الاتحاد

الملحق الثقافي

ثورة الصبّار

عماد جانبيه

عماد جانبيه

يجمع الكاتب والصحافي اللبناني نصري الصايغ في كتابه الجديد “مصارع الاستبداد في الثورة والديمقراطية.. والإسلاميين” عددا من مقالاته التي نشرها في الصحف، رغم اقتناعه “ان من طبائع المقالات، أن تنشر في الصحف، وأن تكون متحررة من الأسر، وأن تذهب بحرية الى القارئ، فيقرأها، ثم ينصرف الى متابعة أموره، مزوّداً بمعرفة آنية، أو رأي عابر، أو تحليل منحاز، وإن كان يدعي الموضوعية”. ويضيف “ولأن الكتاب أكثر ديمومة من المقالة، كنت أفضل أن يستقل بذاته، وأن يكون نصه وليد تأليف النصوص، تستطيع الصمود أكثر. الكتاب يولد من رحم آخر، ولا يمت الى عائلة المقاومة”.
ويشير إلى إن ما أقنعه “في جمع هذه المقالات، بعد تعب الانتقاء والحذف والإهمال والإسقاط، أن ما كتبته في الجرائد اللبنانية ما بين 2009 و2012، التمس أسلوباً جديداً. خرج عن الخط الكلاسيكي للمقالة، واختار أن يجعل من القلم، كاميرا لاقطة، مع مجموعة من المؤثرات اللغوية، التي تحاكي لغة العقل وصور المخيلة وجرأة الانفعالات. هذا الجديد، أصاب أحياناً، أخفق أحياناً، ولكنه حمل قراءة مختلفة ومتعددة تتعمد أن تحاكي العقل وأن تمس في الإنسان إحساسه ومشاعره”.
يذكر المؤلف الصايغ انه كتب عن محمد بو عزيزي الذي ينتمي الى الصبار. فلماذا سميت ثورة تونس باسم الياسمين؟ أتقليداً للثورات الأنيقة، كالثورة البرتقالية أو الثورة المخملية؟ أتأثراً بغرب يستبدل إنساننا وقضايانا، بتواريخ وأرقام محايدة، وأنواع من النباتات الراقية؟
هي ثورة الصبار...
لم تكتب حياة بوعزيزي من ورود. طريقه لم يعشب فيه ياسمين. بيته جار للصحراء، وفي صحراء بلدته ينبت الصبار. هكذا يولد الصبار في الأرض العاقر، في التربة القاسية، تحت سماء بلا غيوم... يولد الصبار من شقاء الطبيعة. يعلو بقامته ويفتح كفيه بصيغة الجمع، يستقي من الشمس الحارقة كلوروفيل الماوية. يصمد ويصمد ولا يتألم. ينفجر ثماراً شائكة، ولبلوغها مشقة الجرح، وقطافها محفوف بالأشواك.
يشير الى الصبار ينتمي الى بو عزيزي، عندما دخلت كاميرا “الجزيرة” منزله، كان مجللاً بالفراغ. الجدران فارغة. السقف فارغ.. وأمام باب البيت، عربة الخضار والفاكهة، متكئة على جانبها، كالقتيل الذي سقط للتو بعد إصابته في الجبهة... عربته الفقيرة، شهادته الجامعية الحقيقية. شهادة الدراسة غير صالحة للاستعمال، والجامعة مصنع عاطلين عن العمل، بلا توقف.
لم يكن بو عزيزي بياع ورد وأحلام. كان بياع صبار. كل بضاعته تشبه تلك النبتة العاصية والشحيحة. يبيع ليأكل. نقوده عربته يجنيها بعرق الكرامة وندرة المنتوج... كنا، قبل بو عزيزي، نصدّق يأسنا. كنا نطمئن الى “أن لا حول ولا قوة”. واحتلنا على قعودنا بتبرير وتحليل ونتائج مبرمة: “هذه أمة لا تغير ما فيها”. كل ما عداها يتغير. كل من حولها يتحول. وحدها في محيطها، من سلالة المتحجرات والمومياءات والمستحثات.
أمة، اكتشفت أسرار التحنيط السياسي، وعاقرته لتخلد قادتها في الحكم كآلهة ، لا يدانيها اعتراض، من أي جهة.
من أسرار التحنيط السياسي، القبض على السلطة بكل الوسائل. بالقوة دائماً، بالإقناع قليلاً، بالمنفعة دائماً، بالإرهاب إجمالاً، بالقمع تواتراً، بالسرقة حراما، بالإعلام ترويجاً، بالانتخابات تزويراً، بالنهب أبداً، بالاستتباع عبيدا، بالأمن شعاراً، ببيع الشعب أوهاماً.
وعليه، تصادر المؤسسات، يباح المال العام للخاصة من أهل وزبانية، توضع اليد على الأجهزة. تفرّغ المواطنة من حضورها. توظف التنمية لاستكثار السلطة والتبعية... وعليه كذلك، فإن منطق التحنيط بحاجة الى مسحوق ثقافي حيوي، فيتم لملمة مثقفين ونخب وكتاب وفنانين للترويج لعبقرية القيادة. التي لا يأتيها خطأ من أي جانب.
وعليه فإن السلطة تضع شعبها أمام خيارات براقة، مدفوعة الثمن: الاستقرار بديل عن الديموقراطية. الأمن بديل عن الحرية. القمع بديل عن الفوضى. السلطة بحاجة الى الصمت الشعبي. ويكتمل التحنيط، بتصوير السلطة بالخوف منها، فهي مدججة بوسائل النميمة والقمع والتعذيب والاعتقال والقتل... ولأن الشعب، كما تظن السلطة، عجينة تصنع منه خبزها وخيرها، فإنه موعود بأن يظل على قيد الحياة، بلا حياة، بشرط أن يكون مطيعاً... أن يكون قطيعاً... يساق إلى بؤسه برضاه.
انها من احدى “مقالات” كتبها نصري الصايغ، بصوت مرتفع، ونشرها في جريدة “السفير” في السنوات “الثمان” التي شهدت اندلاع “الثورة العربية الديمقراطية” فأطاحت بأنظمة استبدادية وهددت استباحها في الدول العربية.
ليست هذه الكتابات رصداً أو وصفاً أو تحليلاً لأحداث جديدة ومبتكرة وتأسيسية، وهي ليست مصاغة وفق النهج الكلاسيكي في كتابة المقالة. فالحدث التاريخي الجديد، يستلزم لغة جديدة وأساليب تعبير جديدة، تمزج ما بين الواقعية الشديدة من جهة وتأثيراتها النفسية واستطاعاتها الانفعالية من جهة ثانية.
الجديد في هذه الكتابات، أن الكاتب لم يذهب الى الموت مزوداً بترسانة من الأفكار والعقائد والمدارس الفلسفية والاجتماعية، بل اكتشف فيها ما يجب أن نتعلمه منها، وما يجب ان نضيفه الى معارفنا. فالثورة التي أطاحت بالاستبداد ، لا تشبه أي ثورة فيها، ولم تولد في أي نظرية ثورية.

اقرأ أيضا