الاتحاد

ثقافة

بوليوود.. مأوى الحنين

كانت السينما الهندية وما زالت إحدى العلامات الكبرى الضاربة بجذورها في المخيال الشعبي المحلّي، وتعد هذه السينما بالذات من الروافد النشطة والمغذّية للعلاقة التاريخية والثقافية المتنامية بين الهند ودولة الإمارات، خصوصاً وأن حضور هذه السينما المشبعة بحسّها الميلودرامي وتأثيرها العاطفي والجمالي، تأسس بداية في منتصف القرن الماضي، وحظيت الأفلام الهندية بقبول ومتابعة شريحة اجتماعية واسعة في دول الخليج، وفي مناطق الدولة المختلفة من خلال دور السينما القديمة رغم إمكاناتها البسيطة وآلات عرضها البدائية، مقارنة بدور العرض المتطورة هذه الأيام، ما شكّل بالنسبة لأهالي الإمارات في ذلك الزمن البعيد فرصة ذهبية للتعرف على النسيج الثقافي الهندي من زاويته الأكثر جاذبية وإبهاراً.

كانت الأفلام الهندية، في فترة ما قبل إنشاء الاتحاد وما بعدها، أشبه بمأوى الحنين والنوستالجيا بالنسبة للجالية الهندية المقيمة في الإمارات، وكان لها دور في خلق نزعة رومانسية ذات طبيعة ونكهة خاصة بالنسبة للمواطنين، كما ساهمت هذه الأفلام خلال تلك الفترة المبكرة من عمر الدولة في ازدياد وكثافة مواسم السياحة والعلاج إلى الهند، وتجاوز تأثير السينما الهندية وبمراحل كبيرة، ما كانت تنقله حكايات وقصص البحارة ورجال الأعمال المولعين بتجارة الذهب واستيراد الخشب الهندي ومواد البناء، أصبح الفيلم المشاهد هنا بمثابة سفر حسي وتفاعلي مباشر وأكثر إلهاماً، مقارنة بما كانت تدونه الكتب والمجلات والمذكرات الشخصية للمغامرين في أرض المعابد والبخور والأنهار المقدّسة.

تأثير في الدراما
كان للأفلام الهندية تأثيرها الواضح أيضاً على الدراما التلفزيونية المحلية قديماً، وعلى المسرح على وجه التحديد، من خلال الاهتمام بالاكسسوارات والمجاميع والأداء التمثيلي، وفكرة الصراع بين الخير والشر، وانتصار البطل في النهاية على الظروف المعاكسة له، وسط خلطة بصرية وسمعية مدهشة تجمع بين الرقص والغناء والمطاردات والمعارك الجسدية، إضافة إلى ما صنعته هذه الأفلام من خيال آسر ومحلّق في الطبيعة الخضراء للهند، ومن واقعية لصيقة بتفاصيل المدن، وشوارعها الضاجة بالحياة والحركة والصخب.
إن التواصل الحضاري بين سواحل الإمارات ومنطقة شبه جزيرة عمان من جهة، وبين شبه القارة الهندية من جهة أخرى، تشكّلت أولا من خلال رحلات السفن والمراكب من موانئ شرق وغرب الهند وشمال غربها لتصل إلى موانئ الإمارات، وكانت تجارتها ناشئة من منبع واحد، واعتمدت على استيراد الملابس والأزياء والعطور والأثاث والأبواب والمتطلبات المنزلية وأجهزة الفونوغراف (البشتختة) والأسطوانات الموسيقية. اكتسى التواصل البشري والحضاري بين المنطقتين بصبغة تجارية في البدايات، ولكن سرعان ما اتخذ هذا التواصل شكلًا ثقافياً وقواماً فنياً وفلكلورياً عززته بالتأكيد السينما الهندية باعتبارها وسيطاً وجسراً بين مكوّن بشري عريق وهائل، وبين منطقة ناهضة تتحسس أولى مظاهر التطور والعمران، والتعرّف على علوم ومعارف الشعوب والحضارات البعيدة، والأخرى المجاورة لها، وتحديداً ما يتعلق بالحضارة الهندية الزاهية بموروثها المتجدد والموغل أيضاً في القدم.
وبالعودة للمدونات القديمة فإن السابع من يوليو عام 1896 يعدّ حدثاً مفصلياً واستثنائياً في تاريخ شبه القارة الهندية، ويحتلّ هذا اليوم في أرشيف الذاكرة السينمائية للهنود حيّزاً مفعماً بالدهشة، وبالانعطافة الحادة نحو تيار فني وثقافي جديد سيقلب الكثير من المعادلات التجارية والترفيهية وحتى الأدبية في بلد الحرير والبهارات والفنون والتقاليد والحرف المتقنة.
بعث الأخوان لوميير بأفلامهما القصيرة الصامتة من فرنسا كي تعرض في هذا اليوم التاريخي بمدينة بومبي المدينة الاقتصادية الأشهر في الهند وكان الهدف من عرضها هو الترفيه عن الدبلوماسيين الإنجليز في المدينة، وشاهد المصور الهندي «سيف دادا» إحدى العروض، الأمر الذي دفعه لطلب أول كاميرا سينمائية تقطع رحلتها الطويلة من بريطانيا إلى الأرض الموعودة بفردوس السينما ذات النكهة الميلودرامية الحاذقة، وسيكون العالم بعد عقود من هذا الحدث الفني الساطع، شغوفاً ومتعطشاً لخصوصية السينما الهندية بما تتضمنه من مزيج مبهر من صور العشق والحزن، والقصص الإنسانية الخارجة من قعر الأحياء البائسة إلى آخر ما يمكن تصوره من خيالات أسطورية لصيقة بالميثولوجيا الهندية وبتنوعها الثقافي والديني المفرط حدّ اللامعقول، وحدّ اختراق كل الحوائط الصلبة للواقع، وصولاً للنشوة الروحية والمزاج الميتافوري الفائض برمزيته وتجاوزه للظروف الاقتصادية الصعبة لقطاعات اجتماعية واسعة في الهند.
مهدت الظروف الجيوسياسية في فترة الأربعينيات وما بعدها من القرن الماضي لتقبل أهالي الإمارات للسينما وعززت ارتباطهم بالأفلام الهندية تحديداً، حيث كان الإنجليز بتواجدهم العسكري المكثّف في الخليج، وفي شبه القارة الهندية، هم أصحاب المبادرات الأولى في نقل التقنية البصرية والسمعية الترفيهية إلى المنطقة، من خلال الراديو أولاً، ومن خلال الفيلم السينمائي ثانياً، خصوصاً بعد إنشائهم لدار عرض بسيطة في معسكر المحطة في منطقة أبو شغارة في الشارقة أواسط الأربعينيات من القرن الماضي.

الصدمة البصرية الأولى
يشير الباحث عبدالله عبدالرحمن في كتابه (الإمارات في ذاكرة أبنائها) إلى أن المدير الإنجليزي لمحطة مطار الشارقة، وكان يدعى السيد (جيمس) هو أول من أحضر جهاز الراديو في الإمارات في العام 1934، وذلك عندما دعا كل من (عبداللطيف السركال) وابنه (ناصر) وبحضور (خان صاحب حسي) الملقب بعماد رجل الدولة البريطانية للاستماع لهذا الجهاز العجيب في استراحة المطار.
وستقود المصادفة الغريبة وحدها إلى احتضان ذات المحطة (القاعدة البريطانية في الشارقة)، وبعد حوالي عشر سنوات (1945)، لأول دار عرض سينمائية في الإمارات وفي الخليج، وذلك عندما فكر المسؤولون عن القاعدة في الترفيه عن طياريهم وأسرهم وعن الأطقم العاملة من خلال عرض الأفلام الإنجليزية الحديثة في الهواء الطلق، ومن خلال أجهزة تعمل بقياس 16 مليمترا.
وهذه الدار المفتوحة ستمثل الصدمة البصرية الأولى للأهالي المحليين الخارجين لتوهم من الصدمة السمعية التي سبّبها ظهور (الراديو)، وستساهم هذه الدار في خلق أول نوع من الاحتكاك البصري مع الشاشة الفضية في مكان لم يكن مهيئاً لمثل هذه التجربة الفنية والثقافية الكبيرة، ونظراً لضمور الجانب التعليمي وانتشار الأمية في المكان، لم تؤد هذه التجربة المبكرة سوى لترسيخ ثقافة الفرجة، لا ثقافة التذوق والبحث والإنتاج السينمائي، فعندما فتحت قاعدة القوة الجوية الملكية (Royal Air Force)، أو كما ينطقها الأهالي اختصاراً (إيه آر إف)، أبوابها وبأسعار رمزية لمشاهدة الأفلام الأجنبية، تحولت الفرجة إلى طقس مشاهدة سبق ظهور التلفزيون بفترة طويلة، ولكن اختفى تأثيره بعد انتهاء دور القاعدة البريطانية ورحيل الإنجليز وتركهم لإرث عابر ومتبخّر من الوعي البصري والثقافي، ومن هنا ووسط هذا الفراغ الذي خلّفه رحيل الإنجليز بدأت السينما الهندية في فرض وجودها الذي جاء بشكل سلس وتدريجي، حيث شهد الفيلم الهندي في الخمسينيات وما بعدها غزارة في الإنتاج وتنوعا في الأساليب والمضامين القصصية والروائية التي طرحتها، وتحولت إلى منافس قوي ووحيد في دور العرض السينمائية القليلة بالإمارات آنذاك، نظرا لتوافر الفيلم الهندي على خيارات ميلودرامية وترفيهية مألوفة ومحببة عند قطاع كبير من الشريحة المجتمعية المتعطشة لهذه النوعية من الأفلام.
ساهم الموزعون الأجانب وبعض التجار الإماراتيين في ظهور صالات العرض المبكرة في الهواء الطلق باستخدام «البروجكترات» وقماشة بيضاء كبيرة تلصق على الجدار كبديل عن الشاشات الثابتة، ظهرت في الشارقة أواخر الخمسينيات سينما تسمى بـ (سينما هارون) وكانت تقع في آخر شارع العروبة مقابل السوق المركزي حالياً، وحيث إن هذه السينما لم تكن مسقوفة فإن عروضها كانت تقع تحت رحمة الظروف الجوية، ولكن عشاق الأفلام كانوا يصمدون ويستمرون في المشاهدة حتى لو كانت تمطر بغزارة، وكانت الكراتين والأوراق المقواة هي مظلاتهم البدائية التي يحتمون تحتها، وكانت العروض في هذه السينما تبدأ الساعة التاسعة مساء، وكان يوم الاثنين من كل أسبوع مخصصاً للنساء فقط، وفي الفترة ذاتها تقريباً كانت هناك سينما في دبي تسمى (الوطن) لصاحبها (علي العصيمي)، وفي رأس الخيمة ظهرت سينما (النخيل) في الستينيات، وفي كلباء بالمنطقة الشرقية كانت هناك سينما أنشأها شخص يدعى (مظفّر).
أما سينما الشارقة الشهيرة التي ظهرت أوائل السبعينيات فكان يملكها كل من (أحمد الملا) و(سلطان العويس) وكانت صالة عرض سابقة لعصرها، وتعتبر من أفخم وأكبر السينمات التي ظهرت في الإمارات تلك الفترة، كما أنها احتوت على مرافق كثيرة ومطعم صيني، وساهم وجود السينما وإقبال الناس عليها بكثافة في إنشاء مطاعم يديرها مواطنون ومحلات كثيرة شكلت ما يشبه المجتمع التجاري النابض والحيّ في المنطقة المحيطة بالسينما والقريبة من شارع العروبة الحيوي، وبموازاة دور السينما التجارية هذه كانت هناك أندية ثقافية تعرض أفلاماً خاصة كما حدث في النادي الثقافي العربي ونادي شركة البترول (البي بي) والنادي الهندي والنادي الباكستاني ونادي الجيش.
وكان بعض المواطنين يعملون في دور السينما آنذاك كموظفين رسميين أمثال: (إبراهيم عسكر) الذي كان يدير جهاز العرض في الغرفة المخصصة لذلك، و(محمد البريمي) المسؤول عن تحصيل التذاكر، و(يوسف بلدية) الذي أطلق عليه هذا اللقب لأنه كان يقتطع جزءاً من قيمة التذاكر كضريبة لمصلحة بلدية الشارقة، وهناك شخص مشهور اسمه (سعيد الخيل) وكان طويل القامة ويعمل كمسؤول عن أمن السينما وتنظيم دخول الجمهور.

المعايشة الخيالية
أدى انتشار الأفلام الهندية في دور السينما المحلية إلى خلق نوع من المعايشة الخيالية مع جو الفيلم الهندي ذي الطابع الخاص والطعم المختلف، وكان الشباب والمراهقون يقومون بتقليد نجوم السينما الهندية في كل شيء تقريباً ابتداء من الملابس وطريقة المشي وليس انتهاء بتسريحة الشعر، وكان من أبرز هؤلاء الأبطال في أواسط الستينيات الممثل الهندي الشهير (راجيش كنّا) والممثل (راج كابور) وأتى بعدهما الممثل (دار مندرا) والفنان (أميتاب باتشان)، ومن الطرائف التي يذكرها الجيل القديم في الإمارات، أن الشباب المتحمس لمشاهدة الأفلام الهندية كانوا يرتدون العباءات النسائية ويتحملون المخاطر لحضور العروض المخصصة للنساء، وكان الكثير من الشباب يقطعون المسافات الطويلة مشياً على الأقدام للوصول إلى دور العرض الأخرى في دبي وعجمان، وملاحقة الفيلم الهندي الجديد أينما عرض.
يذكر الفنان الإماراتي المخضرم علي خميس أنه ومع مجموعة من أصدقائه كانوا يقلدون الأبطال الطيبين في هذه الأفلام، ولكن مجموعة أخرى من هؤلاء الأصدقاء كانوا يقلدون الممثلين الأشرار كالممثل الشهير (بران) والممثل (آجيت)، وقال: «أذكر أن حلمي الكبير الذي كنت أعلنه على أصدقائي في المدرسة هو المشاركة في الأفلام الهندية مستقبلا، وحاولت في السبعينيات أن أراسل إحدى الجامعات الهندية المختصة بالسينما كي أدرس فنون التمثيل بالمراسلة، ولكن شرط الجامعة كان يتمثل في الحضور الشخصي ولم أذهب لارتباطي بالعمل، ولكن حلمي الشخصي بالتمثيل في قلب (بوليوود) لم يجهض، وتحقق فعلاً عندما شاركت في الفيلم الهندي العالمي (تاج محل) للمخرج المعروف (كبير خان).
ومن الطرائف التي يوردها (علي خميس) أن بعض الأشخاص كانوا يحضرون معهم أثناء مشاهدتهم للأفلام الهندية في السينما مسجلات (الريل) القديمة، وكانوا يسجلون كل ما يرد في الفيلم من أغان وحوارات، وفي طريق عودتهم الطويلة إلى أحيائهم مشياً على الأقدام كانوا يعيدون سماع الفيلم مرة أخرى ويستعيدون كل أحداثه وبالتفصيل.
ويضيف علي خميس: «إن وجود السينمات الأولى في الإمارات ساهم في خلق مناخ من الحرية والفضول والمغامرة والرغبة في السفر، ورؤية العوالم السينمائية كما هي في أماكن تصويرها الحقيقية، لقد خلقت هذه السينمات ثقافة التسامح مع الجنسيات والديانات الأخرى، وثقافة الحوار والمرونة والتبادل المعرفي مع الآخر، ورغم أن معظم هذه الأفلام كانت قائمة على عنصرين أساسيين هما الخيال والمبالغة الدرامية، إلا أنها ساهمت في تعلقنا بالتمثيل وتشجيعنا على خوض المغامرة الدرامية المحلية، وخلق الملامح الأولى للتمثيليات والسهرات التلفزيونية والأعمال المسرحية في الإمارات أواسط الستينيات وما بعدها».

البداية من الإنجليز
مهدت الظروف الجيوسياسية في فترة الأربعينيات وما بعدها من القرن الماضي لتقبل أهالي الإمارات للسينما وعززت ارتباطهم بالأفلام الهندية تحديداً، حيث كان الإنجليز بتواجدهم العسكري المكثّف في الخليج، وفي شبه القارة الهندية، هم أصحاب المبادرات الأولى في نقل التقنية البصرية والسمعية الترفيهية إلى المنطقة، من خلال الراديو أولاً، ومن خلال الفيلم السينمائي ثانياً، خصوصاً بعد إنشائهم لدار عرض بسيطة في معسكر المحطة في منطقة أبو شغارة في الشارقة أواسط الأربعينيات من القرن الماضي.

صدفة
يشير الباحث عبد الله عبد الرحمن في كتابه (الإمارات في ذاكرة أبنائها) إلى أن المدير الإنجليزي لمحطة مطار الشارقة، وكان يدعى السيد (جيمس) هو أول من أحضر جهاز الراديو في الإمارات في العام 1934، وذلك عندما دعا كل من (عبد اللطيف السركال) وابنه (ناصر) وبحضور (خان صاحب حسي) الملقب بعماد رجل الدولة البريطانية للاستماع لهذا الجهاز العجيب في استراحة المطار.
وستقود المصادفة الغريبة وحدها إلى احتضان ذات المحطة (القاعدة البريطانية في الشارقة)، وبعد حوالي عشر سنوات (1945)، لأول دار عرض سينمائية في الإمارات وفي الخليج، وذلك عندما فكر المسؤولون عن القاعدة في الترفيه عن طياريهم وأسرهم وعن الأطقم العاملة من خلال عرض الأفلام الإنجليزية الحديثة في الهواء الطلق، ومن خلال أجهزة تعمل بقياس 16 مليمترا.

اقرأ أيضا

معرض فني يستعيد «علامات» آدم حنين «الفارقة»