الاتحاد

عربي ودولي

المسلمون وأميركا.. جدل التاريخ والمصير

خالد عمر بن ققه:

ترى من الذي تمكّن من سحب الآخر إلى عالمه، نحن ـ المسلمين عموما ـ أم أميركا؟··هذا السؤال يمثل مدخلا سياسيا وعسكريا، وإجابته، إن توفرت، تعني الحسم· فعالمنا يمتد بعيدا في الماضي لجهة التأكيد على الانتماء لحضارة سادت ولرجال صنعوا التاريخ وأثروا في أحداثه الكبرى، ويركّز على حاضر يعتقد الفاعلون فيه أن إعادة التجربة خارج سياقها التاريخي سواء من ناحية الرفض أو الاستلام ممكنة، ما يعني أننا قبل الخصومة مع أميركا وبعدها أو حتى الحوار معها، فريقان متخاصمان، يسيران على خطين متوازين لا يلتقيان أبدا·
التصور السابق ينتهي بنا إلى القول: إن عالمنا الخاص،على ما فيه من تناقضات، قائم على حرب الوجود حتى لو اتخذ ذلك طابعا دينيا، فجدل التاريخ مع أميركا سواء بحربها الضروس في العراق أو بدعمها المتواصل لإسرائيل، أو بتدخلها المرئي وغير المرئي في شؤون المسلمين أو حتى بحربها القادمة والمتوقعة قريبا مع إيران دفع بنا -وسيكون أكثر وضوحا في المستقبل- إلى استحضار أمجاد الماضي للتقليل من انكسارات الحاضر، وهاهي أميركا تنجذب إلى عالمنا، عالم العنف، لكن هل يكفي هذا التحليل للفصل في العلاقة بيننا وبين الولايات المتحدة المصحوبة بالقوّة ؟
من الصعوبة بمكان اعتبار رؤى الرافضين لنمط العلاقة الحالية مع أميركا في الوقت الراهن أو المؤيدين لها ، قضية مسلم بها، لأن المتحكم فيها هي اللحظة الراهنة وليس التاريخ بكل أبعاده ، فالرافضون للعلاقة يرون أميركا من زاوية ممارستها الراهنة في المنطقة، وبالطبع هي أكثر وضوحا في العراق، وهذا يعني الوجه القبيح لأميركا الدولة وكثير من المؤسسات الفاعلة والمؤثرة على صناعة القرار، وقد نتج عن هذا نوع من المقاومة التي تراهن على أمرين: الأول عامل الوقت، والثاني: حجم الخسائر البشرية لجهة عدم قدرة أميركا على تقديم مزيد من الضحايا·
التأسيس ··والفخ
إذن أميركا سحبتنا إلى عالم الحرب والعنف المؤسس، على قناعة مسبقة من أنها ستكسب الحرب، خصوصا بعد سقوط النظام الحاكم في العراق، غير أنها لم تنج من تبعاتها من ناحية استعمال القوة، فطالت أيام الحرب، وزادت مساحة العنف، ووقعت في فخ الجماعات الرافضة لمشروعها في المنطقة، ولم تقع هذه الأخيرة في مصيدة العراق، بدليل أنها حرّكت عناصر عراقية وقليلا جدا من جنسيات أخرى يمثلون مشاركة رمزية، وهكذا تحولت المسألة من مواجهة العنف خارج الأراضي الأميركية إلى صوت يعلو يوميا في واشنطن ونيويورك يحرّك الشارع ويعيد إلى الأذهان مشاهد حرب فيتنام وأحداث الحادي عشر من سبتمبر·· هنا يبدو المصير المشترك بين المسلمين وأميركا بعيدا عن الجدل الحضاري للتاريخ وبين الأمم، وقريبا جدا من العنف المتبادل، بغض النظر عن الخاسر الأكبر في ما يمكن أن نطلق عليه عنف المصير·
الحديث عن العنف المتبادل، شمل كل المجالات، حتى أن بعض المنظرين من الطرفين اهتم بأزمنة نشوء الدول والأفكار، وأسّسّ على ذلك ـ حقا أو باطلا موقفا برّر فيه الحرب مثلما أجاز كل الوسائل لكسبها حتى لو كانت بعيدة عن مقاصد الحرب وأهدافها، لذلك قد لا يبدو بعيدا استعمال السلاح النووي في المستقبل لكسب المعركة، وقد سبق لأميركا أن استعملته ضد اليابان، وكادت أن تكرر التجربة مرة أخرى في حرب فيتنام، مثلما يمكن لبعض المسلمين سواء على مستوى الدول أو على مستوى الجماعات استعمال السلاح النووي إن توفر لديهم·
من ناحية أخرى فإن المسلمين أيضا سحبوا أميركا إلى منطقتهم إما لوجود الخيرات، أو لطبيعة التعدي على الحقوق، فالذي تمارسه أميركا، حاليا خارج قوانين الحرب، إما بتكليف بعض الأنظمة للقيام بدورها لمعاقبة من تراهم أعداءها، أو قيامها بشكل مباشر من خلال أجهزتها في معتقل ''غونتانامو'' والسجون العراقية، يكشف دخولها إلى العالم التي قامت بالحرب من أجل تغييره كما تدعي، ويبدو أن طبيعة عالمنا قد استهوتها مادامت بعيدة على المساس بالحريات المباشرة للأميركيين·· الأمر الذي جعل كثيرا من المراقين والباحثين يركزون اهتمامهم على تأثير الحرب لجهة كسبها على الموقف العام للدول، سواء من ناحية صناعة القرار، أو لجهة التفاعل معه، بما يتناقض مع القيم التي تؤمن بها المجتمعات الديمقراطية·
العمر الإيماني
شدّ وجذب متبادل بيننا وبين أميركا، وكلانا خاسر في الحرب الراهنة وفي الحروب السابقة والأخرى اللاحقة، ومشاركة واسعة النطاق في العنف المتبادل، لهذا لن تكون العلاقة سوية، وستنتهي بنا إلى الدمار والفناء على المستويين المادي والبشري، لكن نحن أطول خلق الله عمرا من الناحية الإيمانية، الأمر الذي علينا أن ندركه وعلى أميركا أن تدركه أيضا·
ليس لصالحنا في علاقات البشر أن تغيب أميركا من الوجود، وإنما نحن في حاجة إلى علاقة سوية تحدد دور كل أمة ودورها في صناعة التاريخ، ولهذا كلّه يرى بعض المهتمين أن لا خوف من المستقبل، على ما يلوح في الأفق من عواصف ستقتلع جذور كثير من الذين قذفت بهم الحياة خارج المجال الإيماني، لكن القلق من طول الطريق ومشقته· وبالنسبة لانتصار أمتنا في حرب القيم وحرب الخيرات، فإنه قادم لا محالة بعزيز أو ذل ذليل، وبالعودة إلى التاريخ ندرك صواب الفكرة السابقة، والبداية نراها الآن من قراءة قادة الإدارة الأميركية لتاريخ الثورات العربية، مع اختلاف الظروف والمعطيات·
عمليا فإن الاعتقاد السابق ليس ضربا من الخيال، لأن هناك فئة منّا تقاوم على أكثر من صعيد، قد نحسبها خارجة على القانون اليوم،· يحاربها بعضنا و يطاردها آخرون في كل مكان، ورغم هذا نراها ثابتة على الحق وغير مكترثة ، لأنها تدرك تأييدها له في المستقبل حين تعود جدلية التاريخ ويختفي العنف المسلح، ويحل الحوار بيننا وبين أميركا في مرحلة قادمة تتغير فيها أفعالنا وأفعالهم ونظرتنا المشتركة للحياة، لحظتها سيتأكد لنا جميعا أن توتر العلاقات والكراهية والعنف، حالات نابعة من الخوف والبحث عن عدو وهمي وأيضا من واجبات الدفاع ··إنه أمل يراه غيرنا بعيدا بل ومستحيلا، وأراه قريبا وممكنا، ،وإلى أن يحدث ذلك سيظل عنف المصير يدفعنا نحو مزيد من الدماء·

اقرأ أيضا

زعيم المعارضة الفنزويلية يعلن انتهاء الحوار مع الحكومة