الاتحاد

الملحق الثقافي

رمقُ الكلماتِ الأخير

أحقنُ جسدَ النّص بمَصلِ مُلون يتمَشّى في عروقه الشفافة فينشرُ لونه على كل ما يمر به من خلاياه الطّرية، فتُضحي مرئيةً لي وللآخر. فهل أمنحُها حياةً أم أنني أشوّه ذلك الجسدَ المعجون بماءِ الحوريات!
أتساءلُ عمّا أفعلهُ وأنا أتأبّط نصًا آخر، ثم أقنِعُهُ بأنّ ملابِسَه هذه لا تلائِمُه، وأنّ في وسعي تقديمه إلى عالمٍ جديدٍ مختلف، ليتعرّف إلى قُرّاء جاؤوا من مدينة العجائب ليستمتعوا بقراءته، واكتشاف معانيه الجديدة والفريدة والمغايرة لما ألفوا من نصوص تقليدية. يهزُّ النَّصُّ رأسهُ ويَتَعرّى واثقاً من أنني سأصونُ تفاصيل جسده وعيوبه التي لم يُحسنْ إخفاءَها صَاحِبُهُ الأوّل تحت طيّات ملابس لغة أخرى ادّعيتُ أمامَهُ بأني أملكُ مفاتيحها، وأسبِرُ أغوارها (1).
وعندما أفرغُ من مداعبة الكلمات، ويتبدّدُ الشّغف، تبدأ رحلة الشّكِّ المقيتة، وأتساءلُ عمّا ارتكبت يداي من جُرْم، وحروفي من تشويهٍ في ذلك الوجهٍ الذي بَدا بديعاً في اللقاء الأول في تلك المدينة الغريبة. أقفُ على مسافةٍ مني ومِنه، مُقَيِّماً تلك العلاقة التي نشأت وازدهرت وماتت على فراش مُبَلّلٍّ بالمعاني، لتستقرّ أصابعي على جبهتي متذكراً كلمات كارلوس ليسكانو: «الفعلُ أولاً ثم التأمل. إن النّشوة والفرح اللذين يَشعر بهما ذلك الذي يشرعُ في الكتابة تحلّ محلهما، عاجلا أم آجلا، الشكوك إزاء فعل الكتابة، وينتهي بها الأمر شاكاً في الكتابة. غير أنه دون شكوك لن يكون في وسع الكاتب أبداً أن يعي نشاطه. ومن كاتب إلى إلى آخر، تتجدد الشكوك، وتبدأ المرحلة القاتمة فيشعر من يكتب بعبثية ما يقوم به، واستحالةِ أن يفعل ما يريده، وعَجزه عن مضاهاة الكتب العظيمة التي أعجِبَ بها. وفي لحظة ما، يمكنه الكتابة عن هذه الشّكوك، فيتحول الأدب إلى تأملٍ حَول فِعلِ الكتابة» (2).
أعمدُ إلى اختصار جلسات التأمُّل، وأكتفي بمحاسبةٍ سريعةٍ أحَرِّرُ فيها نفسي من الشّك، لأعود إلى سيرتي الأولى، باحثاً في الطرقات الغريبة عن حسناء تتلفعُ بِنصّ يُخفي مفاتنها، أتحوّل إلى كلب يتشمَّمُ عِطرَ الكلمات، ولا يضيرني أن أتجوَّل في الأزقةِ المُتعبة كـ«جان باتيست غرونوي» (3) متلَصِّصاً على حركات الأجسادِ التي تتعَرَّقُ عِطراُ وحياة. أتعثرُ بالرائحة، أتبعها، أغويها، أسرقُ لذّتي منها، وأفِرُّ مُنتصِراً مَرّة أخرى. انتصار مشبوب بالذاكرة، تلك التي تنبعثُ فجأة من تحت قدميّ، ثم تسيلُ تحتي، تبللني، ثم تندفعُ فجأةً فتكادُ تغرقني، ولا يُسعفني حينها أن أستنجدَ بكل ما كتبت، وأعود إلى حياة مهاجرٍ غريب اقتات على الكلمات، وما كان له إلا أن يحيا واحدةً من حياتين: «الأولى بلُغَةِ المكان، لغَةِ الأشياء العملية، والعمل، والشارع. والثانية حياة حميمية، حياة التأمّل والذاكرة التي تجري في لغة طفولته». (4).
أحاول العودة إلى موطني، متناسياً أنني تركتُ خلفيَ بصمةً لا تمحى، وأنّ على الأرض كائنات أخرى خلَّفتُها وأخشى من تحمّل مسؤولتي عنها. هكذا تبدو النصوص التي ترجمتها بمثابة أبناء غير شرعيين لي، لم يولدوا من صلبي، لكنني تبَنّيتُهُم، غيّرتُ أسماءَهُم –وربما شوّهتُ مَلامِحَهم الأصيلة– ثم مَنَحتُهُم كُنيتي وأسكنتهم أوراقي، وسَجّلتهُم في مطابع تُمَكّنهم من التفاعل مع نظرائهم في المجتمع، وولوج أروقة الأدب ومحافل الثقافة دون قيدٍ أو شرط، ثم عُدتُ فنبذبتهم وأنكرتهم، لأعيش صراعاً داخلياً، فلا أنا أملكُ جرأةَ التخلي الكامل عنهم، ولا الاعتراف بهم! (5).

لستُ عقيماً، لكنني لم أنجب من صُلبي أي طفلٍ أسهرُ على راحَتِهِ في الليل وأتحوّلُ إلى مهرج له في الصباح، عِوضاً عن ذلك ادعيتُ أبوة عشرات الأطفال، وربما مئات، بعضهم جاء على صورةٍ كاملة البهاء، والآخر كان مسخاً مشوهاً ما لبثتُ أن نبذته عني بعيداً. ثم إنهم يزورونني ليلاً، بعضهم يبدو رثّ الثياب والآخر يرتدي تيجاناً وعباءات مطرزة، تصطف النصوص على جانبي السرير، تتأملني، تبتسمُ لي، تشتمني، تقبّلُ يدي، تبصقُ عليّ: أنتَ الذي شكلتنا.. أنتَ الذي جعلتنا على ما نحن عليه! شكراً لك، بئساً لك!
عندما أتمشى بين الناس في الشوارع أتساءلُ عمّا جَعل بَعضهم سميناً والآخر نحيفاً، تلك العيون الناعسة وهذه الجاحظة، أولئكَ الذين تشرقُ الابتسامة على وجوههم وآخرون يَحقِنون العبوسَ على وُجوههم كإبرِ البوتوكس!
«لم خلقتنا على هذا الشكل؟!».
تخرسني الأسئلة، فأرتدي عباءة نصوصي، وأكشفُ رأسيَ عن سؤالٍ لَحوح: يا ربّ! لو أن أحداً سألكَ أنْ تُعيدَ خَلقَه.. فَهل تفعَل! أتراني سأضَعُ أقلامي وأجففُ الصُّحف!
اللعنةُ على صانعي الترجمات (6!) اللعنةُ على أصنام الكتابة التي نقدمُ لها نساءنا الجميلات الخائنات قرباناً عوضاً عن تلكم البشعات الوفيات (7!) اللعنةُ على قاتل الرّوح ليرمِّمَ الجَسد (8!).
لو أنني أعيدني إلى سيرتي الأولى، أمسحُ تلك الأبجدية وأتأتئ أصواتا لا معنى لها، أحبو على بساطٍ أبيض، دون حاجةٍ إلى إغراقِ أصابعي في شواطئ الحِبر وانتشال سرطانات تبحثُ عَمّن ينقذها من اقتلاع عينيها الباحثتين عن سبيلٍ للنجاة. أكنتُ أحجبُ عنها صورتي لأدعي صورة أجمل لن تراها أزينها بكلمات منمقةٍ أكَوِّرُها وأجمَعُها لأسُدّ بها جحورا حَفَرَتها وغادَرَتها بلا رَجعة!
آه يا أبنائي من رحم الخيانة! ليتني قطعتُ لساني، وبترتُ يدي، قبل أن أجمعكم على لَحدٍ واحد، ألقِّمُ أفواهكم الراعشة كلماتي الأخيرة (9)، قبل أنْ تتناهى إلى سَمعي أصواتكم مُتحدةً في أذني: تباًّ لك (10!).
......................................
1- يقول لورانس فينتي في كتابه «فضائح الترجمة» واصفاً مهمة المترجم: «المؤلف يغطي المعنى في اللغة، ومن ثم ينقل المترجم معنى النص الأجنبي بتغيير أغطيته اللغوية. وهذا يعني أنه قد توصف الترجمة بأنها كتاب مختلف لأن هذا المترجم يلبس النص أحسن الثياب ويغطي المعنى بأسلوبه وتعبيراته، وعلى الأقل يضعه في شكل مختلف عن الأصلي، شكل يختلف عما كان عليه».
2- الكاتب والآخر، للمؤلف: كارلوس ليسكانو، ترجمة نهى أبو عرقوب، ص122، إصدارات كلمة، هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.
3- بطل رواية «العطر» لمؤلفها باتريك زوسكيند.
4- الكاتب والآخر، كارلوس ليسكانو ص 108.
5- «يبقى مترجم دون وعي تاريخي سجين تصوره للترجمة وسجين تلك التصورات التي تنقل الخطابات الاجتماعية لتلك اللحظة».(بيرمان).
6- «اللعنة على صانعي الترجمات الحرفية الذين بترجمة كل كلمة يوترون المعنى! هنا يجدر بنا القول إن الحرف يقتل وأن الفكر يحيي»، فولتير، الرسائل الفلسفية، 1734م.
7- مقولة فرنسية شهيرة: «الترجمات كالنساء، إما جميلات خائنات، أو بشعات وفيات!».
8- «في جهودها لضمان المعنى الحرفي، تدمر الروح تماماً»، فضائح الترجمة، لورانس فيتي، ص153.
9- إنه لا يمكنني أن أتصور حياة لا أكتب فيها، أو أفكر بالكتابة، أو أذهب بعيداً في أحلامي حول ما في وسعي أن أكتبه، الكاتب والآخر، كارلوس ليسكانو، ص122.
10- معامل أنيس عبيد للأفلام الأجنبية لرائد الترجمة في مصر أنيس عبيد (1909–1988) استبدلت كلّ الشتائم البذيئة في الأفلام بكلمة واحدة لا تتغير، «تباً لك».

اقرأ أيضا