الاتحاد

الملحق الثقافي

طاهر رياض يشتغل على شعرية الحياة والوجود

منع الرقيب الأردني مؤخرا مجموعة الشاعر طاهر رياض ''ينطق عن الهوى'' بدعوى تعرضها للمقدس الديني وتطاولها عليه، الأمر الذي يتعلق بعنوان المجموعة، وهو ما لا يمكن إثباته في أي حال من الأحوال، فالعنوان يشير إلى الشاعر الذي ينطق عن الهوى، بمعنى اعتراف الشاعر أنه ليس النبي الذي ''لا ينطق عن الهوى'' كما في الآية الكريمة، بل هو شاعر، والشعراء كما جاء في القرآن ''يتبعهم الغاوون''، فأين هو التطاول على المقدس أيها الرقيب؟
تعتبر تجربة طاهر رياض من أهم التجارب الشعرية التي تنتمي إلى جيل الثمانينيات، فهو صنع تجربته بعيدا عن تجارب أبناء جيله من الشعراء الأردنيين من أصل فلسطيني، تميزه هذا جاء من خلال ابتعاده عن الهم السياسي والوطني بالمعنى المباشر، فقصيدته مهمومة بالهم الإنساني والوجودي عموما، وهي تعبر عن هاتين المسألتين بأسلوب خاص، وبلغة تستلهم الموروث العربي الإسلامي، والصوفي بصورة خاصة، لكنها تستلهم ذلك بطريقتها التي تعيد إنتاج هذا الموروث ولا تستخدمه بطريقة التلصيق أو الكولاج·
طاهر رياض، كما يقول عنه الشاعر الراحل محمود درويش في كلمة على غلاف مجموعته الجديدة شاعر ''من أكثر الشعراء الذين يشبهون قصيدتهم أناقة وصدقاً وشفافية''، وهو كما يضيف درويش شاعر ''مسكون بالبحث عن الشعر الصافي الذي لا زمن له ولا فرسان قبيلة· فالمعنى في شعره هو نتاج العناق الأقصى بين الصورة والإيقاع· لكن سلالة شعره معلنة· إنها جماليات اللغة العربية وإيقاعات الشعر العربي''·
وفي مجموعته ''ينطق عن الهوى'' فإن الشاعر يربط نفسه بعلاقة حميمة مع الطبيعة من جهة، وبالرؤية إلى الموت والحياة من جهة أخرى فيقول ''مات من فرط حياته/ شاعر يحلم أن يلفظ هذي الجملة الجوفاء في يوم مماته''، ويتساءل: كيف يكون البحر/ سماء سائلة؟/ أزرق أحياناً/ أخضر أحياناً/ لا تحت له/ لا فوق/ ولا يسكنه غير الغرقى/ قلت: الغرقى موتى/ قال: الأحياء إذن موتى!! وكما يرى الشاعر أن ''الأسماك ظنون تبحث عن خوف يكفي كي يلقيها في أطباق الصيادين''· كما يرى أن ''البحر سراب مملوء بالماء''·
يتناول طاهر رياض عوالم الطبيعة والعلاقات الإنسانية، وخصوصا العلاقة مع المرأة، ومنها قوله في إحدى قصائده ''البحر والمطر والمرأة والليل والغياب والحلم والسرير والحب''· ويستفيد من الموروث في قوله ''أنا اليوم أتممت حبي عليك/ وأكملت جوعي''، أو ''يا آخر/ يا ظلي/ إنك لا تهدي من أحببت'' وكذلك ''الناس نيام/ فإذا انتبهوا ماتوا'' أو إشارته إلى قول المسيح ''إن خبزي ناضج فكلوه/ خمري في شراييني، اشربوها'' ولا عشائي كان سرياً/ ولا في غابة أخفيت صحبي/ أو ملذاتي الحزينة·
وهكذا، مع قصائد طاهر رياض نستطيع ـ كما يرى الشاعر شوقي بزيع ـ أن نتعقب ملامح الزواج الناجح بين اللغة والمعنى من جهة وبين الصورة والإيقاع من جهة أخرى· وإذا كانت تلك الملامح موجودة بشكل جلي في أعمال الشاعر السابقة فهي تبدو أكثر جلاء في مجموعته الأخيرة ''ينطق عن الهوى'' حيث نرى مزيداً من الاشتغال على تنقية اللغة من شوائبها وتخليص الكلام من عواهنه وعاهاته·
ومن أقوال الشاعر: لكني أحلم بالبحر/ فعلّمني كيف أسير إلى البحر/ وكيف، خفيفاً، أخطو فوق البحر/ وكيف يصير البحر وسادة حلمي/ وأصير له كفناً/ علّمني·· قلْ لي·
وقوله: مطري··/ حين أنام يفيق/وحين أموت سيمضي بعصاً عرجاءَ/ إلى الأشجار/ ويحلج وقتاً كنتُ أهيئه للحبّ/ ويعلن بدء طقوس الطينْ/ يا مطري/ قلْ آمين·

اقرأ أيضا