الأحد 27 نوفمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

صياد الموتى

صياد الموتى
30 أكتوبر 2014 00:12
لينا أبو بكر كان (حمّو) صياد جثث ماهراً، يصطاد الموتى بسنارة السمك، في المهدية عند مصب نهر سبو الذي يلقي حمولته في الأطلسي، ويذهب بها بعيدا إلى مقبرة البحر، حيث لا يمكن التقاط الروح سوى بتحضيرها في منزل جاره (الطارو قاسم)، الذي قضى عمره وسيطا بين الموتى وقرنائهم ممن ظلوا على قيد البكاء! البحر أصبح حملا ثقيلا على (هجيرة)... لم تعد تطيق عليه صبرا، وقد اكتظت خلية الأرامل بعباءات الحداد في دُوّار قصبة مهدية إثر حوادث الغرق التي لا ينجو منها سوى الأثر المفقود. حديث البحر دائما ما يكون حديث موت، وفي كل الأحوال لا يمكنك تجنبه، أو الفرار من ثرثرته التي غالبا ما تحمل نذير شؤم.. ولكن المعضلة الحقيقية في كون الحقد على البحر غير كاف للانتقام منه، وكل محاولاتها الحثيثة لإقصائه عن عتبة دارها تبوء بالفشل، مادام (حمو) يأتي إليها به كل عشية ولا ينفك يطارحها صحبته القسرية، فيجن جنونها: علاش هكا تظل حداه، طلعتلي الدم لي الدم، صافي، بصاح! - واخه، نداري اللي نبغيه. راسك قاصح - وإنت قلبك هشاش ما كاين تا واحد حتى الدراري يهدروا عليك ... - هدره خاويه وأنت مبسوط مع راساتك. هذا شأنهما، حين يعود من هناك، وفي شباكه الخاوية جثة ما بارحت سنارة يده، فما أن يشقشق الفجر، حتى يعيد الكرة، إنه الموعد المقدس مع البحر، الذي لم يخلفه منذ عشرين عاما... (2) اعتاد مصطفى أن يشرب الأتاي مع أمه قبل أن يهم بالمغادرة متوجها لرحلة الصيد مع رفاق البحر، بعد أن يتبادلا الأحاديث الصغيرة المسلية، والمداعبات اللطيفة لأمه التي كانت ترقيه بآيات قرآنية، وتقرأ دعاء السفر وتقرؤه إياه، وهي ترتجف عليه خوفا وحنينا ... فما أن يقترب من عتبة البيت حتى تنتابها نوبة بكاء حار وكظيم، يزلزل الأفق ليخرج الشمس من خباء الغسق، على وقع نداءاتها المتوسلة لله بأن يعود ابنها سالما وغانما من هذه المعركة الأزلية التي لم ينتصر بها أحد سوى الانتظار أو الوداع!. - لن تذهب! = «ماشي شغلك»، تنحي عن طريقي، مصطفى ربما يعود اليوم، من يدري! - مصطفى لم يعد من عشرين عاما، ولو أراد أن يعود لفعلها دون أن يضطرنا لانتظاره كل هذا العمر .. = تيأسين ! - بل أتجرع مرارة الأمل وأنا موقنة من لا جدواه، يا حمو، أتظنني اقتنعت برحيله، إنني مثلك أنتظره، ولكنني لا أصاحب من خطفه!. وهذا هو شأنهما أيضا صبيحة كل انتظار... «البحر مصدر رزقنا، وعلينا أن نجاهد في سبيل هذه الرزقة، ولو اضطررنا للموت افتداء لها، نحن شهداء أرزاقنا يا أمي» .. هكذا يأتي صوته إليها، كالصدى البعيد من ذاكرة لم تمح، أو يشوبها التشويش، لم يزل الصوت طازجا، ألوفا، ومهدهدا، ولكنه مع تقادم الحزن وافتراس الحنين يقسو ويقسو، كأنه مرسل من بطن حوت، يرقد في خزانة الملابس،التي اعتادت هجيرة كيها وغسلها كل يومين أو ثلاثة!. (3) عثروا على جثة جارنا عبد الرحمن على شاطئ القنيطرة، بعد أسبوعين من غرقه، ارتاح قلب أمه، يا لسعادته، حين يستريح موته! حمو لا يلام، فقبل أيام غرق قارب يقل مجموعة من الصيادين، من بينهم أحمد ابن رشيدة بائعة السمك، مما اضطر أمه لهجرة الدكان، وقضاء النهار على شاطئ المهدية تنقب عن أثر أو جثة حتى أشفق عليها البحر فرمى إليها قطعة منتوفة من ثياب الصيد... اقترح عليها حمو اللعين أن يتوجها إلى بيت الطارو، عله يستطيع مساعدتها بتحضير روح ابنها، والحديث إليه للاطمئنان على جثته، وقد استجابت للعنته دون تردد .. - قاسم ...لقد أتيناك بأثر من أحمد، فمتى نبدأ؟ = «غدوة» سأعد العدة وأجهز غرفة تحضير الأرواح، فنجتمع ثلاثتنا على ألا تفسد هذه المرأة جلسة التحضير بالبكاء والشهيق، فروح الميت لا تحتمل الضجيج، قل لها أن تستنفذ كل دموعها وتعصر عينيها حتى آخر قطرة قبل دخول داري! انتظرت أم أحمد لقاء ميتها بصعوبة بالغة، فكأن الدهر مر ولم يفلح بتجفيف مآقيها، غير أنها تماسكت لما هددها الطارو، ووعدته متوسلة ومتذللة، مطمئنة إياه أن خوفها سيخرسها، ويحجر مجرى الدمع في حضرة الروح. - (بصاح تسأليه عن مصطفى) ربما التقاه هناك... سأخبرك ببعض أوصافه عله يهتدي إليه بها.. = ما تقلقيش يا هجيرة... سأفعل عندما أتمكن من محادثته. الغرفة مظلمة وخاشعة ومتأهبة، شموع تبدد وحشة العتمة، وتفاقم من وطأة الموت، أرواح تتراءى كطيوف شبحية تتأرجح وتتلوى فوق طاولة التف حولها الثلاثة وهم متشابكو الأيدي، ومغمضو الأعين، على وقع شعوذات غامضة يتلوها الطارو لاستحضار الميت، من بينها جمل وعبارات قالها أحمد لأمه التي زودت المشعوذ بها كي تعينه على إتمام مهمته... - ما اسمك؟ = اسمي مصطفى. - أين أنت الآن؟ = في خزانة ملابسي أبدل جثتي.. - ماذا تريد أن تقول؟ = قل لأبي (حمو ) إنه اصطاد الجثة الخاطئة، فعثر على البحر في دار أمي!
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©