الاتحاد

الملحق الثقافي

السرد والمحتمل والكلمات

لا علاقة للرواية في البدء بالغطاء اللغوي، يجب القيام «ببناء عالم» (1) أولاً وبعدها ستأتي الكلمات طيِّعة من تلقاء نفسها لتكسو ما بُني في شكل نماذج وخطاطات وأحكام وانفعالات ومسبقات ثقافية هي ما يشكل المضمون العام للرواية. ذلك أن امتلاك الأشياء في حقيقة العالم سابق على وجودها في الافتراض المفهومي. وعكس ذلك ما يحدث في الشعر حيث يُنظر إلى الكلمات باعتبارها أساس كل قول شعري، فهي وحدها السبيل إلى استحضار الأشياء في ذاكرة لا تهتم كثيرا بالمضامين، وإنما تلتقط جوهر العالم في الإيقاع والتشكيل اللفظي. فنحن نكتب شعرا بالكلمات لا بالأفكار، كما يقول بول فاليري.
وأن تكون الرواية «بناءً لعالم» في المقام الأول، معناه أنها بحث عن «صيغ» فنية تقود إلى اقتطاع جزئية زمنية كلية وتضمينها أحداثا تخلق قصة، أي صياغة حدود عالم معقول يتمتع بوحدة وانسجام لا يُنكره القارئ الفعلي، ويقبله المحتمل التأويلي وتجيزه الموسوعة الثقافية بكل واجهاتها في الوقت ذاته. وهو أمر تُفسره طبيعة «العوالم الممكنة» ذاتها، مادة الرواية وأساس وجودها، فهذه العوالم ليست مختلفة عن عالمنا، وليست انزياحا مطلقا عن عالم واقعي لا راد لقضاء الأشياء فيه، إنها وجه خفي منه، نما وتشعب في تفاصيله، لذلك لا يمكن أن توجد إلا باستحضار ممكناته في الأشياء والكائنات والعلاقات والمظاهر.
بعبارة أخرى، إنها تُبنى وفق قوانين الحياة ذاتها، ولكنها لا يمكن أن توجد إلا على «هوامشها»، ما يمكن أن ينبعث من لاوعي قد يبدو فرديا في الظاهر من النص، ولكنه جماعي في الحقيقة السردية. يتعلق الأمر بامتلاك لما يشكل عالما مشتركا، واستثارة ما تسرب إلى وجدان الناس في شكل أحلام أو آلام وتصريفها في سلوكات فردية مخصوصة. لذلك يُنظر عادة إلى عناصر التخييل السردي باعتبارها «تشويشا» على «واقع» ألفته العين واعتادت على تفاصيله. ولن يكون أساس الإبداع سوى هذا التشويش بالذات، فالفن الذي يكتفي بوصف المعتاد من المعيش اليومي لا يمكن أن يسهم في إعادة خلقه. وهي صيغة أخرى للقول إن «العوالم التخييلية هي طفيليات داخل العالم الواقعي، إنها تتجاهل مجموعة من الأشياء نعرفها عن هذا العالم، لكي تُمكننا من الانغماس في عالم محدود ومغلق شبيه بعالمنا، عدا أنه أفقر منه» (2).
وتلك هي الغاية من كل سرد، وذاك موقعه في التجربة الإنسانية. إنه ليس ممارسة طارئة في الوجود، وليس صيغة فنية عرضية، بل هو طريقة في تشخيص الزمن وتصريفه في المنجز اليومي بكل تفاصيله. إنه وثيق الصلة بوجود الإنسان داخل الزمن، أو هو شاهد على وجوده في المعنى، أي ما يجسد سيرورة تأنسنه ويكشف عن بعض من أسرارها. فنحن لا نروي قصصا من أجل محاكاة حياة تدور أحداثها داخل زمنية معتادة فحسب، بل نفعل ذلك أيضا من أجل إعادة صياغة ما نحياه في غفلة منا وفق منطق تخييلي تنزاح من خلاله الوقائع عن خطية وحيدة المصدر والاتجاه والغاية. وهو ما يعني أن الحكي، في كل أشكاله، هو في المقام الأول احتفاء بالزمن، إنه «حارسه ومن خلاله يصبح قابلا للإدارك»، كما أكد ذلك ريكور مرارا.

فن للتشخيص
تلك هي طبيعة التمثيل السردي وذاك هو جوهره، إنه في المقام الأول فن «للتشخيص»، أي عودة بالذات والوعي فيها إلى «الحسي» والإمساك بطاقاته غُفلا، كما يمكن أن يَصْدُر عن نفس لا تستكين إلا في أحضان استيهامات تُخلصها من قيْد المكرور. إنها طريقة في استعادة ما اختفي في سديمية العالم من خلال مواجهة الحسي بالحسي وحده. ولن تكون حالات التمثيل السردي سوى جزء من حسية تميل عادة إلى التقاط الوجود في وقائعه لا في مفاهيمه. وضمن هذه الحالات مجتمعة ليس هناك أفضل من الحكي سبيلا للعودة بالمفهومي إلى أصله الأول، أداة لبناء المحتمل من الحياة، والمحتمل هو ما يمكن أن يقع، لا ما وقع فعلا (السرد أداة للإقناع، وآلية من آليات الحجاج، ولكنه نمط في التضليل أيضا، فنحن داخله نحكم ونُدين ونُحبذ ونُنفر في غفلة من السامع أو القارئ).
بعبارة أخرى، إنه وسيلتنا المثلى للتخلص من حالات التجريد، للعودة بالإدراك إلى ما يُبنى في الحدث «صافيا»، حينها لن نتأمل الحياة من خلال المفاهيم المجردة، بل نصب الفعل داخلها ضمن ممكنات زمنية لا يمكن أن تُرى إلا من خلال ما يؤثثها من وقائع وأحداث. فمنذ وُجِد الإنسان على الأرض وأدرك شرطه ككائن فانٍ لم يتوقف عن الحكي، ولم تكن غايته من ذلك هي الاحتماء بما فات أو رغبة في استعادة ما ضيعه، لقد كان يود أن يفهم ما حدث أو ما يمكن أن يحدث، أو فعل ذلك فقط من أجل التحليق خارج حدود عيش محدود للاستمتاع بعالم متحرر من قوانين العالم الواقعي.
إن السرد، بعبارة أخرى، ليس مجرد ترتيب مصطنع لوقائع لا يمكن أن تحيا إلا في عوالم التخييل، إنه من خلال ذلك، أو بفضل ذلك، ابتداع لعوالم قادرة على استيعاب طاقات الروح والدفع بها إلى استيطان مدارات الأشياء والكائنات والتحكم في مصائرها ضمن طاقة الاستهواء وحده، حيث تنعدم الحدود بين الأشياء وتتساوى في المظاهر والأبعاد. أو هو محاولة للبحث عن الانسجام والوحدة في المتنافر والمتعدد والممتد في زمن بلا نهاية، ما يمكن أن يوجد في الخلف من الذاكرة المجردة للوجود؛ إن السرد لا يقوم، ضمن هذا الفيض الانفعالي العارم، إلا بما يشخص ويجسد ويُسقط الممكن من كل حالات التأمل ضمن وضعية مرئية في الوقائع ذاتها. إنه فعل فردي، ولكننا لا نمسك من خلاله إلا بالجماعي والمشترك والمتداول بين كل الناس، إننا نشتق منه نماذج قد تكون هي أصل كل الخطاطات السلوكية التي يستند إليها الفرد من أجل فهم تجربته، أو قول شيء عن حياته الخاصة كما تتحقق ضمن المجموع. بعبارة أخرى، إن السرد لا يساوي بين كل التجارب الفردية، ولا يصنفها ضمن المرتبة نفسها، ولكنه يحاول، من خلال حالات التمثيل المشخص ذاتها، الإمساك بالمشترك بينها. وهذا ما يجعله مستودعا للمعارف والخبرات، لا مجرد فعل يكتفي بالتذكير بأحداث وقعت في أزمنة ماضية. فنحن قادرون على فهم قصة حتى ولو كانت مغرقة في غرابتها: فلا ضير في أن يكون للغولة أثداء ممتدة إلى خلف تنز حليبا، ولا ضير أيضا في أن يشق الناس طريقهم مشيا على الأقدام، فداخل التخييل كل شيء ممكن شريطة ألا يخرق الميثاق الرابط بين العوالم الممكنة والواقع. وقد يكون ذلك هو الذي يدفعنا إلى الاستغراق في عوالم الرواية والاستمتاع بالتخييل فيها، بل ومشاركة شخصياتها ألم الحب والموت والفراق والغربة والمنافي. ولن يكون ذلك سوى رغبة في «ممارسة لعبة نتعلم من خلالها كيف نُعطي معنى للأحداث الهائلة التي وقعت أو تقع أو ستقع في العالم الواقعي. إننا، ونحن نقرأ روايات، نهرب من القلق الذي ينتابنا عندما نحاول قول شيء حقيقي عن العالم الواقعي الذي نحيا داخله، وتلك هي الوظيفة الاستشفائية للسرد، وهي السبب الذي دفع الناس دائما إلى سرد قصص، وتلك أيضا هي وظيفة الأساطير: إن السردية تعطي شكلا للفوضى التي تميز»التجربة الواقعية«»(3)، كما يقول إيكو. وهذا ما يضعنا أمام أكبر المفارقات وأكثرها أهمية في الممارسة السردية: إن حقائق السرد أقوى بكثير من حقائق الواقع وأطول عمرا منها. إن الحقيقة النظرية مجدودة، إنها وصف لعالم موجود حقا، أما حقيقة السرد فبناء صناعي تحدده سياقات متنوعة تتم في المتخيل في انفصال عن إكراهات الواقع. الأولى مفتوحة على نظريات أخرى، شبيهة أو مناقضة، منها تستمد قوتها وصدقيتها، أما الثانية فتُبنى ضمن عالم ممكن داخله فقط نقوم بتقدير صحتها أو خطئها. فقد تُضللنا الحواس وتمدنا بحقائق نقوم بتصحيحها بعد ذلك، وقد نعيد النظر في كل الوقائع التي دَوَّنَها المؤرخون، ولكننا لا نستطيع أبدا التصرف في ما يبنيه السرد ويقدمه لنا باعتباره حاملا لحقيقة من طبيعة خاصة. يتعلق الأمر بحقيقة تُبنى خارج إكراهات الزمنية الواقعية، إنها لا تحدثنا عن كائنات في الواقع، بل ترسم لنا نماذج موطنها الذاكرة والوجدان وحدهما (4).

إكراهات الواقعي
بذلك تكون الرواية محاولة للتخلص من إكراهات الواقعي وقوانينه الصارمة التي تعوق رغبتنا في تشكيل الحياة وفق أهواء لا تُرى من خلال السلوك المألوف. فهذه العوالم لها طابع خاص، فهي لا تقول الحقيقة، ولكنها لا تكذب أبدا، إنها تصف حدود ما نحياه ضمن تجربة ألفتها النفس، ولكنها تنزاح عنها من حيث قدرتُها على التصرف في زمنية لا تعرف، في الواقع، سوى اتجاه واحد. إنها كذلك لأنها تقدم لنا عالما خاليا من تعقيدات الوقائع اليومية التي نادرا ما ننتبه إلى تفاصيلها في زمنية مألوفة. إنها وسيلتنا لخرق خطاطات سلوكية لا نستطيع فكاكا منها، والتبشير بأخرى نعيش جزءا منها في ما يقدمها السرد لنا.
وهذا إثبات آخر على أن استيهامات التخييل أقوى تأثيرا من حقائق الواقع. فنحن قد نبكي بحرقة على مصير انَّا كارنينا، وننتظر بلهفة ما ستفعله الأيام بغوادالوبي وألفريدو، ولكننا لا نكترث كثيرا لمصير الآلاف من الأطفال الذين يعانون من المجاعة في أفريقيا(5)، ولا نذرف دمعة واحدة على آخرين تقتلهم الحرب يوميا في الكثير من بقاع العالم. وتلك هي القوة الضاربة للسرد، إن لشخصيات التخييل داخله وضعا خاصا، فهي ليست «أشباحا، كما هي شخصيات التاريخ» بتعبير ألكساندر دوما، ولا تتمتع بـ«سجلات مدنية» مضبوطة، ومع ذلك، فهي موجودة فعليا في وجدان الناس، لا في أرشيف محتمل للبلديات.
لذلك، لا يمكن النظر إلى حقائق الرواية باعتبارها إحالة على حالات عرَضية يمكن التخلص منها باستحضار وقائع المعيش الحياتي. إنها جزء من «العالم الواقعي» وواجهة من واجهاته. ذلك أن العالمين معا، عالم الواقع وعالم التخييل، ليسا سوى بناءات ثقافية هي ما يتداوله الناس حقا، ومن خلاله يقدمون تفاسير تشمل ما انتشر في ممارساتهم دون وعي منهم، وتشمل قضايا الوجود ذاته، ما يعود إلى القلق والخوف من المجهول ومحاولة ترويض الموت من خلال تشخيصه في حكايات تُهوِّن منه. فما يربط بين «أشباح التاريخ» وبين «الكائنات الحية» للسرد التخييلي هو قدرة الإنسان على القيام بنزهة خارج إكراهات العالم «الواقعي»، بتعبير إيكو، استنادا إلى قوانينه وإكراهاته ذاتها.


الوظيفة الاستشفائية للسرد
«إننا، ونحن نقرأ روايات، نهرب من القلق الذي ينتابنا عندما نحاول قول شيء حقيقي عن العالم الواقعي الذي نحيا داخله، وتلك هي الوظيفة الاستشفائية للسرد، وهي السبب الذي دفع الناس دائما إلى سرد قصص، وتلك أيضا هي وظيفة الأساطير: إن السردية تعطي شكلا للفوضى التي تميز «التجربة الواقعية».
إمبرتو إيكو

خارج إكراهات «الواقعي»
ما يربط بين «أشباح التاريخ» وبين «الكائنات الحية» للسرد التخييلي هو قدرة الإنسان على القيام بنزهة خارج إكراهات العالم «الواقعي»، بتعبير إيكو، استناداً إلى قوانينه وإكراهاته ذاتها.



.............................................
1-انظر أومبيرتو إيكو:آليات الكتابة السردية، ترجمة سعيد بنكراد، دار الحوار، 2009، ص33
2-أومبيرتو إيكو: «تأملات في السرد الروائي»، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، 2015، ص139
3-نفسه ص142
4- أومبيرتو إيكو: اعترافات روائي ناشئ ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، 2014 الفصل الخاص بـ «ملاحظات حول الشخصيات التخييلية».
5-نفسه



اقرأ أيضا