الاتحاد

ثقافة

الجماليَّة.. نقيض الطغيان

شغف الغرب بعلم الجمال. وليس من شك في أن التراث اليوناني- إلى جانب ظروف أخرى كثيرة- هيّأ المجال للمتابعة والإضافة والمثاقفة مع العلوم الأخرى. وتقوم أرتال وأرتال من الفلاسفة والباحثين الغربيين، أجيالاً بعد أجيال، بدراسة علم الجمال، بكل جدية وكل مهابة. إن هناك أجيالاً متعاقبة تابعت تراث القوانين الجمالية التي وضعها اليونان تمتد من أفلاطون إلى بنديتو كروتشه. أما في الشرق فالطابع الغالب أنهم لا يعتبرون الواقع مجالاً للتقدم نحو المثل الأعلى، بمعنى أنهم لا يؤمنون بأن الحق والخير والجمال قيم مطلقة ليس عليها سقوف.

الشرقيون يرون الواقع مخلوقاً، والمخلوق يحمل صفاته في ذاته، فالخالق لا يخلق شيئاً من دون أن يضمنه صفات ومعالم ومقاييس، وهذا يشير إلى أنهم أخذوا الواقع كما هو على اعتبار أن حكمة الخالق تتجلى في هذا المخلوق، وأي ظاهرة كانوا يعتبرونها ظاهرة تاريخية، ليس بالمعنى الماركسي، بل بمعنى أن الخالق أوجدها في الوقت المناسب والمكان الملائم. وبهذا مال الفكر الشرقي إلى التأمل في الوجود والواقع، كلوحة مرسومة بريشة الخالق، ولا يعتقدون، أو الأغلبية منهم، أن من الممكن تغيير شيء، فما من حق مخلوق أن يغيّر من صفات مخلوق آخر، فالتغيير من قدرة الخالق فقط.
لنوجز ما نريد أن نصل إليه، وهو أن العالم الغربي والشرقي معاً انتقلا من الميثولوجيا إلى الفلسفة إلى العلم، ولكن ليس بتزامن واحد، ولا بمسيرة واحدة، ولا بهدف واحد، فالغرب انتقل إلى الفلسفة عندما آمن أنه قادر أن يتفاعل مع الواقع، وبتفاعله مع الواقع آمن أنه قادر على استخدامه وتسخيره، كما يقول فرنسيس بيكون. أما الشرق فتأخر كثيراً، وظل يرى الواقع تمجيداً لرب الخلق، ومع أن فجر العلوم الأول كان من عنده، إلا أنه لأسباب عديدة لم يستكمل الثورة العلمية التي تمنح القدرة للبشر في التعامل مع الواقع.
وقد أدى هذا التطور غير المتوازي إلى الكثير من التفاوت بين الشرق والغرب، على الرغم من التواصل المستمر بين الطرفين، والذي لم ينقطع في يوم من الأيام، منذ النزوح من آسيا، وحتى هذه الأيام.

الجمالية الغربية
في العصر الهيليني سادت النظرة اليونانية الجمالية في كل العالم المتحضر تقريباً، بحسب فتوحات الإسكندر. وتتجلى النظرة الجمالية في الميثولوجيا اليونانية أكثر مما تتجلى- ربما- في كتب المؤلفين من أفلاطون وأرسطو، والسبب يعود- في الأرجح- إلى تجسيد المعنويات وتشخيصها، بحيث تؤدي الدور بصورة أوضح وأكمل وأجمل. وسنقف عند هذه التجسيدات والتشخيصات الجمالية هنيهة، لنقف على المبادئ الجمالية الأولية، كما تجلت في الميثولوجيا اليونانية.
فينوس ربة الجمال، لكن لها أتباعاً ووصيفات، نختار من وصيفاتها أغلايا وثاليا وأفروسيني. «أغلايا» تعني اللطف، أو الجمال اللذيذ، أو الدمث، أو الناعم. و«ثاليا» تعني الحيوية، النشاط، الطراوة، و«أفروسيني» تعني المرح. ففي الطبيعة الحية لا يعتبر جميلاً ما ليس فيه لطف ونشاط ومرح. أما المرأة فمهما كانت جميلة تفقد جمالها إذا- مثلاً- ظلعت في مشيتها، أو رفعت من طبقة صوتها، أو حملت سيماؤها بعض العبوس ولو في أدنى الدرجات، فكيف إذا طبقت هذه المعايير على طاغية، أو محتل أو حقود.... إن الجمال كامن فيما تعنيه كلمة «جمال» أي الحس، أو الشعور المرهف. فأتباع فينوس، أو سمات الجمال، ضروريات، ويعملن ليس في الفرد وحده، بل في المجموعات والمجتمعات، فهن المسؤولات عن الصداقة والألفة والمودة والتواصل الصريح والسليم بين الناس، وعن الرسم والنحت والموسيقى والرقص. وعندما تشرف ربة الرقص على الأداء، لا بد لوصيفات فينوس من مصاحبتها لتوفير الرقة واللطف والمرح في الحركات الراقصة، فيبعدن الرقصة عن الوحشية ويوفرن لها الانسجام. والمجتمع السعيد هو من توافرت فيه هذه الصفات، أو هذه الربات كما كان يطلق عليهن.
كيف يتحقق المجتمع السعيد؟ بخلق المناخ حتى تتجلى هذه الصفات. وأعظم مناخ مناسب يكون في ابتكار الأعياد التي تبعث الفرح والنشاط وتفرض اللطف سلوكاً، إلى أن يصبح عادة اجتماعية. ففي اليونان كان هناك أعياد أضعاف عدد أيام السنة بكثير. والإغريق أول شعب أتقن صناعة الفرح، والفرح جعله متضامناً متكاتفاً، لا عن عصبية ولا عن فئوية، بل عن حب الحياة الجميلة السعيدة، ولذلك دحروا الفرس مرات ومرات، مع أن قوتهم العسكرية تشبه البرغوث أمام الفيل. وقد حوّلوا ذكرى معاركهم نفسها إلى أعياد فرح، لا يزال العالم حتى اليوم يحتفل بها، فسباق الماراثون يقام عالمياً- طبعاً عدا إيران وريثة الفرس الذين دحرهم الإغريق. وقد حاول أحد أصدقائنا رصد تلك الأعياد، فعمل طويلاً، ولا يزال يعمل، ولا ندري متى ينهي إحصاءه ليخرجه في كتاب فريد من نوعه.
وعندما تقول الأعياد فإنك تعني الألعاب الرياضية والمباريات المسرحية والمنافسات الموسيقية، والمناظرات الأدبية، وعرض التحف الفنية... وفي الإلياذة نجد أخيل يقيم الألعاب الرياضية بعد حرق جثمان صديقه، وقبل تقديم القرابين، لأن القربان لا تقبله الآلهة إلا من شعب يصنع الفرح ويمارس المرح... وكل قربان مرفوض من شعب حقود أو ظالم... لا بد من الفرح. والمعلوم أن مواقيت الأعياد أشبه بالأشهر الحرم عند العرب، فلا حرب ولا اقتراف أي موبقة، فإن حدث... تكن العقوبة شديدة جداً، لأنهم يعتبرون الجريمة اقترفت ضد الصالح العام وليس ضد الفرد المتضرر وحده.
لكن العقل اليوناني كان دقيقاً، بل كان في منتهى الدقة، فإلى جانب وصيفات فينوس: الربات أغلايا وثاليا وأفروسيني هناك تابع لها هو إله الحب إيروس أو كيوبيد كما سماه الرومان، وكما شاع في عالم الثقافة. بعض الشائعات تروي أنه ابنها من إله الحرب مارس، وبعضها الأخرى تقول إنه ابن فينوس من الرب فولكان، ولكن بعض الباحثين يؤكدون أنه إله مستقل عمل مع آلهة أخرى على خلق العالم والأحياء، ولولاه لما كانت في الأرض حياة إنسانية، لكن إله الحب هذا لم يتخط مرحلة الطفولة، معه سهام ذهبية وفضية وبرونزية وحديدية وحمراء وصفراء وبيضاء وسوداء وخضراء، ولكل سهم وظيفة، ولكن المشكلة أنه يطلق سهامه على الطائر، كما يقال، ولتصب من تصيب، فليس لهذا أي أهمية عنده، ولذلك قد يعشق الفتى امرأة في سن أمه، وقد تضحي ملكة مثل «ديدون» بنفسها من أجل إينياس، الضيف العابر... وهكذا. قيل إنه أعمى، ولكن كثيرين من شهود الوقائع يثبتون أنه طائش فقط وليس أعمى، إن كان هناك فرق بين الطيش والعمى. وعندما يتدخل الحب تتوقف مقاييس الجمال، فالجميل هو ما نحبه فقط، كالمازوكي الذي يعشق تعذيب الذات، وكالسادي الذي يعشق تعذيب الآخر. إن الصرح العالي العظيم الذي بنته ربات اللطف والحيوية والمرح، ينهار عندما يلهو كيوبيد بسهامه... ومن كيوبيد أو إيروس ظهرت النظريات التي تربط علم الجمال بالجنس، كما عند فرويد وماكس نورداو... وسواهما.
لا يوجد جيل في العالم الغربي إلا بحث في علم الجمال، من أفلاطون حتى إتيان سوريو، حتى بارتيلمي، حتى جورج سانتياغو، حتى الفيلسوف الإيطالي بنيديتو كروتشي، وحتى الشكلانيين ومن تلاهم... كأن من واجب كل فيلسوف وكاتب أن يمرّ على علم الجمال، ويدلي فيه برأيه، كأنه بوابة عبور إلى الحقول الإليزية، أو كأنه شهادة تخرّج في أكاديمية المبادئ الجمالية. وكل غرض الجماليات جعل البشر يعتادون القيم المطلقة، التي تحول دون السلطة الشمولية ووصول الطاغية إلى العرش. ولو لم تنتشر الجماليات في اليونان، لما استطاعوا إسقاط الطغاة والمستبدين. وهم من الشعوب الفريدة التي أسقطت الطاغية من غير أن تأتي بطاغية آخر، فكثير من الشعوب يهللون للسقوط، فإذا ما هو آتٍ طغيان عاتٍ.

الجمالية الشرقية
أضعف شيء عند الشرق هو الجمالية، الموضوع الذي لم يحظ بأي اهتمام. صحيح أن هناك الكثيرين في العصر الحديث ممن كتب عن الجمالية، كعبد الكريم اليافي وزكريا إبراهيم، وأميرة حلمي مطر، أو ترجم، وهم كثر، ولكن أحداً لم يكتب في الفلسفة الجمالية أي كلمة سوى ثلاثة حاولوا الاجتهاد: العقاد وتوفيق الحكيم ومصطفى صادق الرافعي. العقاد يحصر الجمالية في الوظيفة، فيرى أنه لا ينشأ عضو من الأعضاء إلا ليؤدي وظيفة معينة، فإن أداها بحرية حقق الشروط الجمالية، وإن لم يحققها، لعائق خارجي، أو عيب في التكوين الداخلي، فإنه يجلب القبح، أو لنقل إنه لا يعود مرتبطاً بأي شيء جمالي. ويمكن تطبيق العمل الجمالي للوظيفة على كل شيء تقريباً. وتوفيق الحكيم يحصر الجمالية في التعادلية، أو انسجام العناصر الداخلية، وتوافقها مع الظروف الخارجية... أما الرافعي فقد ربط الجمالية بالحكمة الإلهية، واكتفى بسرد آثار الحب والجمال وخصص لذلك أربعة كتب هي: رسائل الأحزان، حديث القمر، السحاب الأحمر، أوراق الورد.

الطاغية والتربية الجمالية
على الرغم من التفاعل بين الفكر الشرقي والفكر اليوناني، لم يهتم الشرق بالجماليات. ومع أن الأصداء اليونانية تتردد كثيراً لدى المعتزلة وابن سينا والغزالي وابن رشد، فاهتمامهم انحصر في البلاغة والأحكام، أو لنقل في الدين والممارسة. ومع أن الجناح الآخر، كابن المقفع والرازي وابن الراوندي... ساجلوا الأطروحات الدينية التي طرحها فريق الموالاة للحكام، فإنهم لم يقدموا أي كلمة عن الجماليات.
كان نكسون عضواً في لجنة تطوير برامج التعليم على أثر إطلاق الاتحاد السوفييتي قمراً صناعياً، ودفعت الحماسة هذه اللجنة إلى اعتماد المناهج العلمية، على حساب الفن والجمال، منذ الصفوف الابتدائية، لكن نكسون اعترض، لأن العلم وحده لا يصنع مجتمعاً، ففيه يفقد المواطن «اللطف» الضروري لكل مجتمع، وإلا تحوّل إلى مجتمع قوة، فلا بد من إدخال «الجماليات» الصانعة للفرح، ركيزة المجتمعات الراقية، ومن الفرح يتفرع كل ما هو جميل ليمسك المجتمع، الذي لن يتماسك بغيره، فالفرح وحده يزرع الأمل في السعادة، وعلى وعد السعادة يعمل الإنسان.
إننا نسلم أن هناك ما لا يعد ولا يحصى من العوامل المتضافرة التي أوجدت «الاستبداد الشرقي» كالجغرافيا والاعتماد على أقنية الدولة في الري، والتطور غير المتوازي في فروع المعرفة والحياة، وأسلوب الإنتاج الشرقي... وغير ذلك من العوامل أو الأسباب، ولكنا نعتقد أن «التربية الجمالية» من جملة الأسباب أو العوامل، لأن الشرق لم يولها أدنى اعتبار، ولأنها خلت من المجتمعات المفككة المنقسمة والمتنابذة. إن فقدان الجمالية من أهم البوابات التي يدخل منها الطاغية، لكنها- للأسف- لا تحول دون اجتياح العسكر الأجنبي لبلد صغير، وإن كان مزروعاً بحدائق الجمالية، فللإمبراطوريات الحديثة حسابها الخاص.
يحدثنا التاريخ أن ظهور المسيحية قضى على حضارتين من أبذخ حضارات العالم: اليونانية والرومانية، فلم تعد هناك ألعاب رياضية ولا احتفالات ولا ما يشبه هذا أو ذاك، وإنما حلت أعياد الحزن والكآبة، ففي السواعي الكبير، أو الصغير، أسماء كثيرة للقديسين المسيحيين، وكلهم ممن مات قتلاً واعتبر شهيداً، فيبقى الذين يحافظون على اتباع إرشادات السواعي في حزن على مدى أيام السنة، بل هناك من الأعداد ما يزيد أضعافاً على عدد أيام السنة. وهذا ما قضى على فينوس وأتباع فينوس مدة ألف سنة، إلى أن أعاد الغرب الألعاب الأوليمبية وبقية الألعاب، وطوى صفحة أعياد الحزن والندب، فانتعشت الآداب والفنون التي تصنع أعياد الفرح. وقد ربط الدارسون بين الطاغية وتخلف الفنون والآداب، أو هجرتها من الوطن، لم يشذ عن ذلك دارس، بل جعلوا ذلك قاعدة يقيسون بها شدة سلطة الطاغية وظلمه.

العقاد والحكيم والرافعي
العقاد يحصر الجمالية في الوظيفة، فيرى أنه لا ينشأ عضو من الأعضاء إلا ليؤدي وظيفة معينة، فإن أداها بحرية حقق الشروط الجمالية، وإن لم يحققها، لعائق خارجي، أو عيب في التكوين الداخلي، فإنه يجلب القبح، أو لنقل إنه لا يعود مرتبطاً بأي شيء جمالي. ويمكن تطبيق العمل الجمالي للوظيفة على كل شيء تقريباً. وتوفيق الحكيم يحصر الجمالية في التعادلية، أو انسجام العناصر الداخلية، وتوافقها مع الظروف الخارجية... أما الرافعي، فقد ربط الجمالية بالحكمة الإلهية، واكتفى بسرد آثار الحب والجمال، وخصص لذلك أربعة كتب هي: رسائل الأحزان، حديث القمر، السحاب الأحمر، أوراق الورد. وجعل الحب في الكلمة والقبلة والمنى فيما لا يخالف الله، وإلا فإنه الشر بذاته.

الشرق والغرب
العالم الغربي والشرقي معاً انتقلا من الميثولوجيا إلى الفلسفة إلى العلم، ولكن ليس بتزامن واحد، ولا بمسيرة واحدة، ولا بهدف واحد، فالغرب انتقل إلى الفلسفة عندما آمن أنه قادر على أن يتفاعل مع الواقع، وبتفاعله مع الواقع آمن أنه قادر على استخدامه وتسخيره، كما يقول فرنسيس بيكون. أما الشرق فتأخر كثيراً، وظل يرى الواقع تمجيداً لرب الخلق، ومع أن فجر العلوم الأول كان من عنده، إلا أنه لأسباب عديدة لم يستكمل الثورة العلمية التي تمنح القدرة للبشر في التعامل مع الواقع.

قاعدة مضطردة
ربط الدارسون بين الطاغية وتخلف الفنون والآداب، أو هجرتها من الوطن، لم يشذّ عن ذلك دارس، بل جعلوا ذلك قاعدة يقيسون بها شدة سلطة الطاغية وظلمه. فمن دون افتراس الجميل لا يظهر الطاغية الذي يلغي القوانين الديمقراطية، مثلما ألغت المسيحية أعياد الفرح.

قرابين الجمال
في إلياذة هوميروس، نجد أخيل يقيم الألعاب الرياضية بعد حرق جثمان صديقه، وقبل تقديم القرابين؛ لأن القربان لا تقبله الآلهة إلا من شعب يصنع الفرح ويمارس المرح... وكل قربان مرفوض من شعب حقود أو ظالم... لا بد من الفرح. والمعلوم أن مواقيت الأعياد أشبه بالأشهر الحرم عند العرب، فلا حرب ولا اقتراف أي موبقة، فإن حدث... تكن العقوبة شديدة جداً؛ لأنهم يعتبرون الجريمة اقترفت ضد الصالح العام وليس ضد الفرد المتضرر وحده.

اقرأ أيضا

الشارقة تجمع رموز الأدب والإبداع المحلي في أول معرض للكتاب الإماراتي