الاتحاد

ألوان

«زايد التراثي».. مدرسة الأصالــــة لكل الأجيال

أحمد السعداوي (أبوظبي)

يتضمن المهرجان عدداً كبيراً من الأنشطة، أتاحت الفرصة للأجيال الجديدة للتعرف إلى نماذج من تاريخ وعادات وتقاليد الأقدمين بأساليب جذابة، في حضور أولياء أمورهم الذين حرصوا على مشاركة أبنائهم هذه الدروس العملية في تراث وتاريخ الأجداد عبر ورش العمل الحية والالتقاء بخبراء التراث الإماراتي بكل مجالاته والاستماع إلى شروحاتهم ومحاورتهم عمّا يقدمونه من إبداعات تراثية وحرف تقليدية عريقة مثلت أمام الجميع نافذة حية على حياة أهل الإمارات في الزمن القديم، يتعلم منها أبناء الإمارات في العصر الحديث الكثير من المبادئ والقيم والأفكار التي تحمي الهوية وتعزز قيمة الوطن وتعلي مكانته في النفوس.

الأصول والجذور
ويقول علي الحمادي، الذي جاء إلى المهرجان مصطحباً أبناءه الثلاثة محمد «12 سنة»، وعمار «9 سنوات»، وحمدان «6 سنوات»: إنه يعتبر المهرجانات التراثية من أفضل الفعاليات التي تنظم داخل الدولة لأنها تحمل شكلاً إماراتياً خالصاً يعود بنا جميعاً إلى أصولنا وجذورنا بعيداً عن ملامح الحياة العصرية التي صارت تحاصرنا في كل مكان، فتصبح العودة إلى الأصل هي الحامي للهوية وسط الأنواع الكثيرة من الثقافات والأفكار التي نعيش بينها، ومن أكثر ما يميز هذه الفعاليات التراثية، خاصة مهرجان الشيخ زايد التراثي، أنه يقدم للأجيال الجديدة وجبة معرفية تراثية غنية، وفي مساحة زمانية ومكانية محدودة، ما يرفع من قيمتها ويكسب صغارنا معارف كثيرة عن الحرف وأساليب الحياة التي كان يمارسها أجدادهم منذ مئات السنين وحتى منتصف القرن الماضي تقريباً.
فيما عبر ابنه محمد، عن سعادته بزيارة المهرجان، لكونه في صحبة والده الذي أخذ يشرح له ولأخوته كثيراً من المفردات التراثية والأمور المرتبطة بالبيئة الإماراتية القديمة لم يكونوا يعرفون عنها من قبل مثل الأفلاج والطوي، وكذا الاستخدامات الكثيرة جداً للنحيل ومنتجاتها، بحيث أدرك أن للنخيل فوائد متنوعة في صناعة كثير من الأدوات التي استخدمها الآباء والأجداد، وليس فقط نستخرج منها التمر وبعض الاستخدامات البسيطة، كما كان يعتقد.

ركوب الهجن
وبدا عمار مبتهجاً وهو يسرد حكاية ركوبه الهجن للمرة الأولى في الساحة المخصصة، لذلك ضمن فعاليات المهرجان، رغم أن والده حاول تشجيعه على خوض هذه التجربة أكثر من مرة، ولكن الأجواء الجميلة في المهرجان ورؤيته لعدد كبير من الصغار قاموا بركوب الهجن أمامه شجعه على ذلك، وقام والده بالتقاط صورة له تحفظ هذه الذكرى الجميلة في المرة الأولى التي يعيشها بصحبة والده وأشقائه، متمنياً أن يقوم بتكرارها مستقبلاً حين يلتحق بأحد المراكز التراثية في الدولة خلال العطلة الدراسية المقبلة.
عبدالله السويدي، كان يجول بين أجنحة المهرجان في أمسية شتوية رائعة برفقة أبنائه الثلاثة «محمد 8 سنوات»، ومريم «7 سنوات»، وسعيد «5 سنوات»، أشاد بهذا الزخم من الفعاليات التراثية التي يضمها المهرجان، فضلاً عن طول فترة إقامته التي قاربت الخمسين يوماً، ما أتاح لأولياء الأمور لترتيب أكثر من زيارة مع أبنائهم إلى هذه المدرسة التراثية الفريدة التي يتضمنها المهرجان بسبب وجود عدد كبير من الخبراء التراثيين وأصحاب الحرف القديمة الذين يشرحون للجميع عن هذا الإرث الثمين للشعب الإماراتي الذي نعتز به ونضعه تاجاً على رؤوسنا سيراً على نهج المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، «طيب الله ثراه»، حين قال: «من ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل»، ولذلك يتوجب على كل ولي أمر أن ينتهز فرصة إقامة أي حدث تراثي، خاصة إذا كان بضخامة وروعة تنظيم مهرجان الشيخ زايد التراثي، ويصحب أبناءه في هذه الرحلة الجميلة التي تعرفهم على نزر يسير من زمن الأقدمين.

زيارة عائلية
وأوضح السويدي، أن من أكثر ما أعجب أبناءه منطقة الألعاب الشعبية المقامة بجوار جناح مجلة ماجد، كونها نقلت لهم وسائل التسلية والمرح التي كان أهل الزمن القديم يستخدمونها وكيف كانت مفيدة لهم بدنياً وذهنياً قياساً إلى الكثير من الألعاب الإلكترونية الحديثة، وتلك المتوافرة في المراكز التجارية، وبالفعل قضى أبناؤه وقتاً ليس بالقصير في منطقة الألعاب الشعبية، وطلبوا منه أن يرتب لهم زيارة أخرى للمهرجان قبل انطلاق العطلة المدرسية وهو ما سيعمل على تحقيقه لهم بإذن الله.
زيارة عائلية إلى المهرجان من نوع آخر، تلك التي قام بها عبدالله حسن الشامسي، مع شقيقه محمد وأحمد، مبيناً أنه من الزوار الدائمين للمهرجان، وفي كل عام يشد الرحال إليه أكثر من مرة خلال الموسم الواحد، وبالتالي كان لزاماً عليه أن يأتي إليه برفقة أشقائه حتى يخرجوا في نزهة مميزة يطالعون من خلاله كيف يتم الاحتفال بماضي الأقدمين بهذا الشكل الرائع، وكيف أن السائحين من أنحاء العالم حريصون على معرفة تاريخنا وتراثنا، لكونه تراثاً غنياً ومملوءاً بالمكونات التي تجعلنا نعرف قيمته ونحرص على التمسك به، خاصة أن كثيراً من هذه المكونات صارت تحمل قيمة معينة وصار بعضها مدرجاً ضمن تراث البشرية بحسب تقييمات منظمة اليونسكو، مثل عروض الحربية، وفنون السدو، والصقارة.
وعن الصقارة، يقول شقيقه محمد: إنه يعشق الصقور مثل سائر الإماراتيين، ويتمنى أن يعرف أكثر عن عالمها وكيفية تدريبها واستخدامها في عمليات القنص، وهو ما سيسعى إليه لاحقاً حين يخرج مع شقيقه وأقاربه في رحلات القنص ليتعلم بشكل عملي هذه الهواية العربية الجميلة، وإن شاء الله سوف يتمسك بها حين يكبر ويعمل على تعليمها لأبنائه مثلما يفعل آباؤنا الآن في حرصهم على تعريفنا بالكثير من الحرف والهوايات التراثية، وأساليب الحياة القديمة من خلال زيارة المهرجانات التراثية المختلفة والمشاركة في الأنشطة الصيفية التي ترسخ فينا مبادئ التراث.

دروس في التاريخ والتقاليد
سيف البلوشي، موظف حكومي، وكان رفقة أفراد أسرته، أكد أن المهرجان يعتبر أفضل وسيلة للربط بين الأجيال؛ لأنه يشجع الجميع على زيارته لتنوع فعالياته التي تناسب كل أفراد الأسرة والأجواء الرائعة التي أقيم فيها الحدث التراثي خلال العطلة المدرسية، وبالتالي اصطحب كثير من أولياء الأمور أبناءهم لمعرفة تاريخ بلدهم بشكل مباشر، ومن خلال المختصين والخبراء التراثيين، الذين لم تبخل الدولة في توفير كل سبل الدعم لهم.
وقال: هو ما رأيناه عبر إقامة ورش عمل تراثية مختلفة، جعلت الصغار يتعرفون إلى أنواع الحرف القديمة وقدرة الأهل في السابق، على استخدام المكونات البسيطة للبيئة وتطويعها فيما يفيدهم، وهو درس عملي لكل الأجيال للاستفادة من النعم التي وهبنا الله إياها في وطننا الغالي من أمن وسلام ودعم أولي الأمر لنا في كل النواحي، ما يدفع الأجيال الجديدة لبذل كل الجهد للمحافظة على مسيرة النجاح والتطور، اعتماداً على ما تركه الأقدمون لنا من إرث غالٍ.

مراحل في مسيرة الإمارات
عبدالله علي «16 سنة»، طالب بالمرحلة الثانوية بمدرسة الحصن بالشامخة، أوضح أنه جاء إلى المهرجان بصحبة أهله، كونه من الفعاليات المهمة الواجب على كل إماراتي زيارتها؛ لأن كل ما فيه يذكرنا بماضي الأجداد، ويعرفنا بالكثير من المعلومات عن تاريخ بلدنا الحبيب، خاصة في جناح ذاكرة الوطن، الذي يعبر بشكل بسيط وبأساليب علمية حديثة عن أهم المراحل في مسيرة الإمارات منذ ما قبل الاتحاد وحتى الوقت الحاضر، كما يتناول محطات مهمة، تعرفنا إلى دور القيادة الرشيدة في تأسيس دولتنا الغالية، ما يجعلنا نفخر بكل ما قدمته إلى الشعب الإماراتي من إنجازات تحفز الأجيال الجديدة على تقديم المزيد من العطاء لوطننا».

«زمن لوّل»
يقول الوالد، خلفان سيف الكلباني: إن تنظيم مهرجان الشيخ زايد بهذا الشكل الرائع جعل منه مدرسة مفتوحة للجميع خاصة «اليهال» (الأطفال باللهجة المحلية الإماراتية)، الذين يطالعون وسائل الحياة التي استخدمها أجدادهم «زمن لؤل»، وكيف تعب الآباء والأجداد حتى صارت الإمارات دولة راقية بهذا الشكل الذي نراه ومن خلاله حصدت الأجيال الجديدة تعب ومجهود عشرات السنين دفعها الأقدمون من أعمارهم وأرواحهم.
وأشار الكلباني، إلى أنه يزور المهرجان بانتظام منذ انطلاق دورته الأولى قبل 7 سنوات تقريباً، ويتفاجأ كل عام بأنه صار أكبر ضخامة وأكثر احترافية، وأكثر ما ميز النسخة الحالية وجود عدد كبير من الدول تعرض منتوجاتها التراثية وبعض من حرفها وأساليب الحياة التقليدية فيها، إلى جانب التراث الإماراتي، والاستمتاع بالتنظيم العالي المستوى للمهرجان الذي يعكس جزءاً من إنجازات ونهضة الإمارات التي حققتها في كل المجالات، ومنها تنظيم الفعاليات الكبرى وإخراجها بهذا الشكل الجميل لكل من يراه، موضحاً أن هذا التعدد الثقافي في المهرجان يحمل فائدة أوسع للزائرين، خاصة صغار السن الذين يطالعون ثقافات الدول الأخرى ويدركون قيمة النهضة التي حققتها دولتهم في فترة زمنية قصيرة.

اقرأ أيضا