ثقافة

الاتحاد

«تراكيب الرنين».. الهواء يعزف والفراغ يصير موسيقى

من معرض تراكيب الرنين في الشارقة (من المصدر)

من معرض تراكيب الرنين في الشارقة (من المصدر)

غالية خوجة (الشارقة)

بتميزها الفني الشديد تستوقفنا الأعمال التركيبية التي تعرض في معرض «تراكيب الرنين» في بيت الشامسي بالشارقة، إذ اعتمد الفنانان (يوكو موهري) و(توموكو سوفاج)، على أدوات بسيطة لتعزف تلقائياً وتبعاً لفلسفة روحية حركية متعددة التكوينات، محورها حركة الهواء الفراغي، من هذه الأدوات: (أشرطة قماشية شاقولية، أجراس صغيرة معدنية، كرات معدنية صغيرة خاصة بآلات الخياطة، كرات نحاسية مفرغة متصلة ببوصلات صغيرة، كؤوس زجاجية فارغة تعيدنا إلى ذاكرتها الرملية لأن من مكوناتها الرمل)، وهي موزعة على غرفتين، وترتبط بآلة موسيقية مثبتة على حامل في غرفة ثالثة، متصلة بأسلاك كهربائية، وعلى جانبها الأيمن جدار معلق مؤلف من الأسلاك الصغيرة التي تضاء مع كل حركة موسيقية تصدر من هذه الآلة، أو من الآلات البسيطة في تلك الغرفتين، وهذا كله مرتبط بحركة الهواء وحركة المُشاهد المتلقي الذي لا بد أن يكون شريكاً فعالاً في العمل أيضاً، ليفعّل الحركة من خلال مروره، وقبل كل ذلك، لا بد أن تتفعّل طاقة المتلقي الذهنية بتساؤلات عديدة عن العمل المؤلف من 3 مشاهد، رابعها في غرفة خلفية اتصلت بالمحرك وأشرطة كهربائية وثريا برونزية قديمة بلا مصابيح، منها كيف يعزف الهواء ألحانه؟ وكيف يصير الفراغ مقطوعات موسيقية تشبه (دُمْ دُمْ تاك)، أو (تيك تاك توك دُم)، وغير ذلك من هذه التراكيب الإيقاعية؟ وكيف نفهم رنين هذه التراكيب إذا لم نفككها لنكتشف دلالاتها المتشابكة في مسننات من الصمت لا تلبث أن تتحول إلى صوت معزوف؟
ينبني العرض على حركة الفراغ الفيزيائية والهندسة الفراغية المتناغمة مع حركة الهواء واهتزازاتها الأصلية وارتداداتها المتلاقية مع حركة الإنسان العابر قربها وطاقتها المستمدة من مجاله الكهربائي، والمغناطيسي، وبذلك تتحرك الأدوات لتنشئ رنيناً موسيقياً متناسباً طردياً مع هذه التحركات الناتجة عن حركة الهواء والإنسان في المكان، وكأنها تريد أن تسألنا بلغة الموسيقى العالمية: ألا تشبه هذه التجربة الفنية البصرية السمعية الهندسة الكونية، ورنين مدارات الكواكب والنجوم والمجرات في الفضاء اللا متناهي؟ ألا تشبه أرواحنا المتلاطمة مع الأحلام والفراغات والأرواح الأخرى؟
ولذلك، لا بد للمستمع أن يكتشف أن هذا المعرض يشكّل موسيقى تتألف من وحدة كاملة متكاملة، تماماً، كما النص كوحدة كبرى، وتعزف بعفويتها ألحاناً مختلفة متنوعة متجددة تابعة للحركة الحاضرة في محيطها، المتلاطمة مع أدواتها، وكأنها طواحين الهواء، أو نواعير الماء، لأنها قائمة على المبدأ ذاته حركياً من حيث قوة الدافع الطبيعي.
وتطل علينا الدوائر النحاسية المتصلة ببوصلات صغيرات بتجربة أخرى، تقرأنا ضمن هذا الفراغ اللا مرئي، لأنها تبدو أداة قياس لطاقتنا الحرارية والكهرو مغناطيسية والروحية والنبضية، لأننا كلما اقتربنا منها تحركت البوصلة تبعاً لطاقة وحالة كل إنسان، ثم استدارت تجاه القلب وكأنه جهة الشمال، وبذلك تؤكد لنا أن للإنسان نجومه الخاصة وجهاته واتجاهاته.
ويرتبط هذان المشهدان (رنين الكؤوس الزجاجية الفارغة)، و(رنين الدوائر النحاسية المرتبطة بالبوصلات)، بالمشهد الثالث الأخير المؤلف من آلة موسيقية تعزف أصابعها ألحاناً وأنغاماً أكثر كثافة، وتضيء موسيقاها الشبكة الجدارية المعلقة قربها وكأنها مقياس آخر لصوت الرنين وإيقاعاته المتماوجة.
وهكذا يعبق رنين المكان برائحة الأزمنة وهي تفوح في الشارقة، وتجذبنا بتشكيلاتها الفنية والتركيبية والصوتية خارج أبعاد المكان لتحيلنا إلى أعماقنا أكثر، لنحلل ونركّب أصوات الرنين الضوئي والهوائي بموسيقى بصرية تتوغل إلى حواسنا مع السمْع والذهن والغوص الإيقاعي.

اقرأ أيضا

تنتعش في أجواء التعصب.. الشعبويّة وبيعُ الأوهام