الملحق الثقافي

الاتحاد

مكبوتات الرمل

في قصتها القصيرة “بحر الرمل”، تأخذنا القاصة الإماراتية المبدعة فاطمة الناهض شطر موضوعة Theme تستنطق سردياً مكبوتات جسديَّة الرمل عندما تجعل من كينونة هذه الجسديَّة الممدودة بأفق البصر دالاً Signifier على ذاكرة أحد السجناء الذي كسب حريته بعد صدور “عفو عام شمل مجموعة قديمة من سجناء الرأي ممَّن لم تعد آراؤهم تهدِّد حتى الهوام !” كما يقول بطل القصة.
جعلت فاطمة الناهض من الراوية Narrator مشاركة في حكاية القصة، وأيضاً في فعلها السردي؛ وهي، لذلك، تُعد الساردة كلية الحضور Omnipresent Narrator في هذا النَّص، كما أنها المسرود لها Narratee في الحكاية كأحد الفاعلين في برنامجها السردي.
كانت مجموعة من الأسر في رحلة سياحية إلى أطراف المدينة. وعندما خيَّمت في مكان ما، انفردت امرأة “الراوية” مع شخص من المجموعة في رحلة مصغَّرة شطر أطراف المخيَّم، تقول الراوية: “أخذتنا أقدامنا صوب السكينة، وصديقنا الصمت يسير بنا حنوناً إلى أبعد مدى. توقَّفَ قليلاً كأنه يستجلي المكان فوقفتُ، تابع فمشيتُ إلى جانبه، بمحاذاة الصمت”.
تبدو الراوية هنا بمثابة العين الواصفة لزميلها في الرحلة، وهي أيضاً الظل المرافق لكينونته إلى جانب كونها العين الراوية لكل برنامج القصة “الراوي الكلي الحضور”. لكن الصمت الحنون كان يشي بأمر ما حتى كسرت بطلتنا هيبته عندما حدَّقت أكثر في وجه الصديق الذي بدا “يستجلي المكان”. ومع ذلك أجالت نظرها عنه صوب “الرمل” لتدخل مع هذا الأخير في علاقة تواصلية من خلال قراءة علاماته الجسديَّة الخاصة به، وتشخيصها عبر مستويات عدَّة. لنقرأ:

“لم يكن هناك غير الرمل على مدَّ البصر. يرتفع قليلاً فيصبح كثيباً، يرتفع أكثر فيصبح شبه هضبة، أكثر فأكثر ليبدو جبلاً، ومن ثم ينبسط ممتدّاً بلا هوادة، أكثر فيغدو مثل وادٍ غير ذي زرع ولا ماء.. رمل ولا شيء آخر”.
يقدم لنا هذا النَّص/ المقطع جملة من العلامات السيميائية الخاصة بجسديَّة الرمل حيث تبدو الصحراء، بمجموع وجودها الكلي، كدال مرئي Visual Signifiant يتحقق سردياً من خلال فعل بصري واصف كمستوى أول؛ فالملاحظ على العين الواصفة أنها ترسم خطوطاً بيانية لمسارات الجسد الرملي وهو يتوزَّع البسيطة ككثبان وهضاب وجبال ومنخفضات وديانية. أرادت الساردة هنا محاكاة ما فعله رفيق رحلتها الرملية عندما كان “يستجلي المكان” من دون أن تقدِّم عينه الواصفة، ولا لسانه، أية علامات ولا معطيات لأنه كان يدَّخر فعل الاستجلاء في ذاكرته وذاته على نحو مضمر سيكشفه البرنامج السردي لاحقاً. وهو عندما كان يفعل ذلك أنما قدَّمته الراوية ضمن المستوى السردي المنظور كفعل، وكما تمارس وصفه كنصر أو عامل في حكاية القصة، بينما بقيت، وهي ترصد جسديَّة الرمل، عند المستوى السردي الذي تقوله الراوية كلية الحضور.
أما المستوى الثاني، فتبدأ الساردة فيه بتدشين علاقة تواصلية مع الرمل بوصفه دالاً مرئياً تدخل الراوية فيه بفعل ملامسة مع كينونة الرمل: “سنرتاح بعد ذلك الكثيب. أوضحَ ونحن نقترب من ارتفاع رملي على بُعد خمسين خطوة تقريباً، كان يملأُني شعور بأنه قال ذلك لأني بدأتُ ألهثُ قليلاً وأنا انتشل قدمي الحافيتين من الغوص في نعومة الرمل الفائقة بعد كل خطوة، ويتقوَّس ظهري بعض الشيء كلما ارتفع المسار صوب الكثيب، كأن الصحراء بدأت تميل”.
لقد كان فعل التواصل مع جسديَّة الرمل مضمراً أو لنقل إنه دون الوصف، خصوصاً وأنهما كان يمشيان عليه. كذلك كان فعل المشي والملامسة مع الرمل غائباً عن التوصيف سوى “نحن مشينا” و”أخذتنا أقدامنا صوب السكينة” التي وردت في صدر النَّص.
أما في هذا المقطع النصي الآتي فثمَّة توصيف مقول يرتقي إلى بنية السرد السطحية في العلاقة الملموسة مع الرمل كما يبدو ذلك في مقول الساردة:
“... وأنا انتشل قدمي الحافيتين من الغوص في نعومة الرمل الفائقة بعد كل خطوة”.
إن فعل “الغوص” في الرمل الناعم هنا هو فعل تواصلي ملموس. واللافت فيه أن فاطمة الناهض كناصّة Textor أعطت لفعل الغوص في الرمل جمالية حسية عندما جعلت الملامسة تجري مع “نعومة” الرمل، والنعومة هنا هي إحدى تجليات جسديَّة الرمل الباهرة.
تمضي الساردة في طريق توثيق العلاقة التواصلية مع كينونة الرمل لتدخل من جديد في علاقة أكثر تكريساً لفعل الملامسة المباشرة لجسديَّة الرمل وقد اخضرَّت بالعشب هذه المرَّة:
“ما أن وقفنا على الكثيب حتى انكشف على نحو مفاجئ بساط ممتد من العشب، يبدأ من الرمل ولا نعرف أين يتوقَّف.. من أين جاء كل هذا العشب والنوّير، أهو مخبأك السري؟ مدَّ بصره صوب أفق بعيد خافت ويداي تعبثان بالعشب كأنني لا أصدِّق أنه بين أصابعي،.. تمشِّط طراوته، تتحسس النوّير المغموس بالضوء والندى.. تصنع دوائر ونجوم.. خطوطاً ونقاطاً لا يصل بينها شيء.. ظلت يدي قابضة على البرودة المنسابة بين الأصابع. في ضوء هذا النَّص، يكتسب الفعل التواصلي مع الرمل بعده الجسدي الواضح، بل وقصديته الجلية؛ فالرمل وقد اكتسب جسديَّة عشبية خضراء، وصارت لنا صورة له من دون عشب، وصورة أخرى له ولكنها مغطّاة بالعشب والبرودة الأمر الذي راق لرفيقة الرحلة أن تتواصل مع هذه الواقعة الرملية المكتشفة بالنسبة لها، والتي، وبدهشة لافتة، بدأت بلفظها من خلال التساؤل: “من أين جاء كل هذا العشب والنوّير، أهو مخبأك السري؟”. ليس هذا فحسب، إنما الاستمرار في التواصل معها عبر الأصابع التي مارست فعل العبث بالعشب، وتمشيط النوّير، وصنع أشكال هندسية على جسده مثل النجوم والدوائر والخطوط والنقاط، والتلذُّذ ببرودة ملامسة العشب.
حتى الآن، لم تكن علاقة البطلين بجسديَّة الرمل سوى أنها علاقة اعتيادية، فقد كانت علاقة احتفالية بالنسبة للبطلة، لكنها غير ذلك بالنسبة للبطل. فقد كانت البطلة تنظر إلى جسديَّة الرمل كونها كينونة نيئة Raw وعذراء Virgin وجميلة “رمل ولا شيء آخر”.
أما هو فقد كانت جسديَّة الرمل بالنسبة إليه جسديَّة مطبوخة Cooed بل ومدنَّسة Unclean، جسديَّة شربت من دماء الموتى، وتجانست مع عظام وبقايا أشلاء أولئك الذي دفنوا هنا في أحد الأيام. وهذا ما سيكشفه رفيق الرحلة من خلال مقول حكائي عملت فاطمة الناهض على تضمينه في برنامج القصة كدال سردي على ذلك.
كانت علاقة رفيق الرحلة بالرمل قد مضت، وبحسب الخط السردي للقصة، عادية من خلال المشي عليه، والجلوس على الرمل المعشَّب. لكنه دخل في علاقة مختلفة معه وذلك عندما “رفع يده بقبضة رمل ناعم من بين العشب، وراح يذروها ببطء”. كان هذا الفعل يشي بمعان عدَّة، ويكشف عن علامات سيميائية تحيل على مضمرٍ ما في ذات البطل، ولكن لم يتسن لرفيقة الرحلة/ الساردة اكتشافه، ولا الإشارة إليه، وظلت النّاصة “فاطمة الناهض” تدّخره إلى حين هيَّأت البطل للبوح به عندما جعلت من مجيئه إلى هذه المنطقة الرملية محطة استذكار، وبيئة باعثة على فتح أرشيف الماضي بالنسبة إليه، وهو ماضٍ مثقل بمأساة مرَّ بها، وعاش فيها، وكتب تاريخ رملها.. المنقوع بداء آخرين من خلالها.
“ثم، وكأنه يقرأ في كتاب: لا نستطيع أن نتجاوز؛ لأن مواضينا لا تموت. نحنُ أسرى بلا قضبان، نظن أننا نسينا، لكنها ـ مواضينا ـ تنهض في وقتها لتعلن عن وجودها الهمجي”.
وصفت الراوية في هذا النَّص مشهد نهوض البطل من جلسته على الرمل المعشّب بعد أن جادت عليه مكانية الرمل بكل حوافز استعادة ماضيه عندما دخل في علاقة تواصلية معها يوماً عندما كان سجين رأي سياسي، لكنها كانت علاقة مأساوية في ظل ما راح يحكيه عنها عندما كان برفقة سجناء آخرين يأتون إلى هذه المنطقة من الصحراء الرملية ولمدة سبعة أيام ليدفنوا بعض من رفاقهم الذين ماتوا جرّاء التعذيب، والبعض الآخر ممن لم يمت لكن قدره شاء أن يُدفن حياً.
بدا البطل حاكياً لمأساته تلك، وبدت الحكاية استذكاراً مؤلماً لتلك التجربة المريرة التي مرَّ بها.
لقد تركت الساردة رفيقها يسترسل في ذلك الحكي على طريقة Flashback، ولم تقاطع خطية الحكي سوى مرة واحدة عندما قالت: “هبَّ واقفاً، ونظر بعيداً كأنه يحتمي بالامتداد” ليعاود الحكي، وفي نهايته عادت الساردة إلى ذاتها لتصف ردة الفعل: “كنتُ أراه بوضوح في ضوء القمر، حلقي جاف، وأمعائي تمور، وأخشى أن يستمع إلى دقّات قلبي أو يسمع روحي تقاوم النحيب. كان ينظر إلىَّ مباشرة حين قال مشيراً إلى العشب: دفناهم هنا!”. وبذلك قال البطل مكبوته الذاتي بصوت مقروء، وفي الوقت نفسه أفصح عن مكبوت الرمل وذاكرة العشب، وربما ما كان للعشب أن يظهر وينمو في هذه البقعة الرملية الخضراء لولا دماء أولئك الذين دفنهم هنا من رفاق الدرب والمسيرة.

اقرأ أيضا