صحيفة الاتحاد

الإمارات

ذاكرة الوطن.. "عابرو الربع الخالي"

مرافقو مبارك بن لندن يتكلمون...

ريم البريكي:

حين أراد السير ويلفرد ثيسجر اكتشاف جزيرة العرب لم يدر بخلده في ذلك الوقت أنه يخلد تاريخاً عظيماً لمنطقة غاصت في غموض غير متناه عرفت بصحراء الربع الخالي، كما لم يدرك وقتها أنه يخلف وراء رحلته تلك جبالا من الأسئلة تدور محاورها حول نوعية تلك الرحلة، وعدد أفرادها، والكثير الكثير من التفاصيل الدقيقة لمسيرتها·
الصحفية هويدا عطا كانت واحدة من الأشخاص الذين شغلهم الفضول حباً لمتابعة تلك التفاصيل، فقد سعت بعد وفاة مبارك لندن للقاء مرافقيه وأخذ شهادات حية حول تلك الفترة المنقضية من أعمارهم، فعمدت عبر كتابها ''عابرو الربع الخالي···مرافقو مبارك بن لندن يتكلمون'' إلى سبر أغوار أسرار الغموض، من خلال ما رواه مرافقو بن لندن عن رحلتهم الشهيرة·
بنظرة في الكتاب نجد أن الكاتبة اعتمدت في تدوينها للمعلومات على المنهج التاريخي، من خلال السرد للتواريخ والإبحار بذاكرة المرافقين الأربعة·
كما اعتمدت على الأسلوب القصصي في تقديمها للمادة التاريخية، فقد أوردت قصصاً على لسان أصدقاء أبن لندن تعرض لأول مرة·
وقد سارت الكاتبة في خط واضح في سرد تلك الحقائق، فهي تورد الكثير من التفاصيل الدقيقة حول حياة المرافقين، وحياة ابن لندن نفسه، وجعلت من شخصية مبارك بن لندن الشخصية المحورية التي من خلالها تناولت تفاصيل وحكايات تروى عن الرفقاء، كما استشهدت الكاتبة بالكثير من أقوال مبارك بن لندن في أكثر من سؤال وجهته للمرافقين·
عمدت الكاتبة لمبدأ توثيق المعلومات للرحلة المكوكية عبر الصور التي التقطها الرحالة بن لندن ورفاقه لصحراء الربع الخالي والتي ضمنها مبارك بن لندن في كتابه ''الرمال العربية''، وتظهر أبطال الرحلة بعدسة ابن لندن وأعمارهم لا تتجاوز الثلاثة عشر والسبعة عشر سنة، كما تصور جوانب من يومياتهم في الصحراء، وعلاقة الود والصداقة التي ربطت مبارك بن لندن بمرافقيه، ولم تكتف بتلك الصور بل عمدت إلى تصوير أبطال كتابها مع أبنائهم وأحفادهم·
كما قدمت الكاتبة وصفاً دقيقاً للحياة العربية في تلك الفترة التي اتسمت بقسوة الحياة وصعوبة العيش، كما تطرقت لعدد من القيم العربية والعادات والصراعات القبلية التي كانت سائدة في الصحراء·
لقد تناولت الكاتبة من ألسنة المرافقين الكثير من القصص التي تصف ذكاء ودهاء ابن لندن في معرفة إخلاص رفقائه حيث تورد على لسان ابن كبينة أصعب المواقف التي قابلتهم في صحراء الربع الخالي حيث يقول: ذات مرة هاجمنا ثمانية عشر رجلاً مدة يومين، ولكننا استطعنا أن نقاومهم بأسلحتنا حتى وصلنا إلى حدود السعودية فتركونا، وآخرون طاردونا مدة ثلاثة أيام في جو من الرعب والقسوة، ولكن- الحمد لله- استطعنا أن ننتصر لنكمل رحلتنا· ويضيف بن كبينة في يوم ذهبت لألقي تحية الصباح على ابن لندن وأعطيه الشاي ليشربه وكان نائما فناديته فلم ينطق فرفعت يده فلم يتحرك فقلت إن رفيقنا مات، وصدمت فقال الرفاق ماذا نفعل الآن؟ فربما اعتقد الناس أننا ذبحناه فأرادوا أن ندفنه تحت الرمال وأن نعود بالأغراض الخاصة به إلى صاحب السمو الشيخ زايد لكنني قلت: نحمله ونشهد عليه الناس أننا لم نقم بإيذائه، فلما سمعنا ورأى حيرتنا وخوفنا عليه صاح قائلا: لقد نمت نوماً عميقاً، وفيما بعد عرفنا أنها حيلة منه ليختبرنا ويعرف إذا كنا مخلصين له في الحياة والموت أم لا· ويضم الكتاب الكثير من المغامرات المثيرة والمواقف الطريفة التي مر بها الرحالة برفقة أصدقائه مع البدو، وهو غني أيضا بالمعلومات القيمة عن المنطقة خلال فترة الأربعينات من القرن الماضي·