صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

مشروع سكك حديدية لربط أوروبا بأفريقيا

إعداد - محمد عبدالرحيم:

ظلت أوروبا على مدى التاريخ تبدو قريبة من ميناء طنجة في الشمال الأفريقي لكنها ما زالت نائية بنفسها في الوقت الذي لا يبعد فيه ساحل أسبانيا الجنوبي سوى 15 كيلومتراً من الميناء المغربي· وعلى الرغم أن من الأحلام ظلت تراود الجميع إلا أن أحداً لم يتمكن حتى الآن من تجسير الهوة بين القارتين، اللتين يعتقد أنهما كانتا ملتصقتين قبل أكثر من خمسة ملايين عام·
وقبل أشهر قليلة بادرت الحكومتان المغربية والأسبانية باتخاذ خطوات جادة من أجل المضي قدماً في الخطط التي تهدف لتمديد خط سكك حديدية يمر عبر نفق أسفل مضيق جبل طارق· وإذا قدر له أن ينجز فإن هذا المشروع سوف يتم تصنيفه ضمن قائمة الأعمال الهندسية الفذة والأكثر طموحاً وتعقيداً في العالم بأسره إلى جانب قناة بنما والقناة التي تربط بريطانيا بفرنسا·
وكما ورد في صحيفة ''وول سترتي جورنال'' مؤخراً فإن مسار النقل الذي يربط جبل طارق بأوروبا ظل يتداول بشغف في جميع مجالس التخطيط الرسمية طوال ربع القرن الماضي· وبعد سنوات من الدراسات والاختبارات الجيولوجية البطيئة والمتعثرة شرعت أسبانيا والمغرب في منح المشروع ما يحتاجه من زخم هائل في الخريف الماضي عندما عمدتا إلى توظيف شركة هندسية سويسرية لكي تقوم بإعداد المخططات النهائية إلا أن هنالك العديد من العوائق الفنية المتبقية كما أن القرار النهائي بالشروع في البناء مازال على بعد سنوات قليلة·
وأشار مهندسون إلى أن المشروع يمكن إنجازه بحلول عام ،2025 وذكر مسؤولون حكوميون أن هذه النفق البحري من شأنه أن يمنح الاقتصاد في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا ازدهاراً غير مسبوق·
ويقول كريم غالب، وزير النقل المغربي: قمنا بكمية هائلة من العمل لكي نجعل من هذا الحلم حقيقة على أرض الواقع، وليس من السهل التنبؤ بالموعد حتى الآن لكن المشروع سوف ينفذ''· ويتطلع غالب فيما يبدو إلى ذلك اليوم الذي يستقل فيه الركاب قطاراً عالي السرعة ينطلق من اشبيلية في جنوب أسبانيا في تمام الثامنة صباحاً ليصلوا إلى مقار عملهم في طنجة في التاسعة والنصف صباحاً· ومثل قناة النفق الإنجليزي فإن مشروع جبل طارق سوف يتألف من مسارين توأمين كل منهما يشق قناة موازية على أن تتخذ قناة ثالثة للخدمة موقعها بين القناتين·
وأشار مهندسون إلى أن التحديات الفنية تتجاوز بكثير تلك التي تمت مواجهتها في تشييد القناة الإنجليزية التي تم افتتاحها في عام ،1994 وأول هذه التحديات تتمثل في عمق المياه والذي يصل إلى 900 متر في أقرب مسار يمر عبر المضيق مقارنة بمستوى لا يزيد على 60 متراً فقط في القناة الإنجليزية، ونتيجة لذلك فقد لجأ المهندسون إلى رسم مسار مختلف يمر من منطقة قريبة من المضيق على الرغم من بعد المسافة وذلك بسبب ضحالة المياه إذ لا يزيد عمقها عن 300 متر تحت سطح البحر إلا أن ما يفاقم من المشكلة أن قاع البحر في المنطقة المحيطة بجبل طارق تتسم بنعومة ونفاذية أكبر من تلك الصخرية الطباشيرية التي تستلقي تحت القنال مما سيجبر المهندسون على حفر النفق الجديدة على عمق أسفل بمقدار 90متراً·
كذلك فإن ضغط المياه في هذه الأعماق سوف يعني أن القناة سوف تصبح عرضة لتسرب المياه بكثافة بصرف النظر عن الجودة التي يتم تشييدها بها كما يشير اندريا بانسيرا كبير مهندسي المشروع في شركة لومباردي السويسرية المعنية بتصميم مسار جبل طارق· وقال: ''إنها المشكلة الأصعب إذ يتعين علينا الحفر عميقاً في قاع البحر الأكثر نعومة مع وجود ضغط هائل للمياه في أعلى القاع''·
من جانبهم ذكر مسؤولون في أسبانيا والمغرب أن الحكومتين ملتزمتان بتعهداتهما تجاه القناة لكنهم لاحظوا أنه من الصعوبة التعامل مع الأعمال الهندسية كما يصعب تجاوز المعوقات الخاصة بالتكلفة المالية· وكما يقول ريكاردو دياز الأمين العام للهيئة الحكومية الأسبانية المشرفة على المشروع بالتعاون مع الشركاء في المغرب: ''اعتاد المهندسون على أن يقولوا لنا إن كل شيء ممكن لكن الأمر يتعلق أكثر بالمزيد من الأموال· أما الأهم من ذلك فإن الجيولوجيا والخواص الجغرافية في هذه المنطقة تختلف بالكامل عما يسود في القناة الإنجليزية وأي قنوات أخرى''·
ويلوح أيضاً في الأفق تلك الممارسات البيروقراطية التي تكبدتها القناة الإنجليزية عندما عانى المستثمرون الخواص الذين دفعوا معظم نفقات القناة الأولية التي حددت بمبلغ 20 مليار دولار من خسائر جسيمة بالإضافة إلى أن الشركة المشغلة ''يوروتانيل'' سقطت في هوة الإفلاس لسنوات عديدة·
وفي الوقت الذي لم يتمكن فيه الجانب المغربي أو الأسباني من الإدلاء بتقديرات للحد الأدنى لبناء المشروع فقد أشار المحللون إلى أن تكلفته سوف تتراوح ما بين 6,5 و13 مليار دولار· وذكرت الدولتان بأن هنالك طريقاً طويلاً يتعين عليهما السير فيه من أجل الكشف عن التفاصيل المالية ولكنهما يأملان ويعولان كثيراً على مساعدة الاتحاد الأوروبي والقطاع الخاص· وفيما يختص ببعض النواحي الأخرى فإن القناة سوف تعكس التغيرات التي باتت تدلي بدلوها في التجارة والهجرة المتزايدة بين أوروبا والشمال الأفريقي· فقد ارتفعت أعداد المهاجرين المغاربة في أسبانيا في السنوات الأخيرة إذ أن هنالك أكثر من 500 ألف يعيشون بشكل قانوني وفقاً للإحصائيات الرسمية بينما يوجد عدد أكبر من ذلك يفتقد إلى الوثائق الرسمية·
وفي نفس الوقت هنالك جموع مقدرة من الأوروبية بدأت تستكشف سحر ومفاتن المغرب المستعمرة الأسبانية والفرنسية السابقة التي نالت استقالتها في عام ·1956 والآن فإن المغرب تأمل في اجتذاب 10 ملايين سائح بحلول عام 2010 مقارنة بالعدد القياسي من السياح الذين زاروها في عام 2005 بمستوى 6 ملايين سائح·