صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الموسيقى.. تشفي الاختلال البشري

ليس جديداً أن نتحدث عن علاج الإنسان بالموسيقى، فهذا الحديث الدارج اجتماعياً ويطبّق اجتماعياً دون إرادتنا وإدراكنا أحياناً، فنضع الموسيقى ونستمع لها كي نحصل على قسط من الراحة والاسترخاء، والموسيقى الصاخبة في (الحفلات والأعراس) تولد لنا نوعاً من أنواع الصداع الذي تختلف درجاته من شخص لآخر، ولا نعلم لم كل تلك الأسباب.. نعم إنه العلاج بالموسيقى وتلك النغمات والضربات والذبذبات الموسيقية، التي تؤثر وبشكل مباشر على الجهاز العصبي، وكل ذبذبة صوتية لها تأثير على جزء ما في المخ خاص بعصب ما، ولعل ذلك وكما شبهه الكثير من العلماء يشبه إلى حد كبير عملية (التخدير الطبي)، نعم إنه العلاج بالموسيقى، أحد أشكال الطب (المكمّل) أو حتى (البديل).
ليس جديداً أن نتحدث عن علاج الإنسان بالموسيقى، فهذا الحديث الدارج اجتماعياً ويطبّق اجتماعياً دون إرادتنا وإدراكنا أحياناً، فنضع الموسيقى ونستمع لها كي نحصل على قسط من الراحة والاسترخاء، والموسيقى الصاخبة في (الحفلات والأعراس) تولد لنا نوعاً من أنواع الصداع الذي تختلف درجاته من شخص لآخر، ولا نعلم لم كل تلك الأسباب.. نعم إنه العلاج بالموسيقى وتلك النغمات والضربات والذبذبات الموسيقية، التي تؤثر وبشكل مباشر على الجهاز العصبي، وكل ذبذبة صوتية لها تأثير على جزء ما في المخ خاص بعصب ما، ولعل ذلك وكما شبهه الكثير من العلماء يشبه إلى حد كبير عملية (التخدير الطبي)، نعم إنه العلاج بالموسيقى، أحد أشكال الطب (المكمّل) أو حتى (البديل).

رعد خلف

أصبحت حياتنا العصرية مليئة بالصخب والضجيج الصوتي الذي يسبب مخاطر صحية كبيرة لدى الإنسان وجسده بدءاً بالصداع وارتفاع ضغط الدم، وانتهاء بضربات القلب المتسارعة والتدهور النفسي، والسؤال هنا وبما أن الموسيقى تسبب كل هذا الضرر هل يمكن لها أن تكون العلاج أيضاً بالتنسيق مع الدواء المعتاد أو دونه؟!

طرد الأرواح الشريرة
عرف الإنسان القديم عن طريق الطقوس (المموسقة) والمنغمة حلولاً علاجية للكثير من جوانب حياته الصحية بدءاً من طرد الأرواح الشريرة التي تصيب الإنسان بكثير من الأمراض، وعمل (الفراعنة) القدماء في معابدهم أولى جلسات العلاج بالموسيقى بالترتيل المنغم، وتحدث (أفلاطون) عن أهمية الوصول للصحة البدنية بوساطة الموسيقى، أما (فيثاغورس) فقد كان يعلم تلاميذه أن الأصوات ومنها الموسيقية تحديداً تساعد على العمل والاسترخاء والنوم والصحو بعافية. وتحدث (إخوان الصفا) في مرحلة الحضارة العربية على الألحان وطبيعتها وأن هناك منها روحية مؤثرة (تستدعي البكاء) مثل الأناشيد الدينية، ومنها الحماسية والجنائزية، ومنها التي تحرض على العمل مثل أغاني الصيادين والحرفيين، وهناك أغانٍ وألحان قوافل الجمال.. إلخ.
كل تلك ألحان تؤثر في النفس البشرية مستدعيةً إياها لفعل ما معين ينبع من دواخلها المادية والمعنوية. وهناك دلائل أخرى لتأثير الموسيقى في النفس البشرية وعلى الصحة تحديداً (إن كان حقيقة أم وهم)، هي الأصوات المنغّمة التي يطلقها ويرددها المشعوذ أثناء السحر والشعوذة.

بداية أميركية
أما في العصر الحديث. فتعود بداية العلاج بالموسيقى لعام (1896) في الولايات المتحدة الأمريكية حيث بدأ الاهتمام بهذا النمط من العلاجات وبتأثيراته الإيجابية كونه يساعد على تدفق الدم بشكل جيد ويساعد في الصفاء الذهني. بعدها في خمسينيات القرن العشرين، حيث دخل عالم الأجهزة الإلكترونية المصدرة للأصوات والنغمات حيز العمل في مجال الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية خاصة لمرضى (التوحد).
وقد برع العرب المسلمين في استنباط طرائق وأساليب عديدة للعلاج بالموسيقى والغناء وهذا ما ذكره (كومارا Comara) أحد علماء الحملة الفرنسية على مصر، بأن القاهرة قد شهدت عدة مشافٍ للعلاج بهذه الأساليب، وقيل إن مالاً كثيراً قد صرف على تلك المشافي، وأن النتائج كانت إيجابية في معالجة (المجانين) خاصة حتى إن بعض المشافي قد قامت بفرز المتعافين، ونقلهم إلى أماكن أخرى خارج تلك المشافي، وأكدت الدراسات أن القاهرة كانت في القرنين السابع والثامن الميلادي، المدينة الأولى في الطب والعلاج في الإمبراطورية العثمانية والعالم الإسلامي، وإن الكثيرين قد زاروا هذا المشفى واطلعوا وشاهدوا كثيراً من الحالات المرضية التي كانت تعالج بالموسيقى وبالعزف الحي المباشر لموسيقيين محترفين، وبإشراف أطباء تخصصيين.
أما (الرازي) فقد قال عن مرضى (الماليخوليا) العقلي إنه لا شيء أفضل من الغناء والتنغيم كأحد أهم علاجات هذا المرض، واتفق (ابن سينا) مع الرازي في هذا الطرح ودعا لوضع المريض في خلوة وإشغاله بالاستماع والطرب، ذلك سيبعده عن التشتت في التفكير العميق بالمصائب، وخير مقولة لابن سينا التي ترجمت إلى لغات عدة كانت (خير تمارين العافية الغناء).
وقد سبق (الكندي) كل هؤلاء في البحث المعمق عن الألحان والأوتار والنغمات وأقسامهم، والترابط مع الإيقاع، وإن كل وتر وتنغيمه وإيقاعه يؤثر على منطقة ما في الجسم وأعضائه من البلعوم حتى المرارة وسريان الدم وسرعته وصفاء الذهن لطرد السوداوية في النفس البشرية.
إذن ما التفسيرات العلمية للعلاج بالموسيقى؟!
يمثل العلاج بالموسيقى موجات موجهة ذات تردد فعال يعدّل اختلال الموجات في الأجزاء المصابة ويعيدها لحالتها السوية، والتفسير الآخر يرى أن الصوت وموجاته الصوتية تتحول لنبضات تسري في الأعصاب بمجرد أن تصل إلى أذاننا، ومن ثم إلى المخ، حيث يتم تفسيرها، وهنا يبدأ الجسم في التفاعل معها، وتؤثر تلك الموجات عندما ترتطم بالجسد من الداخل، مسببة ارتجاجات ميكروسكوبية خافتة جداً تكفي لتنشيط الخلايا والدورة الدموية.
تفسير ثالث يتحدث عن أن الخلية الحيّة في جسم الإنسان تحتوي على نسبة من 70 إلى 80% من الماء، وهي بالطبع تتأثر باستقبال الذبذبات الصوتية، والتي تتحول بدورها لموجات كهرومغناطيسية تولد طاقة نظيفة تفجر الطاقات المكبوتة، هذا فضلاً عن انخفاض معدلات الإصابة بما يعرف بالجوع العصبي.

فوائد
فوائد العلاج بالموسيقى كثيرة ولكافة الفئات العمرية، ومنها المشكلات النفسية والعقلية، وبعض حالات الإعاقة في النمو أو التعلم، حتى ثبت أنه يفيد في علاج مرضى (الزهايمر)، بالإضافة إلى بعض مشكلات الكلام والتخاطب والتواصل، ويمكن أيضاً أن تكون حلاً للمرضى في علاج القصور الحركي، وأكدت أيضاً الكثير من التجارب أن العلاج بالموسيقى له تأثير إيجابي على مرضى (الشلل الرعاشي)، والأمراض الأهم للمعالجة بالموسيقى الهادئة كان مرض (ضغط الدم الشرياني)، والاكتشاف الأهم لهذا العلاج هو فائدته في معالجة (الربو) عند الأطفال، وقد أثبت البريطانيين أن الاستغناء عن البخاخات الدوائية والعودة للآلات الموسيقية النفخية كالمزمار والفلوت وغيرهم سيساعد الطفل ورئتيه على التنفس بشكل أفضل وفتح للقصبات الهوائية المتشنجة. وثبت أيضاً إمكانية معالجة أمراض (البكم) بالموسيقى أيضاً وحل عقدة لسانهم، وأتى ذلك في تجارب ألمانية وعن طريق الغناء. ودعوني هنا أتطرق لبعض المناهج وأساليبها في العلاج الموسيقي:
* العلاج الموسيقي التحسيني: ويعتمد على تحفيز ردود أفعال المريض على كافة المستويات.
* الغناء والمناقشة: ويعتمد على تحفيز المريض للاستجابة للمقطوعات الشعرية والموسيقية عن طريق ترك الشخص يعبر عن الأفكار والمشاعر التي استثارتها فيه هذه الموسيقى.
* الوصف التصويري والموسيقى الموجهة: ويعتمد هذا الأسلوب على الاستماع للموسيقى الكلاسيكية على أن يكون في وضع الاسترخاء العقلي والجسدي، ويساعد ذلك الشخص على تحفيز الوصف التصويري لديه بغية الوصول للواقع الذاتي.
* أسلوب (شولفيرك) السريري: والذي يعتمد استخدام الإيقاع والحركة مع الأصوات والتعبير الموسيقي في إطار جماعي.
* التدخل الإيقاعي الإفضائي: ويعتمد على تحفيز الجهاز العصبي المركزي.
وفي العودة للأمراض التي كان للموسيقى دور مهم وكبير في علاج الكثيرين من مرضاه، هو مرض (التوحد) عند الأطفال، فالكشف وبدء العلاج المبكر قد يساعد كثيراً في انتشال الطفل من هذا المرض المقلق، ولعل الموسيقى كانت إحدى أهم زوايا علاجه، ومن الملاحظ أن الأطفال المصابين بمرض (التوحد) يظهرون استمتاعاً كبيراً وغير محدود لدى العمل معهم في حصص الموسيقى خاصة (الحلقات الغنائية) والبرامج الموسيقية الإيقاعية، وكل هذا يساعد مريض التوحد على التركيز والتواصل مع الآخرين بل ومساعدته أيضاً على المشي والتوازن. وهناك أيضاً الأجهزة الصوتية المبتكرة من علماء هذا المجال، والتي تصدر ذبذبات صوتية ذات طبقة صوتية نغمية ما معينة قد ساهمت في الجذب والاستدراك وحتى النطق أحياناً، ويبقى في هذا المجال الدور الكبير للأداء الموسيقي الحي مع مشاركة المريض من خلال الغناء بالميكرفون بشكل ارتجالي محاولاً متابعة الموسيقى المعزوفة أمامه فيحاول المريض نطق ما يعرفه من الكلمات ويصيغ الجمل بشكل عشوائي وباستمتاع كبير، مما سيؤدي به لاحقاً لحفظ وكتابة اللغة بشكل أسرع من زملائه الذين لم يحاولوا بعد.
وبكل تأكيد تعتبر مدارس ومراكز الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والهند من أكثر الدول تعاملاً للعلاج بالموسيقى، وبالطبع أوروبا التي سعت في تجاربها كثيراً، وعلى رأسهم ألمانيا، وبدأت الدول الأوروبية خاصة بإنشاء مؤسسات (رعاية الطفل) في البلدان التي عانت من ويلات الحروب بغية معالجة الأطفال تحديداً من حالاتهم النفسية وبعلاجهم بالأخص بالموسيقى.

موسيقى للبقر
نحن نضحك كثيراً حيث نسمع في إحدى الدعايات التليفزيونية أن (البقرة الدنماركية) مدللة لدرجة أنهم يسمعوها الموسيقى! هذه ليست مزحة، إنها حقيقة، فالأبقار في الدنمارك تدر الحليب وبشكل جيد حيث تبدأ الموسيقى بالعمل، شرط ألا تكون هذه الموسيقى صاخبة، ويجب أن تكون متنوعة على مدى الأسبوع. الموضوع الآخر، وهل رأيتم في حياتكم النباتات والعشبيات والأزهار في (ديسكو راقص) مثلاً.. إن النباتات والورود على سبيل المثال في إحدى مزارع هولندا الشهيرة بالورود، وفي الحقل المغلق توضع الموسيقى وتختلف بين الليل والنهار، الشتاء والصيف ولهذا نراها جميلة متفتحة وحياتية. إحدى الطرف الحقيقية في مكاتب العلاقات الاجتماعية وبعض عيادات الطب النفسي ينصحون الزوجين(في موضوع ترتيب حياتهم) أن يتوقفوا عن مشاهدة التليفزيون لمدة يومين على الأقل بالكامل والاستماع للموسيقى (بصمت) ولو لساعة واحدة، ولعل المثال الأكبر على صحة وعلمية العلاج بالموسيقى هو ما تقوم به كل الأمهات بغنائهم الخافت وبالنغمة الرقيقة لطفلهم قبل نومه، والتي أثبت علمياً أن تهليلة الأم لطفلها قبل النوم أولى وأقدم تجارب التنويم المغناطيسي والعلاج الطبي بالموسيقى.