صحيفة الاتحاد

دنيا

إلهام عبدالهادي.. بائعة كتب عجوز تعمل 16 ساعة يومياً

ماجدة محيي الدين (القاهرة)

أصبحت أحد معالم الطريق إلى جامعة القاهرة، تعمل 16 ساعة متواصلة يومياً فهي لا تغادر مكانها ليلاً أو نهاراً، تجلس بكل وقار على الرصيف تبيع الكتب، وعندما تقترب منها تكتشف ملامحها الرقيقة، وبشرتها التي لفحتها الشمس وأكسبتها اللون الجذاب. طريقتها في الحديث تثير الإعجاب، شفتاها تفيضان بالحكمة والثقة والقوة، إنها إلهام عبدالهادي، العجوز التي يفتخر بها أبناؤها وأحفادها ويستلهمون من كفاحها وصبرها ما يدفعهم إلى مواجهة المصاعب والتحديات.
وعن سر إقامتها الدائمة على الرصيف، قالت إلهام «اخترت الإقامة هنا أمام الجامعة منذ نحو سبع سنوات منذ وفاة ابني بسام، كنت أعيش في شقة بسيطة أرعى أولادي وأربيهم لكن أصيب ابني بمرض قبل وفاته بثلاث سنوات، وخلال رحلة علاجه أنفقت كل ما لدينا، حتى لم يعد لدي ما أبيعه سوى «عباية» كانت هدية جاءتني في عيد الأم، لأن علاجه كان يحتاج إلى أكياس دم، وعندما أحضرت ثمن الدم كان قد فارق الحياة، فقررت العمل في أي شيء لأتابع مهمته، ولأنني أحب القراءة قررت بيع الكتب حتى لا يتعرض أحد لمحنة ولا أستطيع إنقاذه».
وأضافت: «عوضني ربي في أحفادي أبناء بسام، أحبهم أكثر من أولادي، فقررت أن أنزل الشارع وأعمل وأكافح لكي يتعلموا، ويصبحوا أشخاصاً مهمين، وأنا أعيش على أمل أن يتخرجوا مهندسين أو أطباء، وهذا ما يجعلني أتحمل حر الصيف وبرد الشتاء»، مؤكدة أنها لا تحب أن تأخذ مساعدة من أحد، ولم تلجأ إلا إلى الله سبحانه وتعالى، وهو يعينها ويحقق لها ما تريد.
وذكرت: «رفضت حتى مساعدة مشيخة الأزهر، وقلت لهم أنا أحسن من غيري، والحمد لله أنني بصحتي وعافيتي، وهناك أشخاص أوضاعهم أصعب وعاجزون عن تلبية احتياجات أبنائهم».
وأضافت: «ليس لدي مال، لكني أعتبر نفسي أغنى واحدة في الدنيا لأنني راضية بما يكتبه الله»، لافتة إلى أن «الرضا يغني النفس ويرفعها عن المسألة، وعيبنا أننا لا نرضى بقضاء الله، حتى اللص الذي يسرق لو صبر على قضاء الله، سيأتيه رزقه حلالاً».
ويظهر من كلام إلهام أنها مثقفة ومتفقهة في الدين، إلى ذلك، أوضحت: «أنا حاصلة على دبلوم من الأزهر في الفقه والشريعة عام 1963، وكنت أتمنى أن أكمل دراستي بالكلية، وأصبح أستاذة جامعية في الفقه والشريعة، لكنني من أسرة بسيطة وأهلي لم يتحملوا مصاريف تعليمي، فتزوجت وأنجبت لكني بقيت محبة للقراءة والثقافة والتعمق في الدين أكثر، وعندما بدأت القراءة في كتب الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، شعرت بسعادة كبيرة، وعشت مع كتبه وكأنه يأخذني إلى أول الطريق إلى الله ومن خلال قراءتي تعلمت كيف أقضي وقتي لله، وكيف أشكو إليه، ولا أسأل عبداً، وإنما أقف على باب الله وأستعين به سبحانه وتعالى في كل شؤوني».
وحول كيفية تحملها تقلبات الجو بين بارد وحار، مع أنها تجاوزت السبعين من عمرها، قالت إلهام: «عمري 74 عاماً والله يرزقني بالقدرة على الاحتمال عندما أتعب».
وحول تعرضها لأي مشكلة بسبب إقامتها على الرصيف، أكدت أنها تعرضت للكثير من الصعوبات، إلا أن ثقتها بالله أنقذتها، موضحة أنه قبض عليها مرة بسبب وضعها بسطة على الطريق، إلا أن ضابط شرطة، عندما عرف كفاحها وقصتها أطلق سراحها، وأصبح مواظباً على الاطمئنان إليها.
وحول فلسفتها في تجاوز قسوة الحياة، قالت «كلما احتجت شيئا أسجد لله وأطلبه منه تعالى، فيقضيه لي، وأنا واثقة بأن الرحمن الرحيم يصيبنا بالابتلاء ويرسل إلينا القدرة على احتماله، ويكفيني أن عندي قوت يومي، وأساعد أحفادي على أن يصبحوا أناساً صالحين»، مشيرة إلى أن ثلاثتهم يمارسون رياضات السباحة والكونج فو والكاراتيه في النادي إلى جانب دراستهم.
وبنبرة اعتزاز ذكرت: «أحد أحفادي يحفظ القرآن الكريم بالترتيل، والمدرسة منحته جائزة مالية، فيما ادخرت له أنا مالاً لأشتري له جهاز كمبيوتر محمول لأشجعه».