صحيفة الاتحاد

الإمارات

«نار وغضب».. عندما تؤرق الصحفي إشكالية الثروة والنجاح والالتزام!

عندما يتحول الصحفي إلى نجم يثير إشكاليات عدة، بعضها يتعلق بالتزاماته الأخلاقية والأخرى تخص  توجهاته المهنية.. ومايكل وولف، بنجاح كتابه المدوي عن ترامب، يثير إشكاليات عدة اختلف بشأنها الصحفيون

عندما يتحول الصحفي إلى نجم يثير إشكاليات عدة، بعضها يتعلق بالتزاماته الأخلاقية والأخرى تخص توجهاته المهنية.. ومايكل وولف، بنجاح كتابه المدوي عن ترامب، يثير إشكاليات عدة اختلف بشأنها الصحفيون

حصد كتاب مايكل وولف «نار وغضب... داخل بيت ترامب الأبيض» مؤخراً نجاحاً مدوياً، في إطار الصراع المتصاعد بين الصحافة الأميركية عموماً والرئيس دونالد ترامب.. لكن أثار الكتاب، والكاتب بالأحرى، جدلاً كبيراً في أوساط الصحفيين أنفسهم على أكثر من صعيد.. وفيما يلي مقال كتبه مايكل سوكولو الأستاذ المساعد في قسم الإعلام والصحافة بجامعة مين الأميركية، ونشره موقع «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، ويطرح فيه وجهات نظر نقدية تماماً، تتطلع إلى مسيرة وولف بصورة مختلفة..
مايكل وولف لا يروق لكثيرين من الصحفيين. وانتقد عدد من الصحفيين المحترفين الكتاب بشدة في مقالاتهم وتقاريرهم عن الكتاب. والواقع أن الكتاب به نقاط كثيرة للانتقاد. فقد اختزل وولف القصة كي يقدم التفاصيل الشهية لحكايات غير متحقق منها. ويشير كثيرون من منتقديه، محقين، إلى أن كتابه مملوء بأخطاء في الحقائق، وأيضاً أخطاء بسيطة في التحرير. ويرون أن ما كتبه وولف يحاول، بصفة عامة، إخفاء الصحافة الشعبية خلف واجهة من معايير الصحافة الاحترافية. ولكن كل هذا معروف عن وولف قبل فترة طويلة.
ومن المؤكد أن جانباً كبيراً من الخزي الذي يلحق بوولف مستحق. لكن من المشتبه فيه أن هناك سبباً آخر لعداء وسائل الإعلام للكاتب الذي أصبح كتابه أكثر كتب أميركا مبيعاً. والمؤشرات المبكرة توضح أن وولف سيجني ملايين أو ربما عشرات الملايين من هذا الكتاب في الوقت الذي تتعرض فيه أخلاقيات وحرفية وأسس الصحافة السياسية للانهيار. وربما يكون الحسد هو ما يحفز على كراهية البعض لوولف.
والمشكلة ليست وولف فحسب. فالصحافة السياسية في كل مستوى تحتضر. والصحف المحلية تفصل الصحفيين المحنكين. وفكرة تخصيص صحفي واحد بدوام كامل يقتصر عمله على تغطية أخبار مقر بلدية المدينة أو الولاية أصبحت رفاهية في كثير من غرف الأنباء. والصحافة لا توفر دخلاً كبيراً كما يعتقد الناس، ومعظم الصحفيين الذين أعرفهم لم يحصلوا على زيادات في الرواتب منذ سنين. والثقافة الأميركية برمتها في الصحافة تواجه مشكلات، كما أن الوصف الذي يطلقه الرئيس ترامب وأنصاره، باعتبار الصحافة «إعلام الصفوة» لم يعد موجوداً في الواقع. أما العاملون الآخرون في النشاط الاقتصادي، فإن عملهم يوفر لهم حاجاتهم الأساسية فحسب.
وهذا ليس جديداً، فلطالما كانت وظائف الصحافة في المستوى الابتدائي ضعيفة الأجور للغاية. وتقريباً كل مذكرات الصحفيين تحدثت عن قصص مضحكة في الغالب عن أجور منخفضة للغاية في بدايات العمل الصحفي. لكن المشكلة التي رصدها نقاد الإعلام تقليدياً هي الأجور الكبيرة للصحفيين. وشكا أحدهم قائلاً: «كان المال الذي يكسبه الصحفي الجيد يساوي ما كان يكسبه الساقي في الحانة أو رقيب الشرطة. وما يحصل عليه الصحفي الآن يساوي ما يحصل عليه طبيب أو محام وربما أكثر بفارق كبير. وتغيرت نتيجة لهذا وجهة نظره عن العالم، ولم يعد يعمل بشكل حر لصالح المجتمع الإنساني، ويسخر من الشخصيات البارزة فيه بل أصبح لديه مكان آمن في طبقة بعينها، وإذا كان لديه زوجة فربما يكون لديها أيضاً تطلعات اجتماعية. وكان أكبر طموح للصحفي في زمني أن تكون لديه بذلتان كاملتان».
وكان تطلع الصحفي إلى الطبقة المتوسطة أو العليا يعد في نظر بعض الصحفيين الكبار خيانة. واستغلال الصحافة في تحقيق الطموحات وللتخطيط للكتابة كي يجمع المرء ملايين الدولارات، وتيسير الصعود الاجتماعي، كان يبدو خيانة للقيم الصحفية الكلاسيكية، وهي خيانة تحديداً لدرجة أن كثيراً من الصحفيين يؤرقهم ذهاب وولف إلى البنك. والواقع أنه في ضوء كل قضايا الاستغلال والرواتب الموجودة في الإعلام الرقمي، أصبح هناك عدد من شركات الإعلام الجديدة الناشئة تنضوي تحت لواء النقابات في السنوات القليلة الماضية. حتى صحيفة لوس أنجلوس تايمز التي رفضت الانضمام للنقابات لأكثر من قرن تخضع حالياً لمسعى الانضمام إليها. وأدرك الصحفيون في نهاية المطاف تعرضهم للاستغلال، ويدركون أن عملهم الجماعي يحقق الثراء للآخرين، بينما لا تتناسب رواتبهم مع ما يحققونه من مكاسب حقيقية لحملة الأسهم والملاك.
وفي عالم الأنباء الزائفة والحقائق البديلة أصبح الإعلام والتضليل الإعلامي منتجات صناعية تُستخدم بالتبادل. ولا غرابة في أن يشعر كثير من الصحفيين وهم يشاهدون مايكل وولف يحصد ملايين الدولارات بإنتاج المحتوى نفسه الذي يؤدي إلى إفقار صناعتهم، إن وولف ينشر المرض برغم أنه يتطلع فيما يبدو إلى العثور على علاج له.