الملحق الثقافي

الاتحاد

تقنيات الـ(لماذا؟)

صدر مؤخراً عن دار العلم للملايين كتاب بعنوان “78 سؤالاً مهماً على كل قيادي أن يطرحها ويجيب عنها” للمؤلف كريس كلارك ـ إبستين ترجمة ريما عطية. ينطلق المؤلف من مقولة أن الحصول على أجوبة هو الهدف من طرح الأسئلة. يطرح المديرون التنفيذيون أسئلة متنوعة إما لجمع المعلومات، أو لإدراك الدوافع وتسليط الضوء على المشاكل. إن الأسئلة والأجوبة التي تطرح في مكان العمل تساهم في كشف العواطف، واكتشاف أساليب جديدة وزيادة فعاليتها. ثمة ثابتة واحدة تجمع بين كل هذه النتائج المرغوبة، هي أن يحصل أحدهم فعلاً على أجوبة عن الأسئلة التي يطرحها، فطرح الأسئلة لا يضمن بالضرورة الحصول على أجوبة. فالحياة لا تتكشف كما تعودنا مشاهدتها على التلفاز في أحداث محاكمة درامية مثلا. فحين يقوم وكيل الدفاع بطرح أسئلة عسيرة على المتهم، يعقب ذلك توقف مؤقت لفترة زمنية ليست بالقصيرة ينظر المحامي فيها الى القاضي، فيطرق هذا الأخير بمطرقته ملتفتاً الى المتهم، قائلاً بنبرة صارمة: “يتوجب عليك الإجابة عن الأسئلة”. عندها يأخذ المتهم نفساً عميقاً، بعدما أسقط في يده، ويعترف بكل شيء. هذه نسخة خيالية عن مدى تأثير الطريقة المستعملة في طرح الأسئلة.
من ذلك يخلص المؤلف إلى أنه في العالم الواقعي لا وجود لقاضٍ ينتزع الإجابة عن الأسئلة المطروحة. فالحصول على أجوبة جيدة على الأسئلة المطروحة رهن بمهارة السائل. ثمة خمس طرق للسلوك يتوجب عليك التمكن منها لزيادة نوعية وكمية الأجوبة التي ستحصل عليها، يفصلها الكتاب على النحو التالي:


سؤال واحد
أولا، اطرح سؤالاً واحداً كل مرة: يقع السائل غير المتمرس في فخ طرح وابل من الأسئلة غير المتناسقة دفعة واحدة. عادة ما يكون ذلك نتيجة عدم تفكيره بشكل متروٍ ومدروس في السؤال الذي يرغب بطرحه. مثال على ذلك ما يلي: “ارغب يا سارة، في معرفة القضايا التي يثيرها الزبائن مؤخراً. ما اقصد قوله، لماذا ترفع المكالمة اليك؟ هل ثمة تأثير سلبي للسياسة الجديدة التي بدأنا تطبيقها الأسبوع الماضي؟” مسكينة سارة أي سؤال يفترض بها أن تجيب عنه؟ تطرح الأسئلة غير المتناسقة حين يبدأ السائل بالكلام دون تفكير مسبق، فبضع دقائق من التفكير المتروي، كانت قد ساعدت مدير سارة في إدراك أن كل همه كان أن يستعلم عن مدى تأثير السياسة الجديدة المتبعة على زبائن الشركة، فلو قال: “كيف تلقى الزبائن السياسة الجديدة التي أطلقناها الأسبوع الفائت؟” لكان هذا سؤالاً صريحاً يمكن لسارة الإجابة عنه بكل ارتياح.
ثانيا، توقف عند نهاية السؤال: ليكن هذا التوقف طويلاً بما يكفي ليتسنى للمجيب التفكير قبل تقديم الإجابة. غالباً ما يتم التغاضي عن الصمت، على اعتبار انه من صفات الرؤساء، ففيما يتعلق بعملية طرح الأسئلة، من الضروري عدم الاسترسال في الكلام غير المفيد. لقد أدرك الباعة الناجحون منذ زمن، أهمية عامل الصمت. فالشخص الذي يتكلم مباشرة عقب طرح السؤال يخسر. وبالنسبة للمديرين التنفيذيين الذين يطرحون الأسئلة، فالخسارة قد تعني واحداً من ثلاث: عدم الحصول على إجابة، أو عدم الحصول على إجابة مفيدة، أو عدم الحصول على إجابة صحيحة. إشارة الى أن الصمت عقب طرح السؤال لا يعني فقط الاكتفاء بعدم الكلام، بل يتطلب النظر في عيني الشخص الآخر، والمحافظة على الهدوء والشعور بالارتياح خلال فترة الانتظار هذه. (حسناً كن صريحاً. يساورك الآن شعور بنفاد الصبر، تنعم النظر بما تبقى من الصفحة التي أمامك، تبحث عن رقم الموضع الذي يشير بالضبط الى الفترة المتوجب عليك قضاؤها منتظراً، أليس هذا صحيحاً؟ فالصمت، حتى ذاك المطوي ضمناً في الصفحة المطبوعة، يمكن أن يثير في نفس المدير مشاعر التوتر). يحتاج هذا النوع من السلوك المرغوب جداً الى بعض الممارسات. ويعتقد معظم الناس انهم يصمتون بما يكفي من الوقت عقب طرح السؤال إلا أن الحقائق الملموسة تدحض هذا القول. فالصمت لفترة لا تتجاوز الثانيتين أو الثلاث ثوان، هي فترة زمنية طويلة اذا كنت انت السائل، وقصيرة جداً اذا كنت في صدد إعداد إجابة. راقب فترة صمتك عقب طرح السؤال وكذلك مدى ارتياحك بالصمت في المطلق. اطل الصمت فترة لا تقل عن عشر ثوانٍ عقب طرح السؤال، فسرعان ما تلمس كيف أن نوعية الأجوبة التي تسمعها قد تحسنت الى حد بعيد.


بين الكبار والصغار

يتعجب الكاتب كيف أن الكبار مع ما يملكون من مستوى في التفكير، ومع انهم يتفهمون حاجة الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين السنتين والثلاث سنوات، الى التعرف على العالم من حولهم بكثرة الأسئلة، يضيقون ذرعاً ويتذمرون لدى سماعهم عبارة لماذا تتكرر على لسانهم؟ أظن أن هذا الإحساس نابع من مشاعر الامتعاض التي تنتاب الأهل على اعتبار أن الطفل لم يتقبل جوابهم الأول. ولكن سرعان ما يدرك الأهل الناجحون أن تكرار استعمال أطفالهم لعبارة لماذا، ما هو إلا مدخل مذهل الى عملية التعلم. فهم يستخدمون لماذا بشكل متكرر كوسيلة للفهم. ولأن عملية التعلم تحصل بشكل متجاوز للسطحيات، فإن الاستخدام المتكرر لعبارة لماذا، يجعل الطفل يتجاوز السطحيات ليصل الى التفاصيل التي يحتاجها لإشباع فضوله. لاحظ كيف يتوقف عن استخدامها حين يصبح لديه ما يكفي من المعلومات لإشباع مسعاه. لا شك أنها نتيجة مؤثرة جداً لسؤال لا يتجاوز الكلمة الواحدة.
من ناحية ثانية، فالشخص البالغ اذا استخدم عبارة لماذا مع الناضجين، قد يكون له نتائج اقل مرضية. فالشخص البالغ قد يشعر عند مواجهته لوابل من عبارات الـ”لماذا”، بأن سلطته وكفاءته أصبحتا موضع شك، وان سمعته صارت على المحك. هذه ليست الطريقة المثالية لبدء حوار مفيد. ومع هذا، تتيح لك عبارة لماذا تجاوز السطحيات والوصول الى حيثما تريد لمعالجة المشاكل، وكشف القضايا الأساسية وتعرية المواقف المشكوك فيها. ماذا في وسع المدير التنفيذي القيام به؟ اليك اقتراحين لاستخدام عبارة لماذا بشكل فعال، يمكنك اختيار الاقتراح الذي يتلاءم مع طبيعة مهنتك ووضع شركتك ومن ثم العمل على تطبيقه.


استخراج الإجابات

بالانتقال الى وضع اكثر تحفظاً كاجتماع دوري لفريق عملك مثلاً، استخدم تقنيات لماذا الخمس التي جرى التنويه بها خلال دورة تدريبية عن مفهوم الجودة. لا شك ان استخدام “لماذا” خمس مرات، وسط بيئة رسمية الى حد ما، معتمداً في ذلك على قصاصات الورق التذكيرية والألواح الإعلانية المتحركة، يساهم الى حد بعيد في التخفيف من الطبيعة الاتهامية المنطوية ضمناً في عملية الـ “لماذا”. اشارة الى أن هذه التقنية سهلة ولا تتطلب مهارات استثنائية. اختر القضية التي ترغب بدراستها واكتشافها، واوجزها على اللوح الإعلاني المتحرك. اطرح سؤالا “لماذا” يعاونك في ذلك فريق عملك. اغلب الظن انك ستحصل على عدد من الأجوبة المتباينة. دوّن هذه الأجوبة، كلاً على حدة، على اللوح الإعلاني المتحرك، واطرح للبحث أربعة أسئلة “لماذا” اضافة لكل من الأجوبة الأساسية. ان الهدف الذي ترغب تحقيقه من هذه العملية هو التوصل الى معرفة السبب الأساسي لنشوء قضية ما. تجدر الإشارة هنا، الى ان لوح الإعلانات المتحرك هو مسألة خيار، وبالتالي يمكنك استخدام دفتر المدونات، فالفكرة الأساسية هنا هي نزع فتيل أي شعور بالتهجم، الانتقاد أو المجابهة.
إن صعوبة طرح سؤال لماذا لا يعني عدم طرحه على الإطلاق. غني عن البيان، القول إن معرفة الطرق والوسائل التي يمكن اعتمادها لطرح ذلك السؤال بروحية من الفضول والتعلم، هي مسألة مهمة وحيوية بالنسبة للمديرين التنفيذيين، فهي بمثابة مهارة أساسية يتوجب عليهم كافة التمكن منها. فكر بطرق تتيح لك الاستخدام الفعال لعبارة لماذا، وما أن تمر فترة زمنية قصيرة على استخدامك لهذه العبارة، ستشعر بحماسة اكبر لاعتماد الأسئلة الأخرى الواردة في هذا الكتاب. نرى كيف قدّم المؤلف كتابه في أسلوب شيق ومتميز ينقل وجهات نظر وأبعاد فكرية من زاوية لا نراها، أو أننا نراها خارج بقعة الضوء فتفوتنا التفاصيل والدلائل، تفوتنا تلك اللحظات التي تلتقطها كل قصة فيها تفاصيل حياة مختلفة ودقائق لم تكن لتسجل لولا قلم الكاتب وأسلوبه الثري.

اقرأ أيضا