تقارير

الاتحاد

واشنطن وبكين... والتهدئة الحرجة

عندما قررت شركة جوجل الانسحاب من الصين في الشهر الماضي بعد القرصنة التي تعرضت لها شبكاتها أعلنت إدارة أوباما بنوع من الصخب أنها ستتقدم بشكوى رسمية إلى بكين احتجاجاً على ما جرى، ووقتها عبر الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض، روبرت جيبز، عن غضبه تجاه الصين قائلا: "إننا نريد إجابات محددة"، ولكن بعد وقت قصير اختفت اللهجة التصعيدية وتراجع الاحتجاج الدبلوماسي الذي سحب بسرعة من التداول، ومع أن المسؤولين الأميركيين أثاروا الموضوع مع نظرائهم الصينيين في لقاءاتهم الخاصة، إلا أنهم لم يوجهوا الخطاب الدبلوماسي المكتوب كما كان متوقعاً! والحقيقة أن هذا التخفيف من حدة التصعيد شكل مثالا بارزاً على الطريقة التي انتهجها البلدان في الفترة الأخيرة للحد من الأضرار الناجمة عن سلسلة من النزاعات الصاخبة التي ميزت السنة الجارية، فقد أدى التصادم حول مجموعة من القضايا المثيرة للجدل مثل تايوان والتبت وإيران وحرية الإنترنت وباقي القضايا الأخرى إلى تبادل عبارات الغضب والاستياء، كما أدى إلى تأجيل لقاءات كانت مقررة بين البلدين.

ولكن مع ذلك يبدو أن قادة البلدين مصممون على تدبير الخلافات الناشئة بينهم، بهدف تكريس تهيئة حرجة، على أمل الحفاظ على استقرار العلاقة الثنائية بينهما التي يراها الطرفان معاً ضرورية لأسباب اقتصادية وسياسية. وفي هذا الإطار حذرت بكين من "عواقب وخيمة" عندما أعلنت إدارة أوباما في الخامس من شهر فبراير الماضي بيعها أسلحة لتايوان تقدر قيمتها بـ 4.6 مليار دولار، فردت الصين بفرض عقوبات على الشركات الأميركية المنخرطة في صفقة بيع الأسلحة، كما ألغت تعاوناً عسكرياً بين الصين والولايات المتحدة، والسبب هو ما تعتبره الصين حقها في السيادة على تايوان وعدم أحقية الآخرين في تسليح خصومها.

ولكن الصين امتنعت عن إلغاء كامل للتعاون العسكري مع أميركا، وهي الخطوة المتطرفة التي ما كانت لتتردد أمام اتخاذها في الماضي، حيث اقتصر الإلغاء على اجتماعات مقررة بين الطرفين تاركة المجال مفتوحاً لاستئناف التعاون دون أضرار. وكانت تصريحات وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، قد أثارت ردة فعل غاضبة في بكين عندما استخدمت في خطاب ألقته حول حرية الإنترنت في 21 يناير الماضي معجماً يذكرنا بالحرب الباردة بتشبيهها للصين بالدول التي تسعى إلى بناء أسوار حول مواطنيها، حينها سارع المسؤولون الأميركيون إلى التوضيح بأن الخطاب لم يكن رداً على قضية جوجل ونزاعها مع الحكومة الصينية، بل كان مقرراً حتى قبل اندلاع الأزمة! وأضاف المسؤولون أن الخطاب أُعيد تنقيحه عدة مرات وخفف من لهجته حتى لا يبدو استفزازياً بالنسبة للصين. وقد سعى الصينيون أيضًا إلى الحد من تداعيات أزمة الإنترنت، إذ على رغم إدانة بكين لخطاب وزيرة الخارجية معتبرة أنه "خطابة إمبريالية"، إلا أن وزارة الخارجية الصينية سعت بعد ذلك بأيام إلى التعامل مع الموضوع على أنه مشكلة تجارية خاضعة للتفاوض بين الطرفين. وفي لقاء لاحق مع وزير الخارجية الصيني "يانج جيشي" اعترفت كلينتون بأن هناك وجهات نظر مختلفة حول مراقبة الصين للإنترنت! غير أن التوتر قد يشتعل مجدداً بين البلدين بعد اللقاء المرتقب بين أوباما والزعيم الروحي التبتي الدلاي لاما، وذلك على رغم الاحتجاجات الصينية على هذه الخطوة، بحيث تنظر بكين إلى أية إشارة دعم من واشنطن للتبت على أنها تشكل تحدياً سافراً لوحدتها الترابية.

ويسعى أوباما لتجنب النقد الذي وجه له في العام الماضي عندما تجاهل زيارة الدلاي لاما لواشنطن الموازنة بين إبداء دعمه للتبت وبين عدم إغضاب الصين بالذهاب بعيداً في هذا الدعم، ويرى المسؤولون الأميركيون أن اللقاء المرتقب مع الدلاي لاما لن يخرج عن إطاره الرسمي، ولن يتخذ الطابع الشخصي والحميم الذي كانت تكتسيه زيارات الدلاي لاما في عهد بوش الذي اصطحب الزعيم الروحي إلى مقر الكونجرس لتقلد نوطه الذهبي.

ومع ذلك يتوقع المراقبون أن تثير الزيارة استياء كبيراً في أوساط المسؤولين الصينيين مع احتمال إلغاء الرئيس الصيني، هو جينتاو، لمشاركته في قمة الأمن النووي التي ستعقد في واشنطن خلال فصل الربيع المقبل. ويخشى المسؤولون الأميركيون أنه على رغم المؤشرات العامة للتصالح بين البلدين والإحجام عن تصعيد المواقف ستبقى الصين أكثر حضوراً على الساحة الدولية بالنظر إلى قوتها المتنامية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وهو ما يدفع المسؤولين الأميركيين إلى التشديد على ضرورة توخي الحذر في العلاقات الثنائية بين البلدين حتى لا تتدهور الأمور، وقد عبر عن ذلك أحد كبار المسؤولين الأميركيين، رفض الإفصاح عن اسمه، قائلا "علينا التعامل مع الشعور القومي الصيني وتدبيره". ويبقى الهدف حسب المحللين الأميركيين الوصول بالعلاقة إلى مرحلة النضج التي تحدثت عنها هيلاري كلينتون في وقت سابق، والتي تسمح باستمرار العلاقات الاقتصادية حتى في ظل الصعوبات التي تشهدها مجالات أخرى في العلاقة، وخاصة أن العديد من مصادر التوتر "ليست جديدة" كما يقول "ويني تشين" الباحث في مركز التقدم الأميركي المقرب من الإدارة الأميركية.


بول ريشتر
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا