صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

وصفة سباعية.. للشباب الدائم

صلاح الحفناوي:

من منا لا يحلم بالشباب الدائم، بالصحة والعافية حتى آخر العمر، بربيع دائم لا يعرف الخريف الذي تتساقط فيه أوراق الصحة؟·· هذا الحلم القديم قدم الإنسان لم يتحقق أبدا إلا للقليلين جدا· ومنذ بدأ فلاسفة الطب اليوناني القديم البحث عن أكسير الشفاء الدائم، إلى الآن، لم تتوقف المحاولات لاكتشاف أسباب الشيخوخة ومحاولة ترويضها ليعيش الإنسان حتى يومه الأخير على الأرض متمتعا بالصحة والعافية، لا تهاجمه التهابات المفاصل ومتاعب العيون ومشاكل الذاكرة وضعف القوى وانهيار الصحة·· فهل اقترب العلماء من تحقيق هذا الحلم؟·
''الانسان أصبح يعيش أطول ويموت مبكرا··!''·· هذه العبارة الحافلة بالتناقض، تكررت على ألسنة عدد كبير من الأطباء المتميزين في مختلف التخصصات الطبية والذين حاورتهم طوال سنوات عديدة·· فمتوسط عمر الإنسان ارتفع كثيرا خلال العقود القليلة الماضية، وربما تضاعف خلال القرن الماضي·· وأصبح متوسط عمر المرأة يقترب من السبعين فيما متوسط عمر الرجل يتجاوز الستين، وفي المقابل زادت معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة: السكري وارتفاع ضغط الدم والروماتيزم ومتاعب القلب وتصلب الشرايين وغيرها الكثير· الإنسان المعاصر ''أصبح يعيش طويلا·· ولكن عليلا معظم الوقت''، وهو ما يؤكده الأستاذ الدكتور إيهاب رياض استشاري المسالك البولية والتناسلية وطب الذكورة بأبوظبي، عندما يشير الى أن عمر الانسان الحقيقي هو عدد السنوات التي يتمتع خلالها بالصحة والعافية ويمارس حياته الطبيعية·· وبهذا المقياس فإن عمر الانسان طال جدا في عدد السنوات وقصر جدا جدا في مستوى الصحة·
يضيف: لو تأملنا معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة سنكتشف أن عدد المرضى يفوق عدد الأصحاء على الأرض، وان الشيخوخة المبكرة والتي تعني تراجع القدرات العضوية والذهنية أصبحت أكثر انتشارا مما نتصور·· وكل ما استطاع العلماء التوصل إليه حتى الآن هو معرفة بعض العوامل التي تساعد على ظهور الشيخوخة المبكرة أو زحف الأمراض على الجسم مع التقدم في العمر·· ومنها على سبيل المثال التدخين والتلوث البيئي والسلوك الغذائي·· وبالتالي تحديد بعض الاجراءت الوقائية التي تساعد على الاحتفاظ بالصحة وتجنب أعراض الشيخوخة المبكرة·
وعلى سبيل المثال فقد توصل فريق من العلماء الأميركيين إلى أن الأغذية ذات السعرات الحرارية القليلة تطيل العمر وتقلل التغيرات الوراثية التي تحدث في مراحل الشيخوخة· وأوضح الباحثون في جامعة ويسكونسن ماديسون الأميركية أنه كلما تقدم الإنسان في السن تقل قدرة جسمه على إصلاح التلف المترتب على تراكم المواد والمركبات السامة، مثل جزيئات الشوارد الحرة عالية النشاط التي تنتج أثناء عمليات الأكسدة الكيميائية في الخلايا، لذلك فإن تحديد السعرات الحرارية المتناولة، وتناول مستويات طبيعية ومتوازنة من العناصر الغذائية يبطئ إنتاج هذه السموم وبالتالي يؤخر عمليات الشيخوخة·
الباحثون أشاروا في ملخص الدراسة الذي نشرته مجلة ''العلوم'' المتخصصة إلى أن بعض المورثات الجينية قد تكون المسؤولة عن إزالة السموم من الجسم قبل أن تسبب الكثير من التلف، معربين عن اعتقادهم بأن تقليل السعرات يؤخر بوادر الشيخوخة بالتدخل في طريقة تشغيل الجينات أو تثبيطها عند تقدم الإنسان في السن·
الدراسة تضمنت قياس التغيرات في مستويات النشاط لعدد 3400 جين وراثي في فئران مختبرية تم إطعامها أغذية قليلة السعرات، ولاحظ العلماء العلاقة بين النظام الغذائي المتوازن وبين تنشيط الآلية الطبيعية لمقاومة أعراض الشيخوخة·
وكانت دراسات مختبرية سابقة على الفئران قد أظهرت أن تحديد السعرات الحرارية التي يتم تناولها مع الطعام بحيث يحتوي الغذاء على كميات أقل من السعرات بحوالي 30% ومستويات طبيعية من العناصر الغذائية، يطيل مدة حياة الحيوانات بشكل كبير من خلال وقايته من الكثير من الأمراض التي تؤثر على الصحة العامة وتعجل بأعراض الشيخوخة·
ولاحظ توماس بروللا أستاذ علوم الوراثة والجينات، والدكتور ريتشارد ويندراش أستاذ الطب في جامعة ويسكونسن ماديسون، أن حوالي 2 بالمائة من الجينات التي خضعت للدراسة، تتأثر بالشيخوخة، وهذه الجينات تؤثر في استجابة الجسم للأحداث المرتبطة بالشيخوخة كالتوتر وإصلاح الأنسجة وإنتاج الطاقة·
وفي كلية هارفارد الطبية أكد الباحثون أن العمر من الناحية الطبية يرتبط بالقرارات والخيارات الشخصية للإنسان· فقد وجد المشرفون على دراسة طويلة جدا بدأت عام 1940 تابعوا فيها الصحة البدنية والعقلية لحوالي 724 رجلا على مدى ستين عاما ـ وهي أطول دراسة في العالم تتعلق بالصحة البدنية والذهنية ـ أن هناك سبعة عوامل تنبئ بشيخوخة سليمة، وتشمل الابتعاد عن شرب الكحول والتدخين، والزواج المستقر، والرياضة، والمحافظة على وزن الجسم المثالي، وممارسة الاسترخاء والتحمل وعدم الإصابة بالكآبة·
وبينت الفحوصات البدنية التي أجراها الباحثون بشكل دوري ومنتظم كل خمس سنوات على المتطوعين والاختبارات النفسية التي أجريت كل سنتين، أن الاكتئاب هو العامل الوحيد الذي أثر في نوعية الحياة في مراحل الشيخوخة من دون أن يكون للفرد يد فيه·
ولاحظ الباحثون في الدراسة التي نشرتها المجلة الأميركية للطب النفسي أن مستوى التعليم والثقافة والانخراط في الحياة الاجتماعية والعملية ـ وليس المال أو الطبقة الاجتماعية ـ هو من يلعب دورا أيضا في طول العمر·
وأكد باحثون مختصون، أن اتباع أنماط الحياة الصحية قد يساعد على تأخير زحف الشيخوخة وتقليل مخاطر الإصابة بالأمراض المصاحبة لها·
وقدم الباحثون عددا من النصائح والإرشادات التي تساعد على المحافظة على الشباب والصحة، وأهمها ممارسة الرياضة وتمرينات القوة والشد لمدة نصف ساعة يوميا على الأقل، والحصول على قسط وافر من النوم الليلي المريح وتجنب السهر، إضافة إلى تناول كميات كبيرة من الأطعمة المضادة للأكسدة وأهمها الخضراوات والفواكه·
وينصح العلماء بالمحافظة على رطوبة الجسم من خلال شرب كميات كبيرة من الماء والسوائل والمرطبات والعصائر وتناول الثمار الغنية بالماء، إلى جانب الاهتمام بالبشرة والعناية بها باستخدام واقيات الشمس·
ويرى العلماء ـ والكلام لا يزال للدكتور إيهاب رياض ـ أن اللياقة البدنية والذهنية ضرورة لابد منها للمحافظة على نضارة الجسم والعقل، وينصحون بممارسة تقنيات الاسترخاء والتأمل التي تخفف من التوتر والضغط العصبي وتريح التفكير وتملأ الفؤاد بالثقة والتفاؤل، فضلا عن بناء علاقات اجتماعية جيدة وصداقات قريبة، وتبني نظرة إيجابية للحياة وأخلاقيات مثالية، والابتعاد عن التشاؤم والسلوكيات السلبية·