صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

جماعة كوبرا..ابنة الألف يوم

من أعمال جماعة كوبرا

من أعمال جماعة كوبرا

إبراهيم الملا

رغم توقفها المفاجئ، منحت حركة كوبرا المشهد الثقافي العالمي مناخا تعبيريا متمردا وحضورا حارا ومتوهجا لجيل ما بعد الحرب، ولم يكن هذا التمرد الفني منشغلا بالأسئلة الوجودية الكبرى ولا بالجانب التنظيري المفرط الذي لجأت له الدادئية والحركة السوريالية على سبيل المثال، ولكنها انتمت وبقوة للطفولة البشرية وللبراءة الأولى، في مقابل الخطيئة الأولى بتفريعاتها التدميرية المتمثلة في الحروب والانتهاكات الجسيمة لحق الإنسان في الحياة والحرية والتعايش، مستعيدة بذلك ما يمكن أن نطلق عليه اليوتوبيا المكبّلة للماركسية وروافدها الممتدة إلى النزعات اليسارية والتطلعات الثورية.

ظهرت جماعة كوبرا في المثلث الجغرافي الشمالي لأوروبا بين كوبنهاجن وبروكسل وأمستردام كاتجاه رافض لمثاليات الحضارة الغربية، خصوصا في جانبها المادي الصرف وفي حيزها العقلاني المفرط.
انتبهت جماعة كوبرا لحقيقة دور الفنان في الزمن الحرج بعد الحرب العالمية الثانية، ودعت إلى ضرورة خروج الشعراء والتشكيليين من الأطر الجمالية المزعجة والخانقة المكرّسة من قبل الفن البورجوازي المتكلف، انتصارا منها للعودة الارتدادية نحو الفن الفطري، كنوع من الوفاء للخربشات المبتكرة والتنويعات الارتجالية المدهشة عند الأطفال والقبائل القديمة والجماعات البدائية وهي تتعرف ولأول مرة على الخطوط والكتل اللونية والرسومات العفوية البعيدة عن القصد والتخطيط والخضوع للمقاييس والأبعاد المحددة سلفا في المدارس الفنية بنسقها الأكاديمي الممل والرتيب، كما هو الحال مع اللوحات الكلاسيكية والانطباعية.
ضمت المجموعة المؤسسة لحركة كوبرا ستة فنانين هم: كونستانت نوينهويز، وكارل آبل، وكورنييه، الهولنديين وكريستيان دوترمون وجوزيف نويريت البلجيكيين، واسغار يورن الدنماركي. وجاء تجمع هؤلاء الفنانين من سياق مستقل ونشاط سابق في كل بلد من بلدانهم وهي الدنمارك وبلجيكا وهولندا. ففي الدنمارك كان هناك تجمع فني تشكيلي بإسم «هوست» HOST، وفي هولندا تشكلت قبل تأسيس «حركة كوبرا» مجموعة اسمها «ريفليكس» REFLEX، وفي بلجيكا كانت هناك «الجماعة السوريالية الثورية» Belgian Revolutionary Surrealist Group.

الوعي المفقود

في البيان الأول للجماعة والذي صدر في شهر أكتوبر من العام 1948، نقرأ النص التالي لمؤسس الجماعة كونستانت نوينهويز:
«مع هذه التغيرات الجديدة، وحده الإنسان المبدع قادر على أن يكون فنانا ثوريا ومؤهلا لتحطيم آخر أثر للجمال الفارغ والمزعج، من خلال تحفيز غريزة الإبداع المنسية والمهملة في العقل البشري، لقد أضفت الجماهير شرعية زائفة على المعطى الجمالي للفن، بعيدا عن طاقة التخيل الذاتي والابتكار الفردي، إن الساعين لبلورة هذا الشكل الإبداعي الجديد، هم وحدهم القادرون على إعادة اكتشاف الوعي المفقود لمجتمعاتنا الخارجة من جحيم الحرب».
وأتى هذا البيان على إثر الإحباط والانتكاسة والصدمة المعرفية التي أصابت مجموعة كبيرة من الفنانين الأوربيين بعد ويلات وكوارث الحرب العالمية الثانية وما جرّته الأفكار القومية المتشدّدة مثل الفاشية والنازية من دماء ودموع وأشلاء وخرائب باتت بحاجة لمناهج وأفكار إنسانية شاملة بعيدا عن الأنانية والتعصب والنزعات العرقية والشوفينية، لعب الفن بجانب الفلسفة والأدب والنظريات الاجتماعية والأخلاقية دورا مهما في إعادة بناء الإنسان الأوروبي انطلاقا من حريته واستقلاليته الفردية، وقدرته على إحداث هذا التغيير المنتظر.

فعالية الأفعى

جرى اشتقاق اسم كوبرا من الحروف الأولى لعواصم بلدان الفنانين المؤسسين ولا سيما الأساسيين منها وهي «KO» من كوبنهاغن عاصمة الدنمارك، و»BR» من بروكسيل عاصمة بلجيكا، و»A» من أمستردام عاصمة هولندا الثقافية. ولكن النقاد عموما ربطوا بين الكوبرا كمدلول لفظي جديد للحركة، وبين الأفعى المعروفة وقالوا: ان فعالية الأفعى الشهيرة وخطورتها وقدسيتها لدى أمم كثيرة كانت سبباً إضافيا، أو استعارة أخرى تتطابق وتفكير المؤسسين.
وحسب الناقد والفنان العراقي إسماعيل زاير فإن حركة كوبرا، على قصر عمرها الرسمي، كانت أكثر الحركات الأوروبية عمقاً معرفياً وعقلانية وقرباً للهاجس التشكيلي البحت، بسبب تميزها وتجاوزها للحركة السوريالية الأوروبية وتقاليدها التي تدمج وتمتص فعاليات إبداعية كثيرة كالشعر والأدب والرسم والنحت والسلوك السياسي في كيان واحد.
ويشير إسماعيل زاير إلى أن الخبرات الحياتية للفنانين المؤسسين سواء في مجال التجربة الفنية أو المعرفة والوعي السياسيين والاجتماعيين خلال عقود أوروبية مشحونة بالتحولات والأحداث والانفجارات التي شكلت الحربين العالميتين الأولى والثانية عمقها وجرحها الغائر فإن تأسيسها عبّر عن عقلانية فريدة من نوعها واستخلاصات تمييزية ارتبطت بشرط الحرية المفتقد لدى الجماعات الأخرى التي ارتبطت بتجربتها. مضيفا أن أصالة هذه المدرسة فضلاً عن ذلك متجسدة في توكيدها على ضرورة الحفاظ على النقاء الإنساني والابتعاد عن التبجح أو الانغماس في مطارحات همها سياسي وأيديولوجي بالدرجة الأولى والتعلق بالصراعات المنبثقة عن مناهضة الظاهرة الرأسمالية والسعي لتأسيس بدائل وتيارات فكرية عقيمة ،كان فنانو كوبرا أكثر شغفاً بالموضوع والهاجس الفنيين واقل انتباهاً واستغراقاً في موضوعات خلق أو تحضير ثورات جديدة.
وبدأت المجموعة المتحمسة في الحركة والمكونة من نقاد وشعراء وتشكيليين في إحياء الروابط الروحية مع الطبيعة من خلال أنماط تعبيرية بدائية تسعي إلى تطهير الفن من عناصر الإقحام والتزويق والنظرة المثالية، اعتمدت أساليب الحركة على العودة مجددا إلى الذهنية الفنية الصافية قبل ظهور الحضارة الغربية بشروطها المادية والجمالية المصطنعة، وكان واضحا في الأعمال والنتاجات الأولى للحركة انحيازها للإشراقات الفنية والاستنارة الداخلية التي انبعثت في لوحات الانطباعيين الألمان أواسط القرن الثامن عشر.

التداعي الحرّ

احتوت المجموعة التي عرضها متحف الشارقة للفنون في هذا الحدث الاستعادي المهم لأعمال جماعة كوبرا على أكثر من ستين قطعة فنية وأدبية وفوتوغرافية وبصرية توزعت على مشغولات نحتية وأعمال كولاج ولوحات تعبيرية وتكوينات أدائية واستعراضية ومخطوطات شعرية بجانب صور توثيقية للفنانين وأفلام تسجيلية نقلت حرارة وقوة التجارب التي قدمها أعضاء الحركة وسط فضاء احتجاجي ضد العنف والحروب، وفضاء آخر أكثر ميلا وانجذابا للحنين الشخصي، والفوضوية الخلاّقة لدى الأطفال عموما، بجانب إلهامات الفن الفطري والارتجال والتوليف الذهني لمملكة الأحلام والمخيلة البريئة والطليقة والمتمردة.
وتضمنت الأعمال المقدمة رفضا كاملا للتصورات والتصاميم المسبقة، على قاعدة أن الجذور النقية للفن إنما انبثقت من شرارة الدهشة والتداعي الحر واكتشاف الخامات الطبيعية الساطعة.
وتمثلت «البنية البدائية» للأعمال المقدمة في المعرض وبشكل مكثف من خلال انشغالات كل من أسغار يورن ونوينهويز وجاكوبسن بالمستويات المحاذية «للانفعال اللحظي» أو العاطفة التجريبية بدلا عن الفن التلقائي والكتابة الآلية التي اعتمدها السورياليون في باريس والعواصم الأوروبية الغربية.
وهذا الأسلوب من العمل بطبيعة الحال يحمل أوجه تشابه قوية مع الموجة الجديدة من «التعبيرية البدائية» التي ظهرت بعد الحرب على يد الفنان الفطري الفرنسي جان دوبوفي، وعلى يد الفنانين المنتمين للتعبيرية التجريدية في الولايات المتحدة مثل جاكسون بولوك. وساهمت حركة كوبرا بشكل مؤثر في ظهور هذا النوع من الفنون المغايرة للسائد في القرن العشرين، ومع ذلك يمكن تمييز الانعطافة التي أحدثتها جماعة كوبرا بالذات بالمقارنة مع الحركات التعبيرية الأخرى، حيث ظلت مخلصة لفنون الإنسان البدائي، وطرائق التوليف الإبداعي الحر بعيدا عن هيمنة وسلطة التقاليد الاجتماعية.
ولعبت الحيوانات أو الأشكال البهيمية أيضا دورا كبيرا في أعمال جماعة كوبرا وبلغ حضورها العجائبي والأسطوري نفس مستوى الحضور البشري في أعمال أخرى كثيرة أنتجتها الحركة.، وبناء على ذلك استقطبت هذه الأعمال جميع أنواع الحياة البرية، والمجسمات الصوفية المصنوعة من نصف رجل ونصف حيوان، وأدرجت في اللوحات زيتية والصورة الفوتوغرافية التخيلية الأشبه بقصص ما قبل النوم، أو الهلاوس والكوابيس الطارئة، وعلى الرغم من ابتعاد الفنانين عن القصدية أو اللغة الفنية المحددة، فقد بدا تكريسهم للجمالية البدائية واضحا للعيان في جميع المعارض التي أقامتها الحركة، وحتى بعد انفراط عقد الجماعة، فإن هؤلاء الفنانين استطاعوا تحويل الموجة التعبيرية الجديدة التي احتضنوها، إلى عاصفة مفاجئة هزت أركان الفن الأوروبي في خمسينات القرن الماضي، ونقلتها إلى جغرافيا ثقافية وذهنية ذات حيوية متدفقة، ومتخمة بروح شبابية متمردة في قلب القارة العجوز!


تعتبر الجماعة الفنية الطليعية «كوبرا» التي استضاف متحف الشارقة للفنون جانبا مهما من أعمالها مؤخرا، من الجماعات المؤسسة لفضاء تشكيلي مستقل ومغاير في أوروبا الحديثة، وبرز تأثيرها بقوة منذ انطلاقتها في العام 1948 وحتى انفراط عقدها وبسرعة في العام 1951، بعد أن ظلت على مدار ألف يوم تقريبا تسعى إلى تقديم أعمالها التجريبية الصارخة في أفق رؤيوي وتطبيقي يتجاوز المفاهيم الفنية السابقة والأخرى المحاذية لها في العواصم الفنية الأوروبية العتيدة مثل لندن وباريس وروما.

استلهامات البدائية
أظهر الكثير من الفنانين المعاصرين ميلاً للاستفادة من الأسلوب الجمالي الشعبي في الفن البدائي، فقد مال بول غوغان P.Gauguin إلى الفطرية والرمزية مستوحياً الفن البدائي لجزر هاواي، وكذلك يلاحظ أثر الفنون البدائية في لوحات فناني النزعة الوحشية Fauvisme ولوحات هنري روسو H.Rousseau وبابلو بيكاسو الذي استعار عناصر من النحت الأفريقي وخاصة العيون المفتوحة وملامح الوجوه المشابهة للأقنعة وفهم المنظور فهماً خاصاً، ويظهر ذلك في لوحة «فتيات أفينيون» التي حددت انطلاقة بيكاسو في الفن التكعيبي.
وكذلك تواصل استلهامات الفن البدائي وفن ما قبل التاريخ مع كل من جماعتي «الفارس الأزرق» و»القنطرة/ الجسر» الألمانيتين.