صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

الهند.. "الفيل الآسيوي" يحصد ثمار العولمة

ملف من إعداد- عدنان عضيمة:

تُجمع مختلف الدراسات وتقارير المحللين الاقتصاديين العالميين على أن اقتصاد الهند، الذي ظلّ لسنوات طوال متوارياً خلف ظلال الاقتصاد الصيني المجاور، أصبح يحصد الكثير من ثمار العولمة على نحو لم يسجل في تاريخ (الفيل الآسيوي) على الإطلاق· وبات الجميع مقتنعاً الآن أن الفيل بدأ رقصته الحقيقية· وهذه حقيقة لا مراء فيها وفق معايير اقتصادية مختلفة من أهمها واقع الميزان التجاري وسرعة نمو الناتج القومي الإجمالي· وبدأت الهند تستشعر القوة الحقيقية لرياح التغيير العاتية قبل نحو خمس سنوات إلى أن أصبحت في عام 2006 البلد الذي لا يمكن لمستثمر عالمي واحد أن يفوّت فرصة العمل فيه· وتشير أحدث الدراسات العالمية المتعلقة بمستويات التكامل القائم الآن بين الاقتصاد الهندي والعالمي إلى أن الهند سوف تواصل سياسة الأبواب المفتوحة خلال العام الجاري ·2007
وبلغ نمو الناتج القومي الإجمالي للهند العام الماضي أكثر من 8% مما جعلها الدولة الثانية عالمياً في سرعة النمو بعد الصين· وبين شهري أبريل وسبتمبر من عام ،2006 تسارع النمو إلى 9,1% فيما أعربت هيئة التخطيط الوطنية عن اعتقادها بأنه من المرجح أن تستمر وتيرة النمو على هذا المنوال خلال السنوات الخمس المقبلة التي تمتد بين عامي 2007 و·2012
ومع تزايد مؤشرات استقرار النمو الاقتصادي، بدأت الشركات الاستثمارية العالمية بعبور الحدود الهندية إما للاستحواذ على شركات محلية أو لتأسيس فروع أو شركات جديدة تماماً· واتضح للمحللين الاقتصاديين أن إسراع الهند في الاستحواذ على شركات تنشط في الخارج، سوف يساعد على فتح سوق الاستثمار المحلي على أوسع نطاق· وكلما زادت قدرة الشركات الهندية على الانتشار عالمياً، زادت قوّتها ومناعتها وقلّت حاجتها للحماية داخل الوطن الأم·

ومن مؤشرات سرعة النمو في الهند أن عدد المسجلين على طلبات الاشتراك في خدمات الموبايل من الهنود فاق عددهم في الصين لأول مرة خلال عام ·2006 وفي شهر أكتوبر الماضي، زاد عدد المسجلين الجدد من الهنود على طلبات الاشتراك في خدمات الموبايل بمقدار 6,7 مليون ليرتفع عددهم الإجمالي في كامل البلاد إلى 136 مليوناً فيما أضافت الصين في الشهر ذاته 5,9 مليون مشترك ليرتفع العدد الإجمالي لحملة الموبايل إلى 449 مليوناً·
وبالنسبة للهند التي ظلت فترة طويلة تعاني من الافتقار النسبي لاستثمارات طويلة الأجل فلقد تم مؤخراً إبرام بعض صفقات الاستحواذ العالمية فيها· وكتب لهذه الصفقات الضخمة أن تلعب دوراً مهماً في إحداث نقلة نوعية نحو تحقيق الانسجام مع التوجهات السائدة في الاقتصاد العالمي· ونقلت صحيفة ''فاينانشيال تايمز'' عن روهيني مالكاني، الخبير الهندي في مجموعة (سيتي جروب) في بومباي قوله: (نتوقع أن يشهد عام 2007 تحطيم الرقم القياسي التاريخي للاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند من 3 و4 مليارات دولار سجلت عام ،2006 إلى 9 مليارات دولار)·
وحتى الآن، لا يشكل حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة هناك إلا كسراً بسيطاً من أصل الاستثمارات الضخمة التي اجتذبتها الصين وبلغت 72 مليار دولار في عام 2005؛ إلا أن الهند تستقبل الآن المزيد من المستثمرين العالميين الجدد· ويقول سونيل بهارتي ميتال مدير عام شركة (بهارتي إنتربريز) التي تمتلك معظم أسهم شركة (بهارتي إيرتيل) أكبر مشغل لخدمات الموبايل في الهند: (أصبح الاستثمار في الهند يمثل صفقة رابحة· ونحن نحرص رغم ذلك على ألا تباع الهند لأي كان)· ويذكّر وزير النقل الهندي بموجة التشاؤم التي كانت تسود البلاد عند بداية انطلاق عملية الإصلاح الاقتصادي قبل 16 عاماً فيقول: (لقد أثبتنا للمتشائمين بأنهم كانوا على خطأ· وكنا نحرص على أن تتم عملية الإصلاح بطريقة بالغة الدقة؛ ولقد نجحنا في تحقيقها بحذافيرها)·
حمّى تنموية
تتعدد وتتنوع الفوائد المترتبة على تحقيق النمو المستدام في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند، ومنها أنها تعجّل بجلب رؤوس الأموال ونشر الخبرات المتعلقة بأسرار وأساليب طرق التصنيع وتحقيق السيولة اللازمة لتنشيط مختلف النشاطات الإنتاجية· ويرى الكثير من المحللين أن الحمى التنموية في الهند تزداد سخونة؛ ومن المؤشرات الدالة على ذلك أن حجم الإقراض البنكي المحلي في عام 2006 نما بمعدل 30% للعام الرابع على التوالي· وكان من الطبيعي أن يترافق هذا النمو السريع مع ظهور العديد من المشاكل بما فيها الفقاعات العقارية التي توحي باقتراب مرحلة قد يسود فيها التضخم الذي قد يكبح عربة النمو· كما تعاني بعض الشركات من نقص الأيدي العاملة المتخصصة في بعض الأعمال التي يجهلها الهنود مما استدعى ذات مرة إحضار 1000 عامل صيني للمساعدة في مدّ أنابيب الغاز·
ويرى خبراء الاقتصاد أنه يتعيّن على الهند أن تزيد من سرعة الإصلاحات الإدارية، وأن تعمل على تطوير البنيات التحتية الأساسية إن أرادت أن تحقق معدلات النمو المستهدفة· كذلك، فإن العوائق القانونية القائمة حتى الآن في وجه التملك الأجنبي للعقارات لا زالت تشكل أكبر عامل معرقل لتدفق الاستثمارات في قطاعات مختلفة مثل الخدمات المالية والبيع بالتجزئة؛ وهي القطاعات التي تشكل نسبة كبيرة من الناتج القومي الإجمالي للهند· ومثال ذلك أن شركة (وول-مارت) الشهيرة عالمياً في مجال البيع بالتجزئة، منعت من امتلاك المخازن والعمارات الصالحة لبناء مراكز التسوّق الكبرى (السوبرماركت) ما أجبرها على البحث عن شركاء محليين لمزاولة نشاطها هناك·
ويقول تقرير ''فاينانشيال تايمز'': مع الاختفاء التدريجي للعوائق المتعلقة بمنع الأجانب من التملك العقاري بعد أن شرعت الحكومة بتعديل القوانين، والهبوط الكبير في معدلات الرسوم العالية التي تفرض على الواردات، تبقى مشكلة تردّي أحوال البنى التحتية العائق الأكبر أمام المستثمرين الأجانب· ولا شك أن بلداً تسير فيه ملايين السيارات فوق طرق يعود بناء بعضها إلى عهد الاستعمار البريطاني، ويعتمد قطاع النقل فيه على شبكة سكك حديدية تعود إلى العصور الوسطى؛ ويعاني من نقص كبير في الموانىء المؤهلة لتقديم خدمات يمكنها أن تساير عملية إطلاق حركة تنموية واسعة النطاق، ويعتمد فيه قطاع النقل الجوي على مطارات عاجزة عن استقبال وخدمة أساطيل الطائرات المكوكية، لا بد أن يبدو مشلولاً أمام إطلاق حركة صناعية واسعة النطاق·
وقدّرت (الفيدرالية الصناعية الهندية) أن الهند تحتاج لإنفاق أكثر من 330 مليار دولار على البنى التحتية خلال السنوات الخمس المقبلة حتى تتمكن من المنافسة في القطاعات الاستثمارية المختلفة·
الاستثمار في قطاع البحث والتطوير
في قمة طفرة (فقاعة الإنترنت) في عام ،2000 عندما كان علماء الكمبيوتر نادرين في كاليفورنيا، لم ترَ شركة محرك البحث (ياهو) بدّاً من الذهاب بعيداً للعثور على مهندسين متخصصين بتأليف البرامج التطبيقية (السوفتوير)· وفي عام 2003 عمدت الشركة إلى افتتاح مكتب لها في مدينة بنجالور لم يكن يضم إلا 20 موظفاً· واليوم أصبح هذا المكتب يضم ألفاً من علماء ومهندسي الكمبيوتر الهنود، وهو أضخم مركز للبحث والتطوير تقيمه الشركة خارج مقرها الرئيسي بولاية كاليفورنيا· ويقول فينكات بانشاباكيسان المدير التنفيذي لمكتب ياهو في الهند: (كنا نحاول التأكد مما إذا كان في وسعنا العثور على بعض الموهوبين القادرين على مساعدتنا في الهند· وكنا نشعر أن هذا البحث يجب أن يقتصر على موظفين يمكنهم إنجاز عمليات تحليل ومعالجة البيانات· ولم نكن نسعى لصناعة المنتجات على الإطلاق لكننا علمنا خلال السنوات القليلة الماضية ما الذي يمكننا فعله هناك)·
والآن يتولى قسم البحث والتطوير التابع لشركة (ياهو) في بنجالور القيام بعمل مهم مثل ابتكار خدمات جديدة للمبحرين في محرك البحث (ياهو) من المنتظر أن يتم إطلاقها على المستوى العالمي في وقت قريب· وتسعى (ياهو) إلى زيادة عدد موظفي مركز البحث والتطوير في بنجالور بسبب ضخامة حجم العمل المسطّر في الخطط الطموحة للمركز· وراح عدد المهندسين والموظفين يزداد هناك بشكل مطرد إلى أن أصبح يزيد عن 10% من مجموع القوة العاملة الموزعة في العالم لشركة (ياهو)·
وفي عام ،2004 بلغ إنفاق الهند على قطاع البحث والتطوير 24 مليار دولار مما جعلها تحتل المرتبة الثامنة عالمياً في معدل الإنفاق على هذا القطاع الحيوي وفقاً لتقرير صدر العام الماضي عن منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي· ويذكر التقرير أيضاً أن الصين أنفقت في العام ذاته 94 مليار دولار على قطاع البحث والتطوير ما يجعلها تتبوأ المرتبة الرابعة عالمياً بعد كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان على الترتيب·
وحتى عام ،2001 كانت الهند تنفق 2,9 مليار دولار على قطاع البحث والتطوير؛ وكانت الشركات تقدم 40% من هذا المبلغ فيما يأتي الباقي من خزينة الحكومة الفيدرالية· وسرعان ما راحت الأمور تتطور بسرعة كبيرة بعد ذلك إلى أن بلغ الإنفاق على قطاع البحث والتطوير في عام 2004 ثمانية أمثال ما كان عليه في عام ·2001 وربما كان الأهم من كل ذلك أن الشركات العالمية ذات الجنسيات المتعددة رفعت من ميزانيات الإنفاق على قطاع البحث والتطوير في الهند بعد أن أدركت أن هذا التوجّه يمثل بالنسبة لها استثماراً مربحاً· ويبلغ عدد الشركات متعددة الجنسيات المنشغلة بأعمال ونشاطات تتصف بالتطور والتعقيد التكنولوجي في الهند 220 شركة مقابل 130 شركة محلية· وسجلت استثمارات الشركات غير الربحية في قطاع البحث والتطوير نمواً من 1,3 مليار دولار في عام 2001 إلى 6,5 مليار دولار في عام ،2005 أو ما يوازي نمواً سنوياً بمعدل 50%·
ويتوقع المحلل الاقتصادي آمي يي من خلال تقرير نشره في ''فاينانشيال تايمز'' أن تواصل هذه الأرقام حركتها التصاعدية حتى يبلغ مجمل الإنفاق على قطاع البحث والتطوير 27,5 مليار دولار سنوياً في عام ،2010 ثم يقفز مرة واحدة وبطريقة مشابهة لتفاعل التسلسل النووي، إلى 119 مليار دولار سنوياً في عام 2020 أو ما يعادل 2,7% من الناتج القومي الإجمالي مما سيجعل الهند في مرتبة مقاربة لكل من الولايات المتحدة واليابان فيما يتعلق بحجم الإنفاق على قطاع البحث والتطوير·
ومن العوامل ذات التأثير الكبير على المسيرة التنموية للهند أن مجموعات هائلة الحجم من المهندسين الهنود ذوي المهارات العالية وخبراء الكمبيوتر من الناطقين باللغة الإنجليزية، تم توظيفهم مؤخراً ودمجهم في صلب الحركة الإنتاجية وبأجور متدنّية جداً بالمقارنة مع أجور نظرائهم في الدول المتطورة· وهذا ما دفع الشركات العاملة في تلك الدول إلى تأسيس أقسام البحث والتطوير في الهند للاستفادة من انخفاض أجور الخبراء هناك·
ومن ذلك مثلاً أن شركة (سيسكو) التي تصنّف كأضخم شركة في العالم لصناعة مفاتيح الشبكات الرقمية، عمدت إلى إقامة واحد من أضخم مراكز البحث والتطوير في الهند· ويقول جون شامبيرز المدير العام التنفيذي لفرع الشركة في الهند: ( اختارت سيسكو الهند باعتبارها المكان المناسب لتوسيع نظرتها إلى العولمة؛ وذلك لأن الهند تستأثر بمهندسين أكفاء ذوي خبرات عالية وحكومة متعاونة وشركاء على المستوى العالمي)·
وفيما تركزت قوة الهند على الابتكار في مجال البرامج التطبيقية الحاسوبية (السوفتوير)، فلقد بدأ قطاع تطوير المكون الصلب) أو (الهاردوير) يشهد نموّاً سريعاً·
وتعد الهند أيضاً أضخم سوق للموبايل في العالم· وكان في وسع كبريات الشركات العالمية العاملة في تقديم خدماته أن تكتشف ذلك بسرعة كبيرة مما دفعها إلى إقامة مراكز البحوث الخاصة بها· وكانت شركة نوكيا من أوائل الشركات التي رمت بثقلها في هذه السوق من خلال إقامة مصانع الموبايل ومختبرات تطوير البرامج التطبيقية المتخصصة بتشغيل خدماته· ومنذ عام ،2005 افتتحت مجموعة ألكاتيل الفرنسية للاتصالات مركزاً للبحوث في مدينة تشيناي الهندية لتصميم وإعداد المنتجات الخدمية اللاسلكية التي تعمل بتقنية الحزمة العريضة·
وتمتلك شركة ألكاتيل حصة تقدر بـ 51% من شركة تطوير أجهزة الاتصالات التابعة للحكومة الهندية· ولم يكن هذا التعاون يعني بأي حال أن الشركات التكنولوجية الكبرى التي حطت رحالها في الهند مثل سيسكو وألكاتيل وياهو، كانت تكتفي بابتكار منتجات خاصة بالسوق الهندية وحدها، بل حرصت على ابتداع منتجات بمواصفات عالمية وبحيث تكون جاهزة للترويج في أسواق العالم كلها·

صناعة السيارات

يحظى قطاع البحث والتطوير في صناعة السيارات بدعم قوي من كل من الحكومة الفيدرالية والشركات المحلية والعالمية· وتهدف هذه الجهود إلى تحويل صناعة السيارات الهندية إلى قوة اقتصادية قادرة على التنافس في الأسواق العالمية من خلال ابتداع تكنولوجيا جديدة منخفضة التكلفة لصناعة السيارات الخاصة بالتصدير والاستهلاك المحلي· والآن أصبحت الشركات الهندية لصناعة السيارات تنفق بسخاء على قطاع البحث والتطوير ومن أشهرها (ماهيندرا وماهيندرا) و(ماروتي يوديوج) و(تاتا)·
ومن بين المظاهر الكثيرة الدالّة على ترحيب الحكومة الهندية بالمبادرات الكثيرة للقطاع الخاص، أنها قررت رصد 400 مليون دولار لمراكز البحث والتطوير التابعة لمصانع السيارات في الهند كلها· ومن المنتظر أن يفتتح أول مركز للاختبار والبحث والتطوير العام المقبل، وهو يضم بنية تحتية متكاملة لدعم هذه الصناعة·


ساعة تاتا.. تضبط نشاطات الاقتصاد

يقول جو ليهي، المحلل الاقتصادي في ''فاينانشيال تايمز'': لو سألت أحد كبار النافذين في شركة (أبناء تاتا) الهندية التي أصبحت تسمى (مجموعة تاتا): ما الذي فعلته شركتهم خلال العام الماضي؟ لأجابك من دون تردد: لا شيء يستحق الذكر أكثر من القول إن الشركات العالمية بدأت تدرك قوّتنا وتضبط نشاطاتها على أساسها· وكانت الصفقة الأضخم التي أنجزتها (تاتا لصناعة الفولاذ)، وهي مجرّد قسم من أقسام الشركة الكثيرة، الاستحواذ على شركة (كوروس) البريطانية لصناعة الفولاذ مقابل 5,5 مليار جنية استرليني (10,8 مليار دولار)، أمس الأول، ما يجعل الهند من أكبر منتجي الفولاذ في العالم·
وتعد (مجموعة تاتا) أضخم مؤسسة اقتصادية خاصة وأكثرها تأثيراً على نمو الاقتصاد الهندي بشكل عام· وتأتي هذه الصفقة الضخمة في إطار خطة استراتيجية متكاملة رسمها الرئيس والمدير العام للمجموعة راتان تاتا وتقضي بعولمة نشاطاتها واستثماراتها من خلال سياسة الاستحواذ على الشركات المنافسة حيث كانت· ويتجلى الطموح الكبير لـ(تاتا) من خلال ما صرح به آلان روسلينج المدير العام التنفيذي للمجموعة الذي قال في معرض تعقيبه على الصفقة: (يمكن لصفقة كوروس أن تجسّد طموحاتنا غير المحدودة نحو عولمة نشاطاتنا وزيادة أصولنا وسعينا لأن نصبح أكثر قوة بكثير مما كنا)·
وأصبحت (مجموعة تاتا) على درجة من الضخامة أثارت إعجاب ودهشة كبار الاقتصاديين العالميين من حيث حجمها وتعقيد تركيبتها الإدارية فهي تضم 430 شركة مساهمة ملحقة بها بالإضافة لـ90 شركة تشغيل؛ إلا أن ثلاث شركات إنتاجية فحسب من جملة شركاتها تستأثر بـ 60% من مجمل مبيعاتها التي بلغت 21,9 مليار دولار عام ،2006 كما تشكل 83% من إجمالي عوائدها؛ وهذه الشركات هي: تاتا لصناعة الفولاذ، وتاتا للخدمات الاستشارية وتاتا لصناعة السيارات والشاحنات·
وتأسست المجموعة في أواسط القرن التاسع عشر على يدي رجل الأعمال الهندي جيمسيتجي تاتا، تشغّل الآن ربع مليون عامل وموظف· وهي متخصصة الآن في تطوير العديد من الصناعات الخدمية والإنتاجية بما فيها صناعة المواد الكيميائية والاتصالات والطاقة والمنتجات والتجهيزات الإلكترونية الاستهلاكية·
ولا يكاد يوجد نشاط تجاري أو صناعي ينشغل به البشر في العالم أجمع إلا ويكون حاضراً في أذهان مخططي مجموعة تاتا، ففي العام الماضي استحوذت شركة تاتا للشاي على شركة (تيتلي) الإنجليزية المتخصصة بتعليب الشاي مقابل 271 مليون جنيه إسترليني (531 مليون دولار)؛ ودفعت الشركة مبلغ 677 مليون دولار لشراء 30% من أسهم شركة (إنيرجي درينكس) الأميركية المتخصصة بصناعة المشروبات الخاصة بزيادة النشاط؛ واستحوذت أيضاً على حصة 33% من شركة (جواكل تي باكيرز) التي تحتكر صناعة الشاي في جنوب أفريقيا·
وامتدت الأيدي الطويلة لقسم بناء وإدارة الفنادق في مجموعة تاتا للاستحواذ على فنادق كبرى ناشطة في الهند مثل فندق (ريتز كارلتون بوسطن) الذي اشترته بمبلغ 170 مليون دولار، ثم اشترت بعض الفنادق الكبرى في أستراليا·
وليست هذه إلا أمثلة قليلة ونماذج بسيطة لإعطاء فكرة عن (مجموعة تاتا) التي يمكن اعتبارها واحدة من أضخم الشركات في العالم أجمع·

400 مليون عامل

على الرغم من أن الهند هي بلد العمالة الفائضة؛ إلا أن معظم الشركات متعددة الجنسيات التي هرعت لاقتناص جزء من كعكة الاستثمار هناك تعاني الأمرّين من صعوبة العثور على ما يلزمها من العمالة المتخصصة· وقد تستثنى من هذا الحكم صناعة واحدة فقط هي تقنية المعلومات وحيث تعد الهند من الدول القليلة في العالم التي تستأثر بأعداد ضخمة من الخبراء في هذا الاختصاص المعقد· وتأتي الصعوبات من قانون العمل السائد هناك والذي يحظر توظيف العمال بعقود مؤقتة ذات مدة محدودة· ومن بين مجموع القوة العاملة التي تقدر بنحو 400 مليون عامل، يعمل أقل من 20% منهم بعقود مؤقتة·

عدم تكافؤ

يذكر تقرير نشرته صحيفة ''هيرالد تريبيون'' أن من معوقات التنمية في الهند ضعف التخطيط الحكومي والافتقاد المزمن لأسس تنظيمية صارمة يمكنها أن تمتص المشاكل الناجمة عن الخصوبة السكانية العالية· ويبلغ عدد سكان العاصمة دلهي 14 مليون نسمة، وهو يزداد بسرعة كبيرة نتيجة الهجرة الكثيفة من الأرياف· وتسود الهند حالة من عدم تكافؤ الفرص بين سكان الأقاليم والحواضر المختلفة؛ ومن ذلك مثلاً أن الدخل الفردي لسكان العاصمة أكبر بمرتين ونصف من متوسط الدخل الفردي في عموم البلاد· وخلال العقد الأخير تم تصنيف دلهي على أنها الولاية الأكثر غنى في الهند كلها وفقاً لمقياس الإنجازات الاقتصادية· وتخلق الكثافة السكانية المرتفعة في الأحياء الفقيرة للمدن الهندية الكبرى الكثير من المشاكل الاجتماعية العويصة التي يقع في مقدمتها تفشي الأمية والجهل والنقص الكبير في المتطلبات الأساسية للتنمية والحياة كالطاقة والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية·
وتكمن مشكلة الهند الكبرى في أنها تعاني من نمو سكاني يفوق من حيث ضخامته نموها الاقتصادي· ويذكر أحدث تقرير أن عدد سكان دلهي سوف يبلغ 22 مليوناً بحلول عام ،2015 وأن نحو 8 بالمئة من سكان العاصمة الذين يبلغ عددهم 1,15 مليوناً يعيشون دون خط الفقر فيما يرتفع هذا المعدل إلى نسبة 26 بالمئة في عموم الهند·
ويضاف إلى ذلك كله ما هو معروف من أن الهند هي بلد المشردين حيث تضم دلهي وحدها ما بين 50 ألفاً و100 ألف مشرد نصفهم من الأطفال· مما يعني أن الهند بانتظار أمواج جديدة من الشباب الذين يفتقدون للتعليم أو القدرة على التاقلم مع معطيات الحياة العصرية·
وتتفق معظم الآراء التحليلية المتعلقة بمستقبل النمو الاقتصادي في الهند على أن من الضروري أن تسرع الحكومة إلى التصدي لهذه الظواهر الخطيرة إذا أرادت أن تجعل طريق الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى البلاد سالكاً·