الاتحاد

عربي ودولي

"حركة التوابين" تمارس القتل على الهوية و فتح تطبق القانون بقوة السلاح

أحمد خضر:

إلى متى سيظل المطر منقطعاً عن قطاع غزة، حتى يغسل الدم الفلسطيني المراق، ويطفئ نار الحقد والتعصب الفصائلي في نفوس من نصبوا أنفسهم ملوكاً على الفلسطينيين، معارك ضارية تخوضها الحركتان الكبيرتان، فتح وحماس، وتشتعل نار الفتنة تحت أقدام المواطن العادي البسيط الذي يدفع ثمناً غالياً من دمه وجوعه وصبره وقهره، فيما الباحثون عن النصر المزيف لاعتلاء الكرسي المزيف مستمرون في لعبة الموت المفضلة، التي قد تستمر أكثر من أربعين عاماً، وهي الفترة التي استغرقتها حرب داحس والغبراء، نعم إن ما يحدث هو فوق جهل الجاهلين، لأن النتيجة هو تقديم وطن على طبق من ذهب إلى الصهاينة بعد أن عجزوا حتى الآن عن فرض إرادة التسليم والتركيع على أبنائه بطائرات الأباتشي والـ إف ،16 والدبابات والمجنزرات التي تدمر البيوت على من فيها، وعصابات المستوطنين التي تعيث في الأرض فسادا·
مناضون·· قبل وبعد
إسرائيل طيلة سنوات الاحتلال كانت تدوس بقدمها كل المواثيق الدولية ابتداء من قرار التقسيم و242 و338 ومعاهدات جنيف الرابعة، التي هي أحد المستندات القانونية الدولية الأكثر أهمية والتي تبناها العالم، وفيها أن إسرائيل استخفت وسخرت من روح تلك المعاهدة بذريعة لا أساس لها تقول إن (المناطق) لم تحتل من قبل سلطة سياسية - وكان ذلك يكفي لتغيير إثم الاحتلال ذاته وتبعاته على السكان الرازحين تحته وحقوقهم· لقد خرقت إسرائيل وما زالت البند 27 من المعاهدة - التي تنص على أن سكان المنطقة المحتلة يجب أن يحظوا بمعاملة إنسانية طوال الوقت وحمايتهم من الأعمال العنيفةـ فيما إسرائيل من خلال سيطرتها على الفلسطينيين تقوم بتطبيق الأوامر العسكرية عليهم وتفرض العقوبات الجماعية، ولا تتوانى عن المس بممتلكاتهم ومقدراتهم، وتفرض القيود الصعبة على حرية حركتهم وتجوالهم، عبر الحواجز العسكرية، بما يتضمن ذلك من مساس بحياتهم، واقتلاع أشجارهم، ومصادرة أرضهم، وإقامة الجدار، وتهويد القدس، والتنكر للحقوق وهدم للبيوت، وقتل للأبناء والأطفال الرضع، والزج بهم في غياهب السجون والقائمة تطول·
كل هذا يجري أمام من يسمون أنفسهم بالمقاومة تارة، وبالممانعة تارة أخرى، وبالبرغماتية والاعتدال، والقوة التنفيذية والأجهزة الأمنية، وأسماء لها أول وليس لها آخر، هذه الفئات التي زرعت الخوف في نفوس المواطنين الفلسطينيين العاديين من أجل تنصيب هذا القائد أو ذاك،ـ وما أكثر القادة على الساحة الفلسطينية، وما أكثر المتحدثين بلسان هذا التنظيم أو ذاك ـ البعض أصابه الغرور، وآخر اتهم بالفساد والتزوير، والبعض جعل من نفسه منظراً ومخططاً بحيث بدأ يرسم الاستراتيجية المستقبلية لفلسطين الغد، ولقضية عمرها أكثر من مئة عام يريد أن يحلها في اجتماع واحد مع الأوروبيين عبر ما يسمى الدولة المؤقتة·
من المحزن القول إن هؤلاء جميعاً تقريباً كانوا مناضلين قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة، وقبل موت شخصية كاريزمية هي ياسر عرفات، ولكن جاء فوز حماس الساحق في الانتخابات، وموت عرفات ليحدث شرخاً عميقاً في المجتمع الفلسطيني، بين الاتجاه الإسلامي الذي تمثله حماس، والاتجاه الوطني الذي تمثله حركة فتح، وفي الواقع فإن شهية حب السلطة والجلوس في مقاعد المجلس التشريعي الوثيرة من أجل التنظير الذي لا طائل تحته، والتطلع إلى ما يسمى بتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، واستبدال المحافظين والسفراء، وتشكيل القوة التنفيذية، وازدواجية الحكم، وفشل وزارة إسماعيل هنية في تأمين لقمة الخبز، وفك الحصار عن المواطنين، والتعبئة اللفظية والتحريض اليومي عبر وسائل الإعلام هو من فجر الأحداث الدامية في غزة، ومن المعيب أن تبدأ العيون في الاستيقاظ، ـ وهي لم تبدأ بعد ـ عندما يبدأ الرصاص الفلسطيني في التوجه إلى صدور الفلسطينيين·
مستقبل القضية إلي أين؟
هل يستطيع هؤلاء المتحاربون في شوارع غزة وجباليا وبيت لاهيا أن يعطوا بصيصاً من الأمل في الأمن والحرية للفلسطينيين بأنهم أمناء على قضيتهم؟ أم أن كل فريق يريد تحقيق النصر، ليس على إسرائيل بطبيعة الحال، وإنما على قريبه وابن حيه ومخيمه ومدينته· من السهل توجيه الانتقادات إلى الخارج، مع أن الخارج ضالع في المؤامرة بلا شك، ذلك أن الديمقراطية لا يسمح بها العالم الغربي إذا كانت تتعارض مع مصالحه، وهكذا بخصوص حركة حماس ما لم تعترف بإسرائيل، وبقرارات الرباعية، وجميع المعاهدات والاتفاقات السابقة، وما لم تتجاوب مع المبادرة العربية دون التلاعب بالألفاظ، فإن الغرب سيبقى رافضاً حماس ويعتبرها منظمة إرهابية، ويرى أن الديمقراطية الأيديولوجية حتى لو انتخبها الشعب الفلسطيني بصورة شفافة ونزيهة لا تلزمه، ويقف ضدها· أما بالنسبة لحركة فتح فيبدو فإنها لم تستطع إلى الآن تنظيف البيت الفتحاوي من الفاسدين، وأشباه المناضلين، والمتسلقين على حبال الوطنية، ومن اسماهم الرئيس بوش نفسه القيادات الهرمة· وتعترف كوادر فتح أنها قطعت جزءاً من الطريق من أجل تجديد شباب الحركة، للعودة إلى قيادة الشعب الفلسطيني حيث تعتبر نفسها حارسة على قضيته، ومعبرة عن تطلعاته وحقوقه المشروعة التي لم تفرط بها في أسوأ المراحل التاريخية، إضافة إلى سعيها الدؤوب لرفع الحصار الدولي الظالم·
معركة حاسمة
إن تفكك المجتمع الفلسطيني على هذا النحو شيء محزن حقاً، ويبدو أن هناك قرارات حاسمة عند جميع الأطراف لخوض معركة مصيرية، وهناك أكثر من طرف يجد لنفسه موطئ قدم في قطاع غزة بشكل خاص، وعلى رأس ذلك الاحتلال الإسرائيلي وعملائه، الذي نجزم أن عدد هؤلاء العملاء أو الذين تلتقي مصالحهم مع هيمنته وسيطرته يفوق أكبر تنظيم فلسطيني كماً ونوعاً، مما يشكل بيئة مناسبة لعدم التوصل إلى قرار وطني وحدوي، وإن التشنج من الجانبين هو الذي يوقع الجميع في حفرة الكراهية والاقتتال الداخلي· وحتى نلامس الأمور بشكل واضح فإن فتح تريد من حماس التخلي عن الوزارات السيادية، والتجاوب الواضح والمباشر مع الشروط الإقليمية والعربية والدولية، والاعتراف بكافة الالتزامات السابقة للسلطة، وحل القوة التنفيذية، التي تعتبرها مجموعة من المجرمين وتجار السلاح والمخدرات، وهي أشبه ما تكون بـ (جيش التوابين) وتتهمهم بأنهم من خريجي السجون الجنائية الذين يمارسون القتل بأبشع صوره، خاصة من كان له حساب مع السلطة، حتى أن لجنة المتابعة المحسوبة تلقائياً والمتعاطفة مع حماس طلبت من أبومازن حل هذه القوة التنفيذية·
أما حماس فإنها تعض على الحكم بالنواجذ، والأسنان وتعتبر ذلك من حقها طالما أن الشعب انتخبها، وهي تراوغ، وتحاول أن تتكيف مع الاستحقاقات الإقليمية والعربية والدولية عبر التلاعب بالألفاظ، إنها حديثة العهد بالحكم والسياسة، ومنذ اليوم الأول لانتخابها فإنها لم تتصالح مع نفسها، ومع شعبها من خلال إسقاط كل الشعارات الكبيرة التي ترفعها، وتكلف الفلسطينيين ثمناً باهظاً، وفي سنة واحدة من وجودها في الحكومة هاجر عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى الخارج، وكذلك رؤوس الأموال، واستكمل تنفيذ المشروع الصهيوني تقريباً بشكل مباشر، ولم يبق من الأرض شيء يمكن الاختلاف عليه بين فتح وحماس، أو بين أي فلسطيني، وفلسطيني· هناك امتعاض شديد في الشارع الفلسطيني والعربي ضد هذه المذابح المخجلة، ويبدو أن الرئيس محمود عباس الذي يراقب الوضع من سويسرا يريد أن يحرق (جيش التوابين) الفلسطيني شعبياً ووطنياً وسياسياً لأن جميع المفاوضات واللقاءات فشلت في الوصول إلى اتفاق بشأن وزارة أو وزارتين، بل لا نبالغ في القول إذا كانت المعركة الدائرة حالياً في غزة غير قابلة للتهدئة هذه المرة، فلأن الرئاسة الفلسطينية بعد أن قامت بترتيب أوضاع الأجهزة الأمنية تريد أن تفرض أحكام القانون بأي ثمن·

اقرأ أيضا

ترامب: لا بد من إخلاء كوريا الشمالية من السلاح النووي