الملحق الثقافي

الاتحاد

جولة في أرض آدم

صدرت طبعة جديدة من رواية صبري موسى “فساد الأمكنة” التي صدرت طبعتها الأولى عام 1973 وكان قد نشرها في مجلة “صباح الخير” عامي 1969 ـ 1970 ونال عنها جائزة الدولة التشجيعية في عام 1974.
وتكمن أهمية هذه الرواية إلى جوار بنائها الفني وأسلوبها السلس في موضوعها حيث تدور في صحراء مصر الشرقية، تحديدا في أقصى جنوبها، قريبا من حدود السودان عند منطقة حلايب وشلاتين، والحكاية أن صبري موسى زار جبل الذهب عام 1963 وهو جبل مليء بالمعادن ويقول الجيولوجيون ان به 16 معدنا أحدها هو الذهب لذا يسميه العوام هناك “جبل الذهب”.
ويروي أهالي المنطقة أن الفراعنة استخرجوا الذهب من هذا الجبل، لذا فإن ما بقي به هو “تراب الذهب” لكن هذا الجبل كان مصدر صلة الأهالي بالعالم الخارجي، المهندسون والعمال الغرباء يجيئون إليه، بل إن الملك فاروق كانت له استراحة خشبية قريبة من الجبل، مازالت قائمة إلى اليوم، هذه المنطقة طفت على السطح في السنوات الأخيرة، فقريبا من سفح الجبل كانت تقع قرية “مرسى علم” وهي الآن مدينة سياحية كبرى وعلى القرب منها ميناء عيذاب على البحر الأحمر، وهذا الميناء كان يتحرك منه الحجاج إلى الأراضي الحجازية، وهو نفس الميناء الفرعوني القديم الذي كان يتحرك منه الأسطول المصري نحو بلاد “بونت” وهذا الميناء قامت بدلا منه قرية تحمل اليوم اسم “ابورماد”.


زيارات ميدانية

وفي هذه المنطقة المتسعة جغرافيا من جبل علبة وحتى مرسى علم وساحل البحر الأحمر تدور “فساد الأمكنة” وقد زار صبري موسى هذه المنطقة عدة مرات، ثم قضى عاما هناك عام 1966 في منحة تفرغ من وزارة الثقافة المصرية لذا فإن الرواية وراءها خلفية من الدراسة والبحث الميداني والمعايشة المباشرة للأهالي وحملت الرواية آراء وملاحظات نقدية مهمة نرددها اليوم على نطاق واسع، مثل عدم ذهاب المصريين بكثرة إلى هناك والعقبات التي كانت في طريق وصولهم، وبعضها لا يزال قائما إلى اليوم.
ويقول في الفصل الرابع “لم يكن باستطاعة المواطن المصري مثلا ان يبتعد في الصحراء بعد مصر الجديدة أربعة كيلو مترات دون ان يحصل على تأشيرة عبور من المحتل الانجليزي” ثم يقول: “كان الإنجليز قد أنشأوا في الصحراء فرقا من الهجانة مسلحة بالبنادق والكرابيج ظاهرها حماية الحدود من عمليات التسلل والتهريب وباطنها حماية تلك الشركات التي انتشرت في جبال هذه الصحراء بحثا عن الذهب والنحاس والرصاص والزنك”.
ويضع الروائي يديه على فولكلور أو أساطير أبناء المنطقة وسكانها البسطاء واعتزازهم البالغ بأرضهم حيث يقولون “إن الله عندما خلق آدم مثل له الدنيا بقعة بقعة ليراها فلما رأى مصر رأى جبل علبة مكسواً بالنور وكان جبلا أبيض فناداه بالجبل المرحوم، ودعا لأرضه بالخصب والبركة” ثم يقول متسائلا:” أيداخلهم الشك في أن آدم القديم هذا ليس سوى جدهم الأكبر”.


الأرض المقدسة

الأهالي إلى اليوم يرددون أن آدم حين هبط من السماء، هبط في أرضهم تلك، لذا فهي مقدسة لديهم. وتقدم الرواية ما يمكن ان نعده رصدا انتروبولوجيا لسكان المنطقة وتتبعا لأحوالهم: “كانت الجبال منطوية على أسرارها والصحراء غامضة مغلقة على سكانها من قبائل الهجانة أقدم شعوب أفريقيا جاءوها من آسيا وهم في الغالب من سلالة كوشن بن حام وهاموا على وجودهم بعد الطوفان”.
وتستعرض الرواية تطورهم الثقافي “كانوا وثنيين إلى أن جاء الإسلام فاعتنقوه لكنهم ظلوا على بداوتهم ليكونوا جديرين بذلك العناد التقليدي المشهور عنهم، فعلى الرغم من قسوة الحياة في الصحراء وجدب الوديان وجفاف الآبار إلا انهم ظلوا متمسكين بصخور هذه الجبال في إصرار يتكاثرون فيها، وينقسمون إلى قبائل منها البشارية والعبايدة والبوجوس وبنو عامر يتناثرون حول الآبار والعيون الباقية على حالها من زمن الفراعنة”.
وهناك رصد لمصادر عيشهم وعلاقاتهم الاقتصادية: “وفي المواسم يرسلون القوافل إلى السودان جنوبا أو قنا غربا، فتباع الإبل والغنم وتشترى البقول والتبغ”.
في هذه المنطقة علامة صوفية مهمة، مقام سيدي أبي الحسن الشاذلي الذي يضيف إلى تلك البقعة نفحة روحية خالصة، ويقع المقام بجوار بئر، يقول مريدوه ان البئر كان ماؤه مرا، وقدموا إليه شربة ماء منه في إناء، أخذها، ولم يتجرعها، وتفل فيها ثم طلب ان يردوا الماء إلى البئر ثانية، ففعلوا، ويقولون ان البئر صار ماؤه حلوا من يومها، وتلك إحدى كراماته، ويقيم له الاتباع مولدا سنويا، يأتون الى زيارته كل عام ويقدمون إليه في ذلك الموعد من كل عام من فجاج الأرض ومسالكها. “أما المريدون فهم من كل الفئات فمنهم عمال ورعاة وبدو وأثرياء وفلاحين وأفندية وأطباء وقضاة وأساتذة ووزراء من كل أرض فيها مسلمون، يقصدون تلك البقعة”.
تقدم الرواية وصفا دقيقا للحالة التي يحدثها في المنطقة وجود الشاذلي ذلك الصوفي القابع في الصحراء منذ اكثر من سبعمئة عام، واسمه محفور على مقامه، ويردد المريدون والزوار عبارات من تلك التي رددها الشاذلي، وأهمها ما يتعلق بالجهاد الأكبر أو مجاهدة النفس، ففي تلك الصحراء القاحلة والفقيرة يصبح التصوف زادا لمغالبة الشهوات وتحديدا مغالبة الألم لافتقاد الشهوات بالصبر والسمو النفسي والروحاني.
حين صدرت الرواية استقبلها كبار النقاد بالحفاوة والتقدير لما تنطوي عليه من رهافة وجرأة في التناول لكن اليوم تحتاج هذه الرواية الى تعامل جديد وقراءة جديدة من النقاد على ضوء ما استجد وما جرى في تلك البقعة من ارض مصر “فساد الأمكنة” نموذج لقدرة الأدب على استبصار ما يختزنه المستقبل، وما يفوت أهل السياسة ورجال الإدارة من اهتمام ببعض القضايا والمناطق الحيوية.

اقرأ أيضا