صحيفة الاتحاد

ثقافة

لوحات تؤرشف أشياء البيت الفلسطيني عبر مئة عام

لقطة مشهدية من المعرض (تصوير: إحسان ناجي)

لقطة مشهدية من المعرض (تصوير: إحسان ناجي)

غالية خوجة (دبي)

أن تشعر أنك في بيتك، هذا شعور الطمأنينة في زمن متخم بالبحث عن البيت المفقود هناك في فلسطين، وهو ما عكسه المعرض الجماعي الذي افتتح في غاليري طبري آرت سبيس، بمركز دبي المالي العالمي، وشارك فيه كل من الفنانين سليمان منصور، حازم حرب، محمد جحا، مستكشفين دلالات (اشعر أنك في البيت)، وذلك من خلال التشكلات التاريخية وترسبات المشاعر في الأعمال المختلفة وموادها المتنوعة، وذاكرتها الراجعة إلى (100) عام.
صياغة المكان كحاضر دائم الوجود، رسمه ونحته أحد رواد الفن التشكيلي الفلسطيني صاحب لوحة «جمل المحامل» سليمان منصور المولود في بيرزيت عام (1947)، والذي يجعل من بطلة لوحته «فتاة في القرية» حدثاً محورياً متواصلاً من خلال زيها الفلكلوري، وملامحها المنسجمة مع الطبيعة. بينما تبدو في لوحة «الأب والأم في يوم زفافهما»، شخصيتين تستعدان لحدثٍ ما، قادم من المستقبل الملتصق بإطار اللوحة المزدحم بأشجار الزيتون ومعانيها. وتبدو لوحة «القرية» المنسوجة بوحدة التداخل بين الإنسان والشجر، والممزوجة بدلالات الطين والخشب، وكأنها تؤكد على (التحول) الدائم إلى (وطن) يحتضن الأزمنة من خلال النافذة المطلة على الآتي، والنقوش والخطوط المحفورة المطلة على الماضي. وتصرّ لوحة «الشهيد»، وهي تقف محدقة في المتلقي، والمكان، والزمان، لتروي رحلتها العتيقة المنتشرة على الجسد، بإرادة فنية لا تعرف إلا التحدي الواضح على الوجه وملامحه.
ونلاحظ كيف تتحاور أعمال الفنان محمد جحا مع مونولوغ غزة المولود فيها (1978)، المغترب بين إيطاليا وباريس، تحاوراً راحلاً إلى بيوت فلسطين التي دمرها الاحتلال ثلاثاً، لتنهض دائماً من رمادها بهيئة متجددة، ترسمها مخيلته بتقنية الكولاج التركيبي المتناغم بين القماش والكرتون المقوى والخشب، كناية عن آثار الدمار كما أخبرنا. وفي ذلك يقول: الأماكن في غزة انهدمت عبر (3) أجيال، ومع كل انهدام، لا يبقى من البيوت إلا أشلاء الأثاث، وهي التي جسدتُها مشاهد تاريخية لغزة القديمة، لتظل ذاكرة بصرية ضد الضياع في الأمكنة الأخرى من العالم.
وهناك، في صندوق زجاجي، في إحدى زوايا الغاليري، نرى وثائق فلسطينية قديمة تحكي عن أحوالها بين جواز السفر، والبريد الفلسطيني، والصفحات الصفراء التي تخبرنا عن فندق طبريا، كما تحكي أعمال الفنان حازم حرب المولود في غزة (1980)، والذي يعيش بين إيطاليا ودبي، سيرة البيت من خلال عمل مفاهيمي يتمحور حول استخدامه لصورة أرشيفية لأحد بيوت طبريا، عمل على تكبيرها لتحضر مثل غرفة حقيقية يتحرك ساكنوها غير المرئيين بين الكراسي والطاولة والنافذة المواربة وما تركوه من آثار، تكملها لوحات حرب الكولاجية الأخرى التي يزاوج فيها بين صور وثائقية، قام بـ(تحميضها) من (نيغاتيف) أشرطة قديمة، وجعلها منسجمة مع رموز لوحاته وألوانها، ومنها لوحة «القوة لا تهدم الذاكرة» المتمركزة حول صور وثائقية للقدس، بمكوناتها وآفاقها وزرقتها التي تجمع قبة الصخرة وكنيسة القيامة وأبعادهما المتعايشة بمحبة وسلام.