الاتحاد

دنيا

تهنئة بالقتل!

(القاهرة) - منذ جاء «شوكولاتة» هنا إلى المنطقة الشعبية، واستأجر شقة في الطابق الأرضي، أظهر العين الحمراء لجميع السكان وأشاع في نفوسهم الخوف، حتى يتجنبوه ويخشوا بأسه، ويعتادوا ذلك، فلا يجرؤ أحدهم على الوقوف في وجهه، وبالفعل تحاشوا الاقتراب منه أو التعامل معه، فظل بالنسبة لهم لغزاً، ويكفيهم النجاة من شروره، وهو يرون أنه لم يقف عند هذا الحد، بل يختلق المشاكل حتى مع من يلقي عليه التحية.
مع هذه الأخلاق السيئة وجد الرجل الذي تخطى الأربعين بقليل من يتقرب منه، ليس حباً فيه وإنما ليحتمي به، أو لينال الرضا ويصبح واحداً من رجاله، فيكتسب القوة بتلك التبعية وكانوا نفراً قليلاً، وكان هؤلاء هم أدواته وسواعده، ينشر من خلالهم ما يريد أن يعرفه الناس حتى الأكاذيب التي لا يعرف أحد ما تخفيه واتخذوها على محمل الجد وصدقها الجميع، فهو رجل مجهول وجاء من المجهول، وأصبح في نفس الوقت مادة جيدة، وأثار الفضول لمعرفة أصله وفصله.
أشاع الرجل أنه خرج من السجن لتوه منذ عدة أيام، لأنه كان متهماً في قضية تافهة قضى على أثرها حكماً بالسجن ستة أشهر، ولكنه ارتكب جريمة قتل بعد إطلاق سراحه بأيام، وكما قال لهم، إنه قتل شخصاً أبلغ عنه وآخر حاول الدفاع عنه، وقد جاء إلى هنا هرباً من البوليس الذي يتعقب أثره، ولا مانع عنده من أن يقتل مئة إذا ما تجرأ أحدهم أو فقد عقله وأبلغ عنه، وفي نفس الوقت أشاع أيضاً أن رجاله سيأتونه بكل من يتنفس، أو يفكر حتى بينه وبين نفسه في أن يتخذ تلك الخطوة، ليس هذا فقط، بل معه رجال يأكلون الزلط والحجارة، فإذا ألقي القبض عليه فسينتقمون من أي شخص أبلغ عنه.
عرف «شوكولاتة» كيف يبث الرعب في نفوس كل جيرانه وسكان الشارع والمنطقة، خاصة بعد أن عرفهم وعرفوا عنه هذه المعلومات المرعبة، ووصف نفسه بأوصاف هي أبعد ما تكون عنه، واستغل ضعف بعضهم وخوفهم، وراح يلقنهم الدرس تلو الآخر بضربات موجعة متحدياً الجميع، ولا يريد أحدهم أن يقترب من عرينه فيخاف أن أبلغ عنه أن تصيبه شروره، وهو في غنى عنها، خاصة بعد أن أشاع أن انتقامه لن يكون فقط من الشخص الذي يرتدي ثوب الشجاعة ويقترب منه، بل سيكون الانتقام أيضاً من أطفاله وزوجته قبله وربما أمام عينيه، فكانت تلك نقطة ضعفهم التي كان يلعب عليها ونجحت خطته.
فرض الرجل الشرير سطوته، وجنى ثمار ما زرع من خوف في النفوس وفرض الإتاوات على أصحاب المحال، وإن لم يكن ذلك بشكل مباشر، وإنما كان يتوجه اليهم ليقترض منهم بعض المبالغ المالية، ولا يستطيعون أن يطالبوه بردها، فاعتاد ذلك إلى أن أصبحت عادة شهرية، وحقوقاً واجبة عليهم، ويجلس يلعب في شاربه، وهو يتباهى بأنه حامي المنطقة من البلطجية والمجرمين الذين يمكن أن يغيروا عليها عشية أو نهاراً.
أعاد إلى الأذهان الفتوة في الأزمان الماضية الذي كان أقوى من في الحارة ويحميها بالفعل مقابل تلك الإتاوات التي يحصل عليها من السكان، وآثر الجميع السلامة، وليس أمامهم إلا أن ينصاعوا ويستجيبوا صىاغرين لأوامره، قليل منهم استطاع أن يدبر أموره ويخرج من المنطقة بعد أن استطاع أن يجد له مأوى آخر، لكن الباقين يملكون تلك البيوت الصغيرة، ولا يجدون من يشتريها منهم أو أنهم ملاك وحدات على قدر أحوالهم المادية، أو هم مستأجرون لا يجدون لهذا الهوان بديلاً فتحملوا رغم أنوفهم، ولا يملكون إلا أن يرفعوا أيديهم إلى السماء بالدعاء أن يخلصهم الله من الظالم المتجبر.
«شوكولاتة» له علاقات وصداقات مع أناس على شاكلته، يحضرون إليه في زيارات قصيرة معظمها في الظلام تحت جنح الليل، فكانت تعاملاتهم مشبوهة تثير الريب، لكن مع ذلك لا يجرؤ أحد على أن يسأل حتى نفسه عنها، ولماذا يلقي بنفسه في التهلكة، الرجل تاجر مخدرات، ولا يخشى أن يُعلن ذلك لأنه ضمن أنه لن يستطع أحد أن يبلغ عنه فشعر بالأمان، بل كانت له عيون في الشوارع المحيطة ومداخل المنطقة، ولن يستطيع البوليس الوصول إليه قبل أن يبلغه صبيانه بوقت كاف، وهو يأخذ حذره، فلا يحتفظ ببضاعته السامة في منزله لأنه يعرف أن التلبس يعني الإعدام أو على الأقل المؤبد، وتعلم ذلك من خلال القضايا التي تم الحكم فيها على أمثاله ممن كان يعرفهم.
ورغم مرور أكثر من عشر سنوات على مجيء «شوكولاتة» إلى هنا، فإن أحداً لم يعرف اسمه الحقيقي، وزوجته ليست أفضل منه، بل إن الطيور على أشكالها تقع والحية أنجبت حيَّات، فكانت الأسرة كلها مثل الجراثيم التي لا يمكن التخلص منها، وليس لها علاج، ولم يكن هذا اسمه وإنما كنيته التي اكتسبها منذ صباه، عندما بدا الاتجار في المخدرات، وكان يطلق عليها اسم «الشوكولاتة» حتى لا يكتشف أمره، فأصبح معروفاً بتلك الكنية لدرجة أن البعض يعتقدون أنها اسمه ولم يسأله أحد عنه.
الآن لم يعد هناك داع للتخفي، بعد أن تمكن من الناس وأخضعهم، فها هو يعرض بضاعته القاتلة أمام بيته لا يخشى أحداً، وطالما أنه بعيد عن بيوتهم، فالجميع صامتون يدعون العمى والصمم، وساقهم عجزهم عن المواجهة إلى قبول تلك الأوضاع إلى حين أن يأتي الفرج، غير أن الأمور تسير على عكس ما يتمنون، فقد راجت تجارته، واشترى البناية التي كان يستأجر إحدى وحداتها الصغيرة وجعلها أعلى بناية في الشارع كله، وجرت الأموال غزيرة بين يديه، وتزوج امرأة ثانية لا تقل فحشاً عن الأولى.
الغريب أن الرجل مع كل هذا الجبروت وإن كان بعضه مفتعلاً، فهو بين زوجتيه مثل الأرنب، فعندما تشب بينهما مشاجرة لا يستطيع أن يتدخل أو يفضها، وقد شهد الشارع له ولأسرته العديد من المشاكل والمعارك التي يستخدمون فيها العصي والشوم والطوب والحجارة يلقون بها حيثما اتجهت عيونهم وإلى أي مدى تصله أياديهم لا يهتمون بأثرها ونتيجتها، فيغلق الجميع أبواب بيوتهم ونوافذهم إلى أن تضع الحرب أوزارها وتنسحب الجيوش المعتدية التي جاءت من مناطق أخرى، وهذه المعارك إنما تنشب بسبب سوء معاملات «شوكولاتة»، إما مع زبائنه أو مع التجار من أمثاله وكلها بسبب الطمع والخيانة والغش.
وما حدث اليوم لم يكن يقبله أحد ولا يرضاه حتى الجبناء، فقد جلس «شوكولاتة» أمام ورشة النجارة في الدار المقابلة لبيته، ووضع منضدته وعليها كميات من المخدرات يقوم بوزنها وتغليفها وإعدادها لعملائه الذين يعرف مواعيدهم، فنهض الشاب كريم يرفض هذا المشهد أمام الورشة التي يملكها أبوه، وهي مصدر رزقهم ويريد أن يلوث سمعتهم، تمتم ببعض الكلمات حتى يتجنب الاشتباك مع الرجل هو فقط يريد أن يوصل إليه رسالة الاعتراض، لكن هذا أخذته العزة بالإثم ونهض واقفاً مستغرباً تلك الجرأة التي لم يعتدها من أصحاب الشوارب، فمال هذا الغر يواجهه يتحدث معه، لم يكن هناك تفاهم إلا صفعة على وجه الشاب كانت نقطة التحول.
وقف الجميع ينظرون هذه المرة يترقبون ما ستسفر عنه المعركة التي كانوا يرون أنها من طرف واحد وبحساباتهم سيلقى الصغير «كريم» فيها حتفه حتماً، ربما بينه وبين الموت لحظات، توقفت القلوب واحتبست الأنفاس، خاصة بعد أن قام الشاب برد الصفعة بمثلها واشتبك الاثنان، كل منهما يحرص على الحياة ويحاول أن يجهز على الآخر، تعالى الصراخ من بعض النسوة، أخريات يحاولن الاستغاثة والاستعانة ببعض الرجال للتدخل لإنهاء المشكلة قبل أن تأتي النهاية المؤلمة، لكن الخوف ما زال متملكاً من النفوس فاقتربت قلة تحاول التدخل بالتمهيد بكلمات مترددة.
حضر «فتحي» صاحب الورشة من منزله القريب وجن جنونه عندما رأى «شوكولاتة» ممسكاً بتلابيب ابنه ويحاول أن يجهز عليه ويطرحه أرضاً فأخذ إحدى أدواته التي تشبه السكين وطعنه بها طعنتين متتاليتين، كانتا كفيلتين بإسقاطه على الأرض، لكن لم يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد، فهوى كريم على رأسه بقطعة من الخشب أودت بحياته، سقط على الأرض جثة هامدة، ولم تستطع زوجتاه أو أي من أبنائه الاقتراب من جثته، بعد أن تجمع الغاضبون واستجمعوا شجاعتهم المفقودة من سنين، لدرجة أن النسوة أطلقن الزغاريد ابتهاجاً بهذه المناسبة، والرجال والشباب تبادلوا التهاني لخلاصهم من الطاغية.
تقدم العشرات للشهادة وانطلقت ألسنتهم من عقالها تقول الحق بعد سنين من تكميم الأفواه، عسى أن تخفف المحكمة الحكم على الأب والابن، فهما في النهاية متهمان بالقتل العمد، لكن محاميهم يجتهد ليحول الاتهام إلى دفاع عن النفس.

اقرأ أيضا