الاتحاد

تقارير

إيطاليا... وصعود «حركة جريلو» إلى الواجهة

إيطاليا... وصعود «حركة جريلو» إلى الواجهة

إيطاليا... وصعود «حركة جريلو» إلى الواجهة

أنتوني فيول
إيطاليا


رغم أنه يبدو شخصية سينمائية أكثر منها رمزاً سياسياً وحرصه على طمأنته الإيطاليين بأنه لا يوجد ما يخيف في شخصيته الفكاهية، فإن ذلك لم يمنع أوروبا كلها من إبداء توجسها من الزلزال السياسي الذي يهدد به ما بات يعرف في إيطاليا بظاهرة السياسي بيبي جريلو.
ولمعرفة سبب هذا الخوف ما علينا سوى الاستماع إلى الخطاب الأخير للممثل الكوميدي الذي تحول إلى سياسي إيطالي بمدينة بارما التاريخية التي تحولت اليوم إلى القلب النابض لما يعرف بـ"ثورة جريلو" لدى الإيطاليين، فبعد أربعة أشهر على اكتساح حركته للساحة السياسية الإيطالية وارتقائه في الشأن العام الإيطالي، وقف "جريلو" وسط المدينة، بعد تحقيقه لانتصارات انتخابية، ملقياً خطبة عصماء هاجم فيها القوى الساعية إلى تدمير المجتمع الإيطالي حسب قوله. وهكذا وفي بلد يتوقف على انتخاباته القادمة مستقبل اليورو وصف السياسي الإيطالي كلاً من ألمانيا وفرنسا بالرغبة في التحكم في رقاب الإيطاليين محملاً إياهما مسؤولية النزيف الإيطالي، حيث دعا إلى استفتاء عام على الاستمرار في "اليورو"، مقترحاً على روما اتباع خطوات دول مثل الأرجنتين والإكوادور اللتين علقتا دفع مستحقاتهما من الديون الوطنية إلى الجهات الدائنة، كما اتهم رئيس الوزراء الإيطالي المؤقت "ماريو مونتي"، الذي رحبت به الدول الأوروبية لفرضه إصلاحات اقتصادية، بتحويل البلاد إلى جثة هامدة.
استطلاعات الرأي التي أُجريت العام الماضي منحت "حركة جريلو" 4 في المئة فقط من نسبة التأييد لدى الإيطاليين، إلا أنه ومع مرور الوقت بدأت الحركة تزحف على الساحة السياسية لملء الفراغ الموجود مع تأكيد العديد من استطلاعات الرأي الأخيرة أن واحداً من كل خمسة إيطاليين يؤيد الحركة، ما يجعلها تحتل المرتبة الثالثة بعد الحزبين السياسيين الأساسيين في إيطاليا.
ويعمد "جريلو" على الترويج إلى حركته وثورته غير المسبوقة في إيطاليا انطلاقاً من الساحات والميادين العامة في المدن، وإذا كان الشبه قائماً بينه وبين زعيم إيطالي آخر هو موسوليني، إلا أنه يرفض المقارنة، لتصبح حركته، ذات الميول اليسارية والمناهضة للفساد، أشبه بحركة الناشط الأميركي "مايكل مور" منها بالحركات اليمينية المتطرفة.
وفي هذا السياق يوضح "جريلو" هذا الأمر قائلاً: "يصفونني بالشعبوي، بل حتى بالنازي، لكنهم لا يفهمون ما أمثله، فرغم أننا نملأ الفراغ الذي ملأته النازية، أو الجبهة الوطنية الفرنسية من قبلنا، فإننا لا نشبههم في شيء، فنحن حركة معتدلة، بل نحن الحاجز الوحيد المتبقي بين إيطاليا والتطرف".
وأينما وليت وجهك تطالع قوى سياسية غير تقليدية استطاعت التجذر في المجتمع الأوروبي، ففي شوارع اليونان المفلسة صعدت منظمة "الفجر الذهبي" الأشبه بالميليشيات اليمينية التي تهدد المهاجرين والأقليات. أما في النمسا، فقد حصل الملياردير "فرانك ستروناتش" المناهض لليورو على نسبة دعم وصلت إلى 10 في المئة حسب استطلاعات الرأي، كما حققت الأحزاب "اليمينية" خلال السنة الماضية في كل من فرنسا وفنلندا على نتائج مهمة في الاستحقاقات الانتخابية، لكن الأمر بالنسبة لحركة "جريلو" مختلف شيئاً ما عن الأحزاب "اليمينية" الأوروبية، كما أنها بعيدة جداً عن ماضي إيطاليا الفاشي.
بدأت الحركة في أواسط العقد الأول من الألفية الثالثة كمجموعة من المواطنين المرتبطين فيما بينهم من خلال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.
ففي بلد مثل إيطاليا يرى فيها الخبراء، خلافاً لليونان، أنها أكبر من أن تترك للفشل والسقوط، شكل تعيين "مونتي" في العام الماضي كرئيس للوزراء ضمن الإجراءات المستعجلة التي اتخذتها إيطاليا لتطمين المستثمرين، وخلافة رئيس الوزراء المثير سيلفيو برلسكوني، الورقة الرابحة الأخيرة المتبقية لإيطاليا، إذ في الوقت الذي كانت تواجه فيه البلاد مصيراً قاتماً بسبب أزمة الديون جاء "مونتي" ليدفع بإجراءات تقشف صارمة، أرضت الأوروبيين، وهدأت روع المستثمرين.
وفيما يبدو أن أوروبا بدأت تسيطر نسبياً على الأزمة المالية المستمرة منذ ثلاث سنوات، فإن الإيطاليين قد يفتحوا فصلاً جديداً في السياسة الأوروبية خلال الانتخابات القادمة في حال صعود "حركة جريلو"، كرقم صعب في معادلة السلطة، فالإيطاليون يتوجهون على ما يبدو إلى نبذ الأحزاب السياسية التقليدية مع ما سيترتب على ذلك من برلمان ضعيف قد يعرقل الإصلاحات التي أطلقها "مونتي" للخروج من الأزمة، ولا ننسَ أيضاً أن دعوات "جريلو" للاستفتاء حول "اليورو"، وخطابه المعلن المناهض لسياسة التقشف يضعه في مصاف قادة شعبويين آخرين تعج بهم الساحة الأوروبية في هذه المرحلة مثل "لوبين" في فرنسا، و"ستوناتش" في النمسا، و"وليدرز" في هولندا، لكن "جريلو" البالغ من العمر 64 عاماً صعد إلى النجومية منذ السبعينيات، حيث أدت انتقاداته اللاذعة للسياسيين وسخريته العلنية من تصرفاتهم إلى منعه من الظهور على التلفزيون الرسمي.
وقد ظل الرجل يسخر من السياسيين، ويشير إلى مثالهم حتى أواسط بداية العقد الماضي عندما انتقل إلى مجال النشاط على الإنترنت، وأنشأ لهذا الغرض مدونة وموقعاً إلكترونياً حقق نجاحاً باهراً في وقت وجيز؛ وبعد تحقيقه لسلسلة من الانتصارات في الانتخابات الجماعية استطاعت الحركة بتسخيرها للأزمة المالية تحقيق فوز مهم في مدينة "بارما"، التي نال أحد أعضاء الحركة عموديتها لتبقى الأنظار منصبة على المدينة وقدرة الحركة على إدارتها والوفاء بالوعود التي جعلها "جريلو" برنامجاً لإيطاليا كلها.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا