صحيفة الاتحاد

الإمارات

"أفلام من الإمارات".. وعد متجدد لسينما محلية

إبراهيم الملا:

بعد مرور ست سنوات على ولادتها وخروجها كمشروع فني حافل بالرؤى والأخيلة والتجارب النوعية، فإن مسابقة رصينة ومتوهجة مثل ''أفلام من الإمارات'' مازالت تسعى لتجويد وتطوير فضاءاتها البصرية والحفاظ في ذات الوقت على خصوصيتها كتجمع سينمائي محلي يتقاطع مع المحاولات السينمائية الرديفة في الخليج والوطن العربي وما يوازيها من تظاهرات ومهرجانات عالمية تتسم بالاستقلالية والبعد عن الشكل الدعائي والتسطيحي الذي طالما ارتبط بالسينما التجارية وجعلها رهينة لعولمة الترفيه، أو عولمة (البوب كورن سينما) إذا صح التعبير !

هذا الشكل التسطيحي للسينما ساهم أيضا وبشكل وحشي في إبعاد صفة الفن والأصالة عن هذا المنجز البصري والإنساني الذي تعرض مؤخرا لظلم فادح من قبل أباطرة الفن الاستهلاكي والسلعي والدعائي، والذين وجدوا في الشكل التثقيفي والتنويري للسينما ما يشبه العبء الثقيل والمضاد لأيدلوجية الربح وهوس المنفعة الاقتصادية، وما يدخل تحت عباءتها من تنميط للذوق الجماهيري العام·

قد تكون مسابقة أفلام من الإمارات - والحال هذه - إحدى التظاهرات القليلة والناجية في العالم العربي التي اختارت ومنذ البداية أن تنحاز للجانب الإبداعي في الصورة، من خلال إطلاق هذه الشرارة السينمائية الأليفة والمعبرة عن المكان من دون ادعاء وتضخيم ومبالغة، وكان المجمع الثقافي في أبوظبي هو حضن هذه الشرارة ومنبعها الأساس، وكانت الأفكار النوعية والتضحيات الذاتية للشاعر والسينمائي الإماراتي مسعود أمرالله آل علي هي وقود هذه الشرارة و مصدر اندفاعاتها المؤمنة بالصورة، والتي أطلقت بعد ذلك كل هذا الصهيل البصري للأسماء المبدعة والمجموعات الفنية التي بقت وما زالت تشكل وبجهود خالصة ما يمكن أن نسميه الملمح الأولى لهيكل البناء السينمائي في الإمارات·

البرامج المصاحبة

أسماء مثل وليد الشحي وهاني الشيباني وعبدالله حسن وعمر إبراهيم ونواف الجناحي وخالد المحمود وجمعة السهلي وحمد الريامي وسعيد سالمين وفاضل المهيري ونايلة الخاجة وأحمد زين وغيرهم، هي أسماء إخراجية لصيقة بهذه المسابقة، وهي بشارات ماثلة في المشهد السينمائي المحلي، وهذا الحراك المتقد الذي ساهمت مسابقة أفلام من الإمارات في توجيهه نحو الوعي بدور الصورة وتأثيرها القوي والملحوظ أدى أيضا لخلق منظومة سينمائية محلية لم تقتصر على الإخراج وحده بل امتدت إلى حقول أخرى ككتابة السيناريو والتصوير والمونتاج والإضاءة والصوت وغيرها من الحقول التقنية الداخلة ضمن مرادفات العمل الجماعي القادرة على خلق ''حالة سينمائية'' و ''ظاهرة مشتركة'' نشأت على أثرها مجموعات فنية تتشارك وتتقارب ذهنيا وروحيا، وهذه الرفقة أو الصحبة السينمائية أدت لولادة مجموعات مستقلة مثل '' البعد الرابع'' و ''انعكاس''و''فراديس'' و ''صقر الصحراء'' و ''الرؤية السينمائية'' وغيرها من المجموعات المتحمسة لرؤاها والمشكّلة لهذا التنوع الفكري والإبداعي على خارطة الفيلم في الإمارات وما يحويه من حقول وتجارب متعددة·
ولابد للمرء هنا أن يشيد بالبرامج المصاحبة التي تحمل ثيمة معينة في كل دورة من دورات المسابقة، ولا شك أن مثل هذه البرامج توفر فرصا ذهبية لمشاهدة أعمال سينمائية عالمية نادرة لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر، فمن ''السينما التجريبية'' و''السينما الشعرية'' ووصولا لسينما التحريك وأفلام الموبايل و''سينما الطريق'' المعنون كثيمة أساسية للدورة القادمة، فإن هذه البرامج معنية في الأساس بفتح منافذ بصرية وفكرية جديدة أمام السينمائيين الشباب في الإمارات وخلق ما يمكن أن نسميه بالحساسية الإبداعية التي تعلي من قيمة الفن السينمائي واستفادته من الفنون المجاورة كالتشكيل والمسرح والرواية والشعر، كما أن هذه البرامج مفتوحة أيضا على أفق شاسع من التجديد والابتكار والتعرف على التطورات والإبدالات التي لامست هذا الفن العريق الذي يخاطب البصر مباشرة ويغوص بعدها في بحر من التأويلات والمباهج والذاكرات التي تمور وتتماوج في عمق البصيرة وفي مداها الأقصى الذي لا يجف ولا ينتهي ولا يتبخر·
وعطفا على كل ذلك فإن استحداث المسابقة الخليجية ومسابقة الفوتوغراف أشاع نوعا من الزخم والتفاعل والتلاحم بين التيارات والفنون البصرية المتوازية والمتداخلة في القيمة والمعنى·

سينما الطريق

ولمعرفة تفاصيل أكثر حول الدورة السادسة من مسابقة أفلام من الإمارات والتي تقام في الفترة من 7 إلى 13 مارس من العام الجاري التقت ''الاتحاد'' بمسعود أمرالله آل على مدير المسابقة الذي أشار إلى أن هذه المسابقة ما زالت تحتفظ بركائزها الأصلية تحت مظلة هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وبدعم واضح من وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وهي الركائز المتمثلة في مسابقة الأفلام الإماراتية بنوعيها الروائي والتسجيلي، وكذلك بدخول المسابقة الخليجية عامها الثاني، بالتوازي مع مسابقة الصور الفوتغرافية، وجائزة أفضل سيناريو وجائزة أفضل موهبة إماراتية واعدة، والمقدمة من مهرجان دبي السينمائي كتقليد سنوي يوضح رغبة التظاهرات السينمائية المحلية في التواصل والمشاركة·
وفي سؤالنا لمسعود أمرالله عن طبيعة الأفلام التي يحويها البرنامج المصاحب والمعنون بـ: ''سينما الطريق'' أشار إلى أن هذا العنوان أو الثيمة السينمائية لهذه السنة تعبر عن رحلة الإنسان في الحياة وعن أسفاره الداخلية والفيزيائية، وبجميع أشكالها وتصانيفها الجسدية والروحية والذهنية، فمفردات السفر البصري يمكن أن تتمثل في سينما الطريق من خلال الرحلة، التجوال، الهيام، الترحال، البحث عن الآخر، البحث عن الذات، البحث عن عالم خيالي، افتراضي، أو حقيقي··· سينما الطريق للعبور من مكان إلى آخر: الحدود، الحواجز، العقبات، البحار، الفضاءات، المسافات، الهجرة··· سينما الطريق للعبور من/إلى الحياة: رحم الأم، إلى الموت/القبر، مواكب الأعراس، جنازات··· سينما الطريق سياسياً: مسيرات، تظاهرات، تجمّعات، ثورات، غزوات، انسحابات··· سينما الطريق في القطارات، البواخر، الطائرات، الاتصالات القديمة/الحديثة، المحطات: التوقف، التبديل، الاستراحة، التقاطعات··· سينما الطريق في التشكيل، التجريب، الفيديو آرت، التحريك··· سينما الطريق لاكتشاف العالم، طرقه، تقاطعاته، جغرافيته، شعوبه، أعراقه··· الخ·

وعن جديد المسابقة في هذه الدورة أشار ''مسعود أمرالله'' إلى استحداث جائزة أخرى في مسابقة الفوتغراف مخصصة لأفضل صورة معبرة عن مدينة ''أبوظبي''، وهناك أيضا زيادة ملحوظة في عدد الأفلام الإماراتية المنافسة على الجوائز وكذلك الأفلام المعروضة على هامش المسابقة وفي البرامج المصاحبة، وهناك قفزة ملحوظة في عدد الأفلام العمانية والكويتية مقارنة بأفلام العام الماضي، كما أن هناك مشاركة مكثفة للأفلام الآسيوية من كمبوديا والفلبين واندونيسيا واليابان وتايلاند وسنغافورا، ووجود هذه الأفلام يدخل ضمن رغبة المسابقة في التعرف على السينمات المجهولة وعرضها على المخرجين الإماراتيين الشباب للتواصل والانفتاح على التجارب والتيارات الأخرى التي يحتضنها فن السينما المشرع دائما على أفق البحث والتجريب والتواصل الحضاري بين الشعوب·