الملحق الثقافي

الاتحاد

محمد الثبيتي يتوارى خلف العناوين والقصائد

في بداية الثمانينيات ومع موجة ما عرف بالحداثة في تجربة الشعر السعودي، لاح في الأفق، وبدا محلقاً وبلغة مختلفة في تكوينها وفي فلسفتها. واختار ـ في زمن مفاهيم ثابتة للقصيدة وضمن مناخات تعول على الدرس الشعري ـ طريقته في أن يكتب الشعر ويخرج به من الحاسة الجمعية آنذاك، فانطلق ليكتب موجوداته وأشياءه القريبة متخففاً من مفاهيم الشعر تلك، ومنتهجاً طريقاً شعرياً خاصاً، وحالة من كتابة الشعر صارت سمة تدل عليه فيما بعد.

الشاعر السعودي محمد الثبيتي (1952 ـ 2011) رحل قبل أيام بعدما أسهم في تكوين ذائقة شعرية جديدة. صحيح أن الثبيتي كان يكتب طوال مشواره نصاً بأدوات تقليدية للشعر وضمن قصيدة التفعيلة أو الشعر العمودي كما في بعض قصائده، لكن الملفت أنه كان يضعنا أمام نص مختلف في رؤيته وفي حداثته حيث علاقته مع اللغة هي العلاقة الجديدة التي ترسم خيطاً شفافاً ينحاز للإبداع فقط، وينأى به عن أن يكون ضمن طابور الشعر الطويل في صفوف القول الشعري، وهذا يمكن أن نتبينه أكثر في تجربته “موقف الرمال” و “التضاريس” وقصائده الأخيرة التي لم تطبع مستقلة سوى في المجموعة الكاملة التي صدرت حديثاً بعنوان “بوابة الريح”، واشتملت على مجموعاته الشعرية كاملة بالإضافة إلى قصائده الجديدة.
بقي الثبيتي مؤثراًً في جيله وفي أجيال تالية من الشعراء الذين لم تختف بصمته من قصائدهم، وبعد زمن من ظهور قصائده هوجم الثبيتي وحورب على صعيد الاعتراضات على مفرداته من جهة واعتبارها خروجاً عن السائد الشعري والنمطية الشعرية من جهة أخرى، واستمر الثبيتي في ترسيخ حساسيته الجديدة للشعر وبلغة جزلة وقادرة على الدهشة.. دهشة الفن ودهشة الحياة المليئة بالحزن والإنسانية واجتراح مناطق الشعر الجديدة في تجربته، فنقرأه في قصائد باتت شهيرة ويتناقلها عشاق شعره: “تعارف” و”قرين” و”وضاح” و”الأوقات” و”الطير”... كما في تلك القصائد المدهشة في ديوان “التضاريس”. وسنلحظ استخدام الثبيتي لعناوين دواوينه بشكل حديث منذ وقت مبكر في زمن الحداثة الشعرية السعودية بالأخص، حيث لم يكن ذائعاً ولا مستخدماً تلك العناوين المنزاحة لغوياً أو التي تصف حالة شعورية ما كما لدى الثبيتي. فعناوين مثل “موقف الرمال” و”تهجيت حلماً.. تهجيت وهماً” وغيرها تشير إلى الحساسية الواعية والمبكرة والحالة الإبداعية التي عاشها الثبيتي. وحتى بعد أن توقف الثبيتي لمدة من الزمن، على الأقل عن الظهور الإعلامي، كانت قصائده لا تزال تبحث في حداثتها وجديدها وتنقب في ظمأه للغة واتساعاته في علاقته مع الأشياء دون مكنون سابق يستند عليه. بقي الثبيتي عاشق الشعر وعراب اللغة الجميلة وحامل الصحراء في عيون قصائده.. ليصبح للسراب لوحة ترسمها سواحله، وللرمال موقفها “بين المسالك والمهالك” ومكتحلاً ببهاء التضاريس في أبجديته و”نافذة تطل على السماء”.
في ما يلي شهادات عن تجربة الشاعر الراحل محمد الثبيتي:

فضاءات جديدة
يقول الدكتور صالح زياد: وفاة محمد الثبيتي خسارة للشعر السعودي، فهو أحد الذين حملوا القصيدة إلى فضاءات جديدة، وعمقوا فيها معاني الانفتاح على الحياة وصاغوا رموزها بطريقة مبتكرة ونابعة من وعي شديد الحساسية لواقعه ومولع بشهية التوثب والحلم والتشوف للمستقبل. دواوين محمد الشعرية وقصائده ثروة أمام الأجيال القادمة، وأمام الدارسين، وهي ليست على درجة عالية من الكثرة لكنها على درجة ممتازة من الخصوصية والتقطير والرؤى المستبصرة للرمل والحي والسفر الذي نامت عنه القافلة. أنا حزين لمعاناة الثبيتي المرضية في الفترة الأخيرة، وحزين أخيراً لخبر وفاته، ولكنني مغتبط بما تركه الثبيتي من معان فالمعنى لا يموت، ومعاني الثبيتي التي صنعها في شعره هي معاني تؤشر على البعيد والبهيج والحيوي.

وصفة خاصة
وقال الشاعر عماد عمران: ركب الشاعر الفذ محمد الثبيتي رحلته ذات الاتجاه الواحد. رحل برهة أبدية ودائمة وخرج منّا نقيا أبيض من غير سوء. من الذي سيحدثنا غدا عن البيد وأسرارها التي لا تبوح بها إلا له؟ من سيصغي لها ويجمع ذرات رملها ويرتبها وينفثها في صدورنا شعرا أنيقا فارها يملأ الأرجاء والذاكرة؟ لا يمكن لقارئ أن يمر على محمد الثبيتي ولا ينتبه أو يهتم له، وكأنه تجربة عادية ومحتملة، فهو استثناء كبير وبقدر ما هو عصي علينا أن نكرره، سيكون علينا أن نحفظ ملامحه جيدا ونستعيدها كل مرة تحين منا التفاتة وادعة إلى فلاة غاوية. عندما كان الراحل يأخذنا إلى الشعر كان يحمل معه مناخه وظروفه ومستلزمات تكوينه. كانت نصوصه وصفة خاصة لدهشة لا تزول بسهولة ـ وربما لا تزول أبدا ـ وتتسلل إلى مكامن المسلمات عندنا فتدك حصونها وتعيد تشكيل ثقافتنا. حبنا للشاعر محمد الثبيتي لم يتخلق صدفة حتى نتساءل عن أسبابه. هو ساقنا إليه سوقا وأثر فينا فانفعلنا به وتفاعلنا معه. سنبني للراحل تمثالا في أذهاننا وسنخلده سيمفونية لذيذة للجمال الذي تجلى في إرثه الشعري.
وتقول الشاعرة السعودية بديعة كشغري: لقد غيبه الموت بعد صراع اليم مع المرض، وقد كان صراعه قبل ذلك مع “قضية الحداثة” التي حورب من أجلها مثلما حورب الكثيرون في معركة مختلقة ومؤسفة في اواخر الثمانينيات، رحم الله شاعر الهديل وصديق الأطفال والنخيل الذي قدم للمكتبة العربية “بوابة الريح” و”عاشقة الزمن الوردي” كما تهجى حلمه وهما في “تهجيت حلما تهجيت وهما” كما رسم لوجه الوطن “تضاريسه”. لقد كان الثبيتي ذا صوت متفرد وشعرية عالية تميزت بالموقف والإنسانية.
ويرى الناقد السعودي عالي القرشي أن محمد الثبيتي علامة شديدة الضوء في مشهد الشعرية العربية الحديثة؛ وذلك بما حققه للرؤية الشعرية من ارتحال من الارتهان للمتطلبات الذاتية الآنية إلى أفق الرؤيا التي تستبطن التاريخ وتستنطق دلالات القريب من الذات، ليجلي الأفق المنشود، ويستكنه تضاريس الهزائم والألم، هذا الأمر الذي جعل النص لديه قرين الحرية في التشكيل، وأفقها في الغناء المبحوح ومن الملاحظات التي لاتخطئها العين أن الذات والنص عند الثبيتي ملتبسان أحدهما يفضي إلى الآخر، ولذلك فالعالم الشعري والنص قرينان، فعنترة الذي يحضر في نص الثبيتي ينتقل من وجوده التاريخي ليحمل هزائم الفارس العربي في ليل الهزائم، والفتاة التي تلوح في نص الثبيتي لا تلوح إلا لتكون أفق الرؤية والاستشراف وبوابة الحلم العربي.

مرثية قصيدة
وتكتب الشاعرة السعودية مها السراج مقطعا من قصيدة لمحمد الثبيتي: “كمَا تتوارى عيونُ الشَّفَقْ/ وتنهارُ من ورقْ/ ومثل أبنيةٍ حين تذوبُ/ إذا صهرتها رياحُ الأفقْ/ تداعَتْ لياليك خلفَ السكونِ/ ونامَتْ بقاياك في المفترَقْ” وتقول: آثرت أن أبدأ كتابتي عن الشاعر الراحل محمد الثبيتي بمطلع قصيدته “مرثية قصيدة” لأنني كلما قرأت له أجده داخل قصائده يمثل روحها وغموضها وهو الذي قال يوما أن الغموض جزء لا يتجزأ من الشعر الحديث.
محمد الثبيتي الشاعر الذي خرج عن المألوف وتمرد على نمطية القصيدة لم يكت يأبه بما يدور حوله فقد كان جريئا يطمح إلى فرض قصيدة الحداثة في زمن لم يكن المناخ مهيئا لتقبل الفكر الحداثي فقد أراد أن يحدث التغيير ليس فقط في أسلوب كتابة النص الشعري ولكنه كان يأمل بتغيير التوجه الثقافي العام في السعودية. خاض المواجهة رغم رهافة روحه وشفافيتها وتمكن من أن يشق دربا للأجيال التي أتت بعده من شعراء الحداثة، لم تكن القصيدة عند محمد الثبيتي تتوقف عند جمال العبارة واتقانها بل كان يرى أن القصيدة ماهي إلا استشراف للمستقبل وقراءة للواقع وهنا كانت تبرز فلسفته الشعرية والتي تشابهت كثيرا مع مواقفه في الحياة فهو يستقبل المعطيات ويقرأها ليخضعها للتحليل وينثرها كلمات عميقة تأخذنا لأبعد من حيز المكان الذي نشغله ولأبعد من حيز الزمان الذي يطوقنا ففي شعره كانت تبرز قضيته مع الحياة ودائما هو في حال مناجاة ومقاربة مع الطبيعة حوله. هذا الشاعر الذي اعترف بانسانيته التي تتشبث ببيئتها ومعتقداتها كان يقرأ الأوضاع حوله فيجد أن هناك لغة مفقودة فيما بينه وبين فكر يواجهه على الدوام فكان يؤثر العزلة في مراحل من حياته لأنه الشخص الذي لم يعتد على الضجيج وهو الشاعر الذي احترم وأحب روح الشاعر فيه فآثر هذا ورفض ذاك لأن عالمه كان خاص جدا ولا ينتمي إلا لمن يقترب من روحه الشفافة.
ويرى الشاعر موسى عقيل أن الأرض لم تحمل يوما محمد الثبيتي بقدر ما حملها في قلبه وشعره وجلال روحه حيا وميتا، لا شيء يظهرها بحقيقة وصفاء كما هي في حشرجة صوته، وحنين الأحلام فيه، وتعب الأيام وقسوتها عليه، وانتظار القادم الجميل.. كان الثبيتي ضمير الإبداع، والشعر، والحرية.. مزمل دائما بثياب النور، يتلو آية روحه إلى أن نفذت تلك الروح، ولم يمنن يوما أو يسكثر.. وحين يتجلى الموت ليكون بجلال وعظمة الحياة، يكون الفقد أكبر من أن تحتمله القلوب العامرة بروح وشعر الثبيتي، وأكبر من أن تستوعبه القلوب التي أبَّنها قبل رحيله وهي لا تشعر بعظم الفاجعة ليصمت صمته الأخير الذي كان يتلو ويفضح أسارير البلاد كعادته دائما مع الإلهام والعظمة الشعرية.. وكما يقول الثبيتي “ستموت النسور التي وشمت دمك الطفل يوما، وأنت الذي في حلوق المصابيح أغنية لا تموت”.
وتقول الكاتبة تركية العمري: هناك في أقاصي عوالم الكلمة المدهشة كان يسكن الشاعر محمد الثبيتي، كان يرسل كلماته عبر “بوابة الريح”، وعبر نوافذ المطر. كان يكتب تاريخه الإنساني، والوجداني، يتوحد مع ذاته مع أفكاره، مع هواجسه. يلتقي سرا بسيد البيد بمفرده يسامره، يحادثه، وفي الصباح يحدثنا عنه وفي رحاب عشق مدينته المقدسة رسم انتماء الشاعر لوحة شعرية بهية عندما تشكلت مكة تميمة نورانية تحيط بروحه، فكتب لكل حرف من اسمها ولكعبتها، لحمائمها، ولنورها السرمدي تحايا اجلال. كتب الثبيتي قصائد تغمرنا بأمطار تنبت العشب في حقول ذاكرتنا ورحل تاركا لنا حلم رؤية سيد البيد وتحية من سلسبيل تمر بصباحات مكة وتمر بوجداننا المعلق بمنارات الحرم وترك لنا صورة طفل يردد في الشوارع: “أصَادِقُ النَّخِيل/ أصَادِقُ المَدِينَةْ/ والبَحْرَ والسَّفِينَةْ/ والشَّاطِئَ الجَمِيلْ”.


تجربة شعرية تنقطع مبكرا


عمر شبانة

الشاعر السعودي محمد الثبيتي، شاعر من أهم شعراء الجيل الجديد، الثمانيني، في الشعر الخليجي والعربي. وهو صاحب واحدة من أجمل القصائد التي قرأها جيلنا في الثمانينيات، وكنا نرددها في سهراتنا وجلساتنا، كانت قصيدة/ ديوان “التضاريس” مفاجئة ومدهشة في الشعر العربي، وبالنسبة إلى جيلنا تحديدا.
ثم كانت قصيدته “تغريبة القوافل والمطر” بكل ما تنطوي عليه من رؤية وتشكيل وموسيقى وغنائية وتنويع في الوزن والقافية، ومدى استلهامه للموروثين العربي القديم والشعبي القريب، وذلك كله في صور بارعة ولغة بسيطة لكنها معمقة، لنقرأ من هذه القصيدة هذا المقطع:
أَدِرْ مُهْجَةَ الصُّبْحِ
صُبَّ لنَا وطناً فِي الكُؤُوسْ
يُدِيرُ الرُّؤُوسْ
وزِدْنَا مِنَ الشَّاذِلِيَّةِ حتَّى تَفِيءَ السَّحَابَةْ أَدِرْ مُهْجَةَ الصُّبْحِ
واسْفَحْ علَى قِلَلِ القَومِ قَهْوتَكَ المُرَّةَ
المُسْتَطَابَةْ
أَدِرْ مُهْجَةَ الصُّبْحِ مَمْزُوجَةً بِاللَّظَى
وقَلِّبْ مواجعنَا فوقَ جَمْرِ الغَضَا
ثُمَّ هَاتِ الرَّبَابَةَ
هاتِ الرَّبَابةْ
شاعر الرؤية والموقف والخيال الصحراوي البدوي الجامح، وهو من جيل من شعراء الجزيرة والشعراء الخليجيين والعرب تميز منذ بداياته، جيل محمد الدميني ومحمد عبيد الحربي ومحمد جبر الحربي وخديجة العمري وعبد الله الصيخان، وسواهم، مع فارق سنوات في العمر، لكنهم من صنعوا المشهد الشعري في الجزيرة العربية. تعرفت عليه من قصائد كان ينشرها في ملحق “المربد” الذي كانت تصدره جريدة “اليوم” السعودية، في مطلع الثمانينات، وتواصلنا عبر هاتف الصديق الشاعر يوسف أبو لوز الذي كان يسهم في إنتاج هذا الملحق، لكن اللقاءات التي كنا نتحدث عن ضرورة أن تحدث لم تحدث.
في قصيدة له من مجموعته “تضاريس” نقرأ في “البشير”:
أَنَا خَاتَمُ المَاثِلِينَ علَى النَّطْعِ
هذَا حُسامُ الخَطِيئَةِ يَعْبرُ خاصِرَتِي
فَأسَلْسِلُ نَبْعاً مِنَ النَّارِ يَجْرِي دَماً
فِي عُروقِ العَذَارَى أنَا آخِرُ الموتِ
أَول طِفلٍ تَسَورَ قامتهُ
فرأَى فَلَكَ التِّيهِ
والزَمَنَ المُتَحَجّرَ فِيهِ
رَأَى بَلداً مِن ضَبابٍ
وصَحْراءَ طاعنةً فِي السَّرَابْ
رأى زَمناً أَحْمَراً
ورأى مُدُناً مَزَّقَ الطَّلْقُ أَحْشَاءَها
وتَقَيَّحَ تَحْتَ أظَافِرِهَا الماءُ
حتَّى أَنَاخَ لها النَّخلُ أَعْناقهُ
فَأَطَالَ بِهَا... واسْتَطَالْ
وأَفْرَغَ مِنهَا صَدِيدَ الرِّمَالْ
الشعر عنده عبادة وتصوف في العشق وفي فن الشعر نفسه، ولعلاقته بالمرأة خصوصية يميزها كونها ترتفع عن المادي والشهواني، وترتقي في اتجاه المقدس والروحاني، ولنقرأ استلهامه للقرآن والموروث من تاريخ الحب والعشق والعلاقة مع المكان وتفاصيله:
قد كنتُ أتلو سورةَ الأحزاب في نجدٍ
وأتلو سورة أخرى على نارٍ بأطراف الحجازْ
قد كنت أبتاع الرُّقَى للعاشقين بذي المجازْ
قد كنتُ أتلو الأحرف الأنثى
وكان الصيفُ ميقاتاً لنارِ البدوِ
كان الصيفُ ميقاتاً لأعياد اليتامى
يا صباحَ الفتحِ والنوقِ التي أَرْخَتْ
عنان الشمسْ
يا نجمةً قامت على أبوابنا بالأمسْ
هذا الدم الحوليُّ ميثاقٌ منَ الصلواتِ
معقودٌ على الراياتِ
شمسٌ تستظلُّ بِها سحابةْ
قمرٌ ترابيٌ تدثَّرَ بالشعائر وانتمى للجوعِ
واعتنقَ الكتابةْ
نترك للنصوص مساحة للتعبير عن صوت هذا الشاعر، صوت تمكن من تقديم قراءته للعالم، على غير صعيد، وخصوصا على مستوى قراءة العالم الخليجي/ النفطي، وما آل إليه الإنسان في هذا العالم الذي تحكمه المادة، لكن الإنسان يموت فيه بلا ثمن، أو لأنه لم يملك ثمن العلاج.
هذا العالم مرعب ولا يمكن فهمه إلا بوصفه يفتقر إلى العدالة. فقد كان يبحث عن حياة وحب وسلام:
صباح الخير
هل في الأرضِ مُتَّسعٌ لهذا القلبِ
هل في الليل أجنحةٌ لهذا الحلمِ
ساهرةٌ دماءُ البدوِ
حتَّى تقرع الأجراسُ
تجمع قصيدته أيضا عالم المدينة القبيح وعالم الصحراء الجميل، في صراعهما، وانتصار عالم المدينة وما يسمى الحضارة والحداثة، فيرى فيها صورة للظلم والطغيان:
تشابكتْ في داخلي مدنٌ، صحارٍ (ضاجعَتْها) (في حال رفض هذه الكلمة يمكن استبدالها بكلمة: صارعتْها)
النارُ فَابْتَرَدَتْ بِماء الغيثْ
يا أيُّها الشجرُ البدائيُّ ابْتكِرْ للطيرِ أغصاناً
وللأطفالِ فاكهةً
أَقِمْ فِي الرملِ ناقوساً طموحاً
واشْتَعِلْ للريح
يا أيُّها الشجرُ الذي طالَ احتقان جذورهِ
بالقيظِ واحترقتْ بلابلهُ على الأسلاكِ
فانقطع الغناءْ
وللمرأة في قصائد الثبيتي حضور متميز، حضور الروح والحب الرقيق، حب بلا شطح أو تهويمات، فيكتب:
حينَ تَنْطفِئُ امرأةٌ فوقَ كَفِّي
أَرفعُهَا للقمرْ
أعِدُّ لَها وطناً من جراحْ
أَحْتسِي وجهَهَا في الصباحْ
فيأتِي المطرْ
الأمل والألم ثنائية حاضرة بكثافة في قصائد الثبيتي، الفرح والحزن، عذابات الإنسان وأسئلته الوجودية، ويطرح أسئلته في قصيدة عمودية شكلا، وحديثة الروح:
يا نَجم إنْ سألَ الشعاعُ: فَإنَّني
سافرتُ في ركبِ الزهورِ الغَادِي
صَحبِي هناكَ على السفوحِ تركْتُهُم
ينعونَ جهلي، وانْقِيَادَ فُؤادِي
وملاعبَ الأنسِ الرضيعِ هَجرْتُهَا
وهجرتُ فيهَا مَضجعِي ووِسَادي
عجباً.. أَتَذْبُلُ في الربيعِ خَمائِلي
ويضيعُ في ليلِ الشتاءِ جِهَادي

اقرأ أيضا