صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

هو وهي عندما تغيب الأسماء والملامح

الممثلة أنيسة داود

الممثلة أنيسة داود

هي وهو عنوان أول فيلم روائي طويل للمخرج التونسي الشاب الياس بكار، يصور فيه قصة طالب شاب يعاني الإحباط، انغلق على نفسه بين كتبه وأوراقه، واختار أن يعيش منعزلاً في شقة صغيرة كئيبة، تعمها الفوضى والعتمة، كل أثاثها قديم ومبعثر، يأكل ما يسدّ الرمق، وينام· انقطع طيلة أشهرعن العالم الخارجي، رافضاً مواجهة الحياة والواقع، مفضّلاً البقاء منفرداً، محطماً، مسلوب الإرادة في مكان ضيق، بلا تلفزيون، ولا هاتف، ولا كمبيوتر، وحتى الراديو أصابه عطب·

وفي ليلة شتاء باردة، عاصفة وممطرة تدق على باب شقته في ساعة متاخرة فتاة جميلة من دون سابق إعلام، وتبدو أنها تعرفه، وبالرغم من أنه رفض قبولها، ولم يرغب في الالتقاء بها والحديث إليها، لكنها أصرّت على الدخول إلى بيته، ونجحت في أن تقتحم عليه عزلته محاولة إنقاذه، بالإغراء حيناً وبالقوة وحتى الإهانة، حيناً آخر، لإعادته إلى الواقع، ودفعه ليكون إيجابياً قادراً على الاختيار، ولكنها فشلت وخرجت منهزمة·
ترى الممثلة أنيسة داود التي تجسد دور ''هي'' في الشريط: ''ان البطل أراد أن يدفن نفسه حياً، وهو يعتقد أن وحدته ليست مدمرة، بل هو اختارها بسبب ما تعرض له من اضطهاد اجتماعي، وقد حاولت الفتاة أن تتواصل معه عبر الحوار الفكري ولكن دون جدوى''·
الحب لم يكن كافياً
رغم أن المتفرج يشعر بأن الحب بين الشاب والفتاة موجود، ولكنه لم يكن كافياً لإخراج الرجل من عزلته· كما أن الصداقة غائبة في الفيلم، فالبطل لا أصدقاء له، ولما سئل الممثل محمد علي جمعة الذي جسد دور ''هو'' عن رأيه في سبب عدم وجود صديق له في سيناريو الفيلم، أجاب بأن ذلك أمر مقصود لأنه لم يعد في عصرنا هذا صداقات حقيقية، وان الصداقة، حتى وإن وجدت، فهي مثل علب المواد الاستهلاكية محدودة المدة ومرتبطة بتاريخ الصلاحية·
ضوء في العتمة
الفيلم الذي خرج للعرض في تونس هذه الأيام، ويشارك خلال الشهر الحالي في الدورة الأولى لمهرجان أفلام المرأة بالقاهرة، مختلف عن الأفلام التجارية، فهو يدوركله في شقة مغلقة، لا وجود فيه لحكاية أو لأحداث متسلسلة، وإنما الشريط بأكمله عبارة عن حوار دسم وثري بين امرأة ورجل، وهو حوار يقطع مع المعهود في السينما وينزع إلى التجرد في عالم مملوء بالحيرة والتساؤلات عن الوجود والحب والحياة والموت، في إيقاع بطيء، بين كلمة تولّد أخرى، وفكرة تجلب فكرة ثانية، وأسئلة كثيرة وأجوبة تولد انفعالات لدى الشاب العاجز عن اتخاذ أي قرار·
الجمل والمعاني الواردة في الحوار، بل وحتى الصمت، كل ذلك رسائل رمزية تدور حول مسألة البحث عن الذات التائهة بين الموجود والمنشود، وكل لقطة وكل كلمة وكل إيحاء يحمل رمزاً، فالشريط مكتنز بالرموز والمشاعرفي رحلة داخلية داخل الذات، ورغم قتامة الفيلم فإن بعض النقاد وجدوا فيه ومضات يشرق فيها الأمل والضوء من خلال العتمة، وفي هذا السياق يفسر المخرج رفض الشاب بطل الشريط للحقيقة والواقع، بأنه ليس استسلاماً بل صراعاً·
الشريط، كما يرى ذلك بعض النقاد السينمائيين، يصورفي بعده الرمزي الحالة التي وصل إليها العرب من عجز ويأس ورغبة في الموت وجلد الذات، والمخرج نفسه فسر منطلقات شريطه، مؤكداً أنه لا يمكن معالجة المشكل الجماعي إلا انطلاقاً من معالجة ذواتنا، لأن الفرد جزء من المجموعة·
سينما ذهنية
الشاب في الفيلم بلا اسم، ومن دون هوية، ويرمز إليه بـ''هو''، وكذلك الفتاة فهي أيضاً بلا اسم وبلا هوية، وتكنى بـ''هي''، وهناك إشارة عابرة تدل على أنها طالبة جزائرية جاءت إلى تونس للدراسة· يقول المخرج الياس بكار إن الشاب يمكن اعتباره فكرة أكثر منه شخصاً، وان الحوار في الفيلم يخاطب المتفرج، وتذهب الممثلة أنيسة داود، بطلة الفيلم، إلى القول إنه يمكن تخيل أنه لا وجود لامرأة في الحقيقة دخلت إلى شقة الشاب، وان الحوار الذي يدور بينهما يمكن أن يكون حواراً بين الإنسان ونفسه، وانّ ''هي'' كانت مجرد خيال وسراب، وربما'' هي''، تمثل الجانب الأنثوي في الرجل·
وهناك قراءة للفيلم تصنفه ضمن ''السينما الذهنية''، على غرار المسرح الذهني عند توفيق الحكيم في مسرحياته ''بيغماليون'' و''أهل الكهف'' وغيرها، ولما سئل المخرج إن كان تأثر بمسرحية ''شهرزاد'' للحكيم، أجاب بأنه لم يطالعها، ولكنه يعترف بأنه متأثر بمسرح ''بيكات'' وبأفلام تاراكوفسكي·
مشهد
الجمهور الذي شاهد الفيلم كان منقسماً بين معجب وغير راضٍ، ويعترف المخرج أن صورة الشاب كما ظهرت في الفيلم لم يتقبلها الرجال في بعض البلدان العربية، التي عرض الشريط في مهرجاناتها، وانتقدوا تصوير الرجل العربي ضعيفاً مستسلماً، ولم يتقبلوا المشهد الذي ظهر فيه البطل يمشي على يديه ورجليه كحصان والفتاة تمتطي ظهره وتسوقه ليتقدم إلى الأمام، ويقول الممثل الشاب محمد علي بن جمعة إن شخصية ''هو'' في الفيلم لم يكن تجسيدها سهلاً، نظراً لجرأة بعض المشاهد التي قد تثير الدهشة والاستغراب، وربما حتى الاستهجان·
كما أشارت الممثلة أنيسة داود إلى أن ليس مصادفة أن تكون''هي'' سابقة في عنوان الفيلم لـ''هو'' لأن المرأة في الشريط هي التي سعت إلى دفع الرجل نحو الانعتاق من القيد المعنوي الذي كان مكبلاً به· وعملت على إنقاذه من عزلته ويأسه، وتغذية الأمل لديه ليتحرر من سلبيته، وتكون له القدرة على الاختيار ومواجهة الواقع·