار حياته إنْ هي لم تشبه مُناه، وأن لا
يعترف في عُباب هذا البحر المترامي وراءه إلّا بحبّات من الملح
أنسي الحاج وبضع نقاط من البخار.

ندى الحاج: كأنّك تعود إلى الحياة
في تقديمها للكتاب وتحت عنوان: «كتاب من ذهب» كتبت الشاعرة ندى الحاج عن أبيها وعن الشعر نصاً موجعاً، لكنه مفرح أيضاً، قدر ما في الشعر من قدرة على الفرح، هنا شيء مما كتبت:
شلّالاتٌ هادِرة من حروفكَ الصارخة القويّة، الموجِعة، المتنوِّرة، الخلاّقة، الملهَمة والملهِمة، لفَّتني وجَرفَتني وتبعتُ خطَّ دربٍ سرّيٍّ في مناجم دفينة وبراكين متفجِّرة.
هل كان عليكَ أن ترحل كي تظهر كلماتكَ إلى النور؟ إعادةُ روحكَ إلى الحياة، لملَمةُ أوراقكَ – التي كنتَ تكتبها على مدى سنوات ولم تنشر حرفاً منها، ظنّاً منكَ أنّكَ ستجمعها لاحقاً في كتاب بعد مراجعتِها وغربلتِها – تخطَّتْ لديّ المسؤوليّة والرسالة والوَعْد لتروِّضَ ألَمي وتؤالِفَني مع خيميائيّة الموت والحياة.
أغدقتَ عليَّ كنوزكَ وغاباتكَ الوحشيّة لأتلقَّفَها حرفاً حرفاً بيديَّ هاتين وتختلطَ نبضاتي بفواصلكَ ونقاطكَ وترتجفَ أناملي حول شحطات قلمكَ المتوتّرة وتؤرّقَ لياليَّ بنجومكَ الهاربة نحو المستحيل...
كم تهرَّبتَ من إنجاز هذا الكتاب بحجّة الوقت والظروف، حتى غلبَتْكَ حالتكَ الصحيّة وألزمَتْكَ المنزل لأسابيع وأشهر، كرّرتُ خلالها عَرْضي لمساعدتكَ على تنفيذ الكتاب، لعلّه يحفّزكَ على التحسّن والتماثل للشفاء، لأنّ الكتابة كانت علاجكَ الإيجابيَّ الفعّال ضدّ المرض.
لكنّ بضع كلمات أسْكتَتْني يومَ قلتَ لي: «تركتُ لكِ مسْوَدة كتاباتي هذه لتعملي عليها بعد رحيلي».
محوْتُ الفكرة من جذورها لعلّ عمركَ يطول...
سكتُّ وحفظتُ الأمانة...
(...)
«جاءني ولم يعُد يفارقني...» عشتُ مع أوراقه المبعثَرة تجربة الحياة ما بعد الحياة.
تجربة استعادة مَن خلتُ أنّني فقدته لأجدَني أقرَبَ إليه من قبْلُ وأجدَه في متناول انتظاري له وحبّي الذي لم يشبع منه...
رأيتُ حلماً في المنام قبل سنوات، ولمّا أخبرتُه عنه آنذاك، نظرَ نحو الأرض بصمت.
أهداني في ذاك الحلم كتاباً حروفُه من ذهب!
لم أتصوّر يومها أنّ تلك الهديّة ستتجسَّد لتَحوي كنوز فكْره وحروفه المرصَّعة بشغف الشاعر والمفكّر الفيلسوف والأديب الناقد والإنسان الصادق الشفّاف حتى أقصى تعرية الذات. حافظتُ على تقسيم فصول الكتاب تحت العناوين التي اختارَها بنفسه.
أمّا عنوان الكتاب فاستلْهمتُه من مضمونه ومن كلماته هو، وحياته التي هي «حبّات من الملح وبضع نقاط من البخار».

اقرأ أيضا