الاتحاد

الأمل .. والأجل

الأمل هو حادي العمل ولا ينشط المرء للعمل إلا ولديه طموحات وأهداف يسعى الى تحقيقها وهذا ما يميز الإنسان عن سائر الحيوان واذا فقد الإنسان الأمل كلية لم يستطع العيش ولهذا قال الشعر:
''أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل'
ولا يتصور أبداً ان يوجد انسان سوي يعيش في هذه الحياة بدون أمل يتطلع اليه ويسعى لتحقيقه ان هذا ينافي فطرة الإنسان ونفسيته وطبيعة دوره على هذه الأرض ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داوود ''أصدق الأسماء حارث وهمام'' لأن هذا الوصف هو الموافق لطبيعة الإنسان، فكل إنسان لا يخلو من كسب وهم، وأماني وآمال وهذه الأماني والآمال لا تنتهي ما دام المرء على قيد الحياة لكن اذا استرسل العبد في آماله واستسلم لأحلامه نسي الآخرة وأحب البقاء والخلود في الدنيا وكره كل ما من شأنه ان يحول بينه وبين تحقيق تلك الآمال ومن أجل ذلك جاءت النصوص الشرعية وكلام السلف وعلماء السلوك محذرة من طول الأمل ونسيان الأجل والركون الى الدنيا، قال الله عز وجل مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام في شأن الكافرين: ''ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون'' ''الحجر آية ''3 أي دعهم يشتغلوا بدنياهم ويتوقعوا طول الأعمال وتلههم الآمال والأماني عن الاستعداد للقاء الله والعمل لما بعد الموت فسوف يعلمون سوء صنيعهم اذا باغتهم الأجل وعاينوا الجزاء على أعمالهم وقد ضرب نبينا صلى الله عليه وسلم الأمثال لقضية الأمل والأجل في أحاديث كثيرة منها ما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قال: ''خط النبي - صلى الله عليه وسلم - خطا مربعاً وخط خطا في الوسط خارجا منه وخط خططا صغارا الى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: ''هذا الإنسان وهذا أجله محيط به أو قد أحاط به وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا وان أخطأه هذا نهشه هذا'' رواه البخاري·
فقد أراد عليه الصلاة والسلام من خلال هذا المثل أن يبين حقيقة مهمة يغفل الناس عنها الا وهي أن آمال الإنسان لا تنتهي ولا تقف عند حد وأن أجله أقرب إليه من أمله واستخدم صلى الله عليه وسلم الرسم التوضيحي لايصال هذا المعنى وهو من الوسائل التعليمية المهمة ومن المسلمات لدى التربويين انه كلما زاد عدد الحواس التي تشترك في الموقف التعليمي زادت فرص الادراك والفهم كما ان المتعلم يحتفظ بأثر التعليم فترة أطول فرسم صلى الله عليه وسلم مربعا في الارض يمثل اجل الانسان الذي يحيط به من كل جانب ولا يستطيع ان يخرج عنه أو يتجاوزه أو يقدم فيه أو يؤخر ثم رسم في وسط هذا المربع خطا طويلا قد خرج خارج المربع وابتعد عنه وهذا الخط يمثل آمال الإنسان العريضة البعيدة التي تغفل الاجل ولا تحسب له أي حساب فهو يؤمل ويؤمل وأجله أقرب اليه من كل تلك الآمال كما قال الأول:
''نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعلى الردى مما نرجيه أقرب''·
ثم رسم خطوطاً قصيرة على جانبي هذا الخط الذي في وسط المربع وهذه الخطوط تمثل الآفات والعاهات التي يتعرض لها الإنسان حال حياته فإن سلم من واحدة لم يسلم من الأخرى وان سلم من الجميع ولم تصبه آفة باغته الأجل فجأة وعبر صلى الله عليه وسلم عن هذه الآفات بالنهش وهو لدغ ذوات السم للمبالغة في الاصابة بهذه الآفات وتألم الإنسان بها وهكذا الأعراض في الدنيا ان تجاوز هذا العرض لدغه العرض الآخر، والمقصود من الحديث التعجب من حال الإنسان وكيف ان الأجل لا يفوته بل هو محيط به من جميع جوانبه وهو معرض قبل ذلك للآفات والأخطار التي تهدد حياته وتكدر عيشه ومع ذلك يؤمل أملاً قد جاوز أجله·
ومن خلال هذا التمثيل في الحديث يتضح لنا أنه ينبغي على المسلم ان يكون قصير الأمل مستعدا لحلول الأجل وأن يكثر من ذكر الموت على الدوام فإن ذلك هو الذي يدفع الانسان الى الاجتهاد في العمل الصالح وانتهاز فرصة الحياة قبل أن تطوي صحائف الأعمال واذا علم ذلك دفعه الى الاجتهاد في العمل وانتهاز الفرص قبل ان تطوى صحائف الاعمال·

أمل علي

اقرأ أيضا