الملحق الثقافي

الاتحاد

إذا اتسع اللون.. ضاقت الدائرة

هل جربت أن تتخلص من رأسك لفترة وجيزة؟ أعني أن تتخلص من الأفكار المسبقة التي يحملها رأسك عن الرسم والفن، وما ينبغي أن يقوله؟

هذه الحالة ممكنة في حال قررت عن سابق إصرار ورغبة في التجديد وعيش ساعات مختلفة عن ساعاتك المألوفة، ومعرض مقتنيات وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الذي يقام بشكل دائم في صالة المركز الثقافي في أبوظبي، يمنحك فرصة ذهبية لكي تترك روحك على سجيتها، وتجرب أن تنسج علاقات مبتكرة بين أشياء تقليدية... أن تخرج/ تخرجين قليلاً من ضغوط اليوميات والتفاصيل وطلبات المدام/ الزوج وصداع الأطفال وفاتورة الماء والكهرباء وحمى البحث عن سبل لزيادة رصيدك المالي. على الأقل لا مجال هنا للخسارة، وإن لم يزد رصيدك الإنساني، فلن تخسر شيئاً منه!.

رغم أن المعرض لن يكون مسالماً إلى الحد الذي توحي به هذه المقدمة، وسوف ينكأ تلك الجروح الظاهرة أو الدفينة في روحك، إلا أنه قادر على إدخالك إلى أطياف إبداعية وتنويعات أسلوبية وتمايزات فكرية تتقارب أو تتفارق، تبوح أو تخفي، تصرح أو تلمح، تدور حولك أو تدخلك مثل سهم نافذ. وفي المجمل ستشعر أنك تتجول في ما يشبه حديقة لونية تلتقي فيها جميع الطيوب والأشذاء.
فالمعرض نفسه في تنوعاته وتبايناته يبدو أقرب إلى لوحة فنية كبيرة تضم في أحضانها تجارب متغايرة على صعيدي الشكل والمضمون؛ لكنه لا يكتفي بإبراز هذه التنوعات الأسلوبية لدى الفنانين، بل يقدم للمشاهد والباحث والمشتغل بالفن التشكيلي صورة عن مدارس واتجاهات مختلفة توضح ثراء المشهد التشكيلي في الإمارات.


رثائية الأسود

بالأسود والأخضر والأحمر والأبيض، ينتج الفنان عبدالقادر الريِّس لوحة تجريدية ذات نكهة خاصة، محمولة على نفس رثائي أو اتهامي للحضارة المعاصرة وما أنتجته من علاقات إنسانية متهافتة، وبها يصوغ رؤيته الفكرية عن التناقضات البشرية. عن تداعي العلاقات الصادقة وتعملق المزيفة وعن الاختلاف بين الباطن والظاهر. ففي الوقت الذي يوحي الشكل العام للوحة بأن كل لون من ألوانها يحتفظ بحدوده الخاصة بعيداً عن الألوان الأخرى، سرعان ما يكتشف المتلقي أن الأسود يكاد يختفي وراء الألوان كلها، وتتبدى منه بقع صغيرة وغائرة لكنها تكفي لتقول إن كل الألوان لم تعد نقية، ولا صافية، بل خالطها السواد، ربما لم يصل الأسود إلى الأبيض، لكنه (الأبيض) لم يسلم هو الآخر، بل ظهرت فيه لطخات البيج الغامق والبني وكأنه رغم نجاته من السواد لم يظل نقياً، مناقضاً بالكامل للأسود.
للوهلة الأولى، قد تظن أنك أمام محاولة لإنجاز دراسة فنية في اللون، والبحث عن ذلك التناغم الذي يصنعه اقتران الألوان في حيثيات وطرق مختلفة، لكن أشكال المعين التي تحيط بك، وأحجامها المتفاوتة، وطريقة توزيعها، والتنوع في ألوانها بين أن تكون من نفس اللون الذي استقرت فوقه أو تأخذ من اللون المجاور، كل هذا وغيره يجعلك تجد رسالة مدسوسة بين الألوان والأشكال، مفادها أن الأشياء في الحقيقة لا تبدو كما هي عليه في الظاهر.
وإذ تترك اللوحة إلى عمل آخر للريِّس تتعزز لديك تلك الرؤية المتسائلة التي تحكم أعماله، والأبعاد الرؤيوية التي يسقطها على مفردات العمل الفني أو يؤطر بها محاولاته إضفاء مدلولات خاصة على اللون والحرف، حيث يعالج في هذه اللوحة واحدة من القضايا الفنية التي شغلت وتشغل الحروفيين وهي هوية اللوحة التشكيلية العربية، وهل بإمكان الخط العربي أن يحقق لها ذاتية فنية خاصة. هنا يصوغ الفنان رؤيته للخط العربي وحضوره في العمل الفني، لا بوصفه طريقة للتعبير بل بوصفه معطى تشكيلياً أو قيمة بصرية تغني العمل الفني وتقترح عليه هوية عربية إسلامية.


جدل الألوان

معتمداً على التناقض بين الألوان الداكنة والمشرقة يمضي الفنان عبدالرحيم سالم في بحثه اللوني على المستوى الشكلي وفي طرح سؤاله على المنجز الإنساني في المستوى المضموني، محققاً لوحة تتأسس على التضاد الفني/ والتضاد الفكري، فبينما يقيم تلك العلاقة بين الداكن والمضيء على مستوى اللون، يقيم بالتوازي معها علاقة أخرى مع العتمة والضوء على المستوى الإنساني. كأنه يسعى عبر تكريس العتمة/ اللون الداكن في مكان ما من اللوحة إلى تبئير الضوء / اللون المشرق ووضعه في مركز اللوحة، مقترحاً ترجمة لونية للعبارة الفلسفية الشهيرة “والضد يظهر حسنَه الضد”، وهي مراهنة تبدو ناجحة سواء على مستوى الفكرة أو الشكل الفني، إذ لا شيء قادر على إبراز جمال الخير مثل حضور القبح، ولا شيء يمكن أن يمنح الأبيض دلالته مثل حضور الأسود. يحدث كل ذلك من دون أن يغيب الهارموني أو التناغم اللوني الذي ترفل فيه اللوحة. فالفنان عبدالرحيم سالم يبدو كما لو أنه يحث اللون على البوح بكل ما عنده، يدعوه إلى المضي قدماً في الإفصاح، في أن يشي بنفسه... يحرضه على إبراز كل ما لديه من الإمكانيات، كما لو أنه عاشقة تبحث عن أجمل الكلمات لتقول عشقها.
في أعماله الثلاثة، يبدو عبدالرحيم سالم عاشقاً متصوفاً في محراب اللون، ولقد نجح في أن يعكس هذه الصوفية لونياً، حيث تتحول الألوان إلى أشكال راقصة، مجردة، محلقة، هائمة، تغني أو ترقص أو تدور حول نفسها في بياض ساحر. وهو لا يكتفي لتحقيق هذا الغرض بتقويل الألوان، بل يستعين بأشكال أخرى كالطيور البيضاء التي تحيل إلى التحليق والسمو، وهما أقنومان رئيسان في التجربة الصوفية، ليشيع في اللوحة وفي روح المتلقي أيضاً أكثر من شعور بالسلام، إنه الشعور بالصفاء العميق، الباذخ، القادر على أن يسرقك من نفسك وأشيائك و”كركبة” أيامك ليدخلك في زمن آخر، لا يشبه حتماً زمننا الكئيب وأوجاع كرته الأرضية أو صداع مناخها الذي يعيش ولادة متعسرة لا يبدو أنها ستفرج قريباً، حتى تحت ضغط ضربات فرشاة غاضبة، سريعة، خاطفة، حاسمة، تتوزع على جانبي عمود من الأبيض يشق اللوحة من منتصفها ليتعانق في الأعلى مع الأحمر، محيلاً إياك إلى الأرض التي يبدو أنها ما تزال بحاجة إلى المزيد من الدماء المتناثرة في بقع صغيرة، و... الضاجة بحرارة الدم الشاخب.


دوائر الروح

بين الأشكال الهندسية (الدائرة والمثلث والمربع) لا تنتج الفنانة التشكيلية نجاة مكي لوحة متفردة، وخاصة، ولها بصمتها فقط، بل تنسج على الكانفاس حكاية الحياة ودوائرها الصغيرة والكبيرة، ورواية الأنوثة وتدفقاتها، وسرابية أحلامها، وتوقها، وتولاداتها العسيرة، وحفاوتها بالحياة.
بالدائرة الخارجة من أسر الشكل المألوف للوحة الفنية المسندة أو الجدارية، لا تنجز مكي بحثاً شكلانياً، بل تقترح طريقة عرض مغايرة تتلاءم مع فكرتها المغايرة عن الفن والمرأة والوجود، في نوع من التواؤم بين الشكل والمضمون. فكل مضمون يفترض/ ويفرض الشكل الذي يناسبه. وبما أن العمل الفني هو في كل أشكاله محاولة لصوغ الوجود الإنساني، فإن نجاة تجد نفسها في شكلها الفني قادرة على البوح بمختزناتها الحارة فكرياً وإنسانياً.
لا تركن نجاة مكي إلى الدائرة كشكل كلي للوحة، بل تنجز داخل الدائرة الكبرى دوائر أخرى تصغر وتكبر، وتنقص وتكتمل، تتلون بالأسود أو الذهبي أو الفضي، أو تغادر “دائريتها” إلا قليلاً... هل الدائرة حصار، حلقة تطبق على الإنسان، أفق مسدود، أم هي الحياة نفسها التي لا تكاد تخرج عن كونها دائرة مغلقة من الميلاد إلى الموت؟
في موضوع المرأة تلجأ نجاة إلى الدائرة، على سبيل المثال، لتحتوي عالماً هائلاً من التنوع، والحيوية، مستخدمة ثيمات عالم شديد الالتصاق بها (المرأة) وهو الأزياء الشعبية التقليدية، تلك الملابس الضاجة بألوانها وحرارتها الجمالية، منها تستقي نجاة أكثر من مقولة عن حضور الجمال وتناقضه وانسجامه في حياة هذا الكائن المعذب. وكما عملت نجاة على تحرير الشكل من قالبه التقليدي ها هي تحرر اللون أيضاً من اسر مدلولاته المألوفة مخرجة إياه إلى فضاءات دلالات أخرى. ولأن الفكرة واسعة وكثيرة الأطياف تستعين الفنانة بكل الألوان الممكنة فنياً لتقول غنى هذا العالم وثرائه واقعياً، معلنة اللون سيداً مطلقاً على العمل فيما تختفي الملامح تماماً، ولا تظهر المرأة إلا بأثرها الدال عليها: أخضر فاقع، أحمر، أبيض، أسود، برتقالي، وردي، في تشكيلات متعددة: مربعات، مستطيلات، مثلثات، أقواس، أهلة، نقاط، و... حديقة من الألوان تتنفس في مدى دائري، يأخذك في منتصفه إلى بابين صغيرين (قوسين) يدعوانك للدخول إلى هذه العوالم الفاتنة.
ولأن الفكرة تتسع، فإن الدائرة تضيق، ربما لا تكفي لقول كل ما يعتمل في العقل... لهذا تغادرها الفنانة إلى عمل تركيبي مفتوح تماماً على احتمالات شتى. هنا، يبدو المثلث في تشكيلاته اللامتناهية أقرب إلى البوح، وأقدر على التجريد: مثلثات مختلفة الأحجام، مرصوصة في أكثر من هيئة تتوخى فيها الفنانة أن تعبر عن قيم تشكيلية وبنائية وإنشائية، وتتمرغ في انسيابية لونية قوامها الأخضر والأصفر والأزرق بدرجاتهما. هذه المحدودية في استخدام الألوان (ثلاثة فقط بالقياس إلى العائلة اللونية الكبيرة في اللوحة الثانية) سرعان ما تختفي لتتوالد عبر الاقتراحات الشكلية مديات أوسع لحركة الألوان التي تصبح أكثر من ثلاثة، والتي تتوالى في اشتقاقات متواترة، بحيث يبدو العمل كله أشبه بسمفونية من الألوان المنثالة بانسيابية وشفافية عالية.


أسئلة على حبل!

بين ألوان نظيفة لا تختلط فيما بينها ويحترم كل منها حدود (خطوط) الآخر تماماً من جهة، وبين ألوان تختلط وتتمازج وتتوالد درجات لونية أخرى من جهة ثانية، تسكن أعمال الفنان التشكيلي فهد عبدالله الجابر.
يسعى الجابر في تجريده إلى إطلاق اللون من عقاله، يكثفه أو يخففه، يجعله حاداً أو ناعماً، داكناً أو فاتحاً، سميكاً أو رقيقاً، متصلاً مع الألوان الأخرى أو بريئاً تماماً من شبهة الاختلاط، هنا، تأتي ضربات فرشاته نظيفة والخطوط واضحة تماماً تفصل كل لون عن أخيه، ولا شبهة للتدرج أو الاشتقاق أو التوليد اللوني. كل لون يحترم جاره ولا يعتدي عليه، خلافاً لما هي الحال عليه في عالم البشر... هي إذن حالة محلوم بها من الفنان، يرسمها ويدوزنها، ويذهب فيها إلى الآخر شاهراً موقفه الوجودي من العالم، وسلاحه الوحيد هو اللون... اللون الذي يهندسه على إيقاع روحه، وغايته الفنية.
في عمل له لا يحمل اسماً، لكنه يحمل وجهاً أو ملامح وجه، تبدو الألوان شديدة البلاغة، وهي تبوح بما يكتنزه هذا الوجه أو يحمله من حمولات فنية وموضوعية: خطان أسودان نحيلان يشكلان جانبي الوجه، العين نقطة حمراء والعين الأخرى نقطة بيضاء، والفم ضربة فرشاة سوداء... وهذا كل شيء عن التكوين. لا وجه هنا بالمعنى المألوف في الرسم، لكن البلاغة تتبدى في الاعتماد على اللون ليتكفل برسم الملامح والتفاصيل الأخرى... البني المتمدد في أسفل اللوحة لا يتركك تمضي دون أن يدعوك إلى التفرس بالأزرق الذي يعلو عالياً ليختتم اللوحة في جزئها العلوي، فيما الأصفر (النور) في الوسط يشرق معتداً بنفسه ليُخْرج مع الأحمر الذي يخفت رويداً رويداً متحولاً إلى برتقالي، وجهاً تساؤلياً يجعلك تقف أمامه طويلاً لتفهم تلك النظرة الغامضة التي تصنعها ضربتا فرشاة فقط لا غير.
على العكس من هذه اللوحة تماماً تأتي اللوحة الثانية، حيث الألوان تختلط وتتمازج وتتداخل فيما بينها بحميمية لتقول تجربة فنية وشعورية حارة، متدفقة، صاخبة: أزرق/ أحمر/ أسود/ أبيض/ برتقالي/ تأتي في ضربات لونية متقاطعة أو متجاورة؛ قطع مرسومة بانفعالية تعكس ما تمور به نفس الفنان لحظة الرسم من هيجان. وهو لا يكتفي بالألوان رغم كل إمكانياتها التعبيرية، بل يلجأ إلى قماشة يلونها بنفس ألوان اللوحة ويلصقها عليها، ثم يعلقها على حبل يلصقه هو الآخر على اللوحة، التي باتت أشبه بـ (باليتة) الألوان، وكأني به يقول إن الألوان كلها لا تستطيع أن تترجم ما تمور به أعماقه... هكذا، على حبل مجدول من عذاباته: عذابات ذات صبغة فنية تبحث عن معنى الفن وفائدته، وأخرى ذات صبغة فكرية تثير سؤال الفنان الأزلي في وجه الوجود، يعلق الفنان الألوان والكانفاس وكأنه يعلن موت العمل الفني في حفاوة لونية جمع لها كل ما في عهدته من ألوان. وفيما يمنح اللوحة اسمها: “حبل الغسيل”، تنضاف إلى اللوحة قيمة فنية أخرى، وتصعد درجة أخرى في سلم الرمز، فالغسيل الذي ينشر على الحبل هو في العادة غسيل قذر جرى تنظيفه، فهل سئم الفنان مما يجري حوله وقرر أن ينشر الغسيل الفني والفكري لتضربه الشمس الحارة، فيتطهَّر ويصير أكثر سوية؟.


توقف.. أنت مخترق!

توقف أنت مخترق... هذه الكلمات ليست مكتوبة على لوحة الفنان حسين الشريف، لكنها مضمرة في كل مفردة من مفرداته. الشريف في المعرض يقدم عملاً فلسفياً بامتياز. عميقاً في دلالاته، مجرباً في شكله الفني أو على الأقل في الأداة التي استخدمها في إنجاز لوحة “كولاج” من قصاصات الإعلانات وما تحويه من صور ومشاهد مختلفة.
الجدة في العمل لا تكمن في المواد المستخدمة، وهناك تجارب مشابهة استفادت من قصاصات الإعلانات والصحف، لكن الجدة في طريقة ترتيب وتشكيل هذه القصاصات ووضعها في أماكنها التي تحتلها في العمل الفني... وتلك بالضبط هي الجدة وهي المبتغى الذي يسعى إليه كل فنان: قول القديم والعادي والمألوف بطريقة حديثة ومبتكرة وجديدة.
اللوحة في فكرتها العامة توصف عالمنا المعاصر برمزية بليغة، إنها تدين سطوة الإعلان والسلطة التي يمارسها على العقول والقلوب من جهة، وتؤشر على دوره في استعمار الشعوب (ثقافياً على الأقل) من جهة ثانية. Break Through أو الاختراق، كلمات بالإنجليزية (الفصيحة) تحمل معها مدلولها السياسي، وتخترق في الوقت نفسه باقي مكونات اللوحة. قطعة من إعلان عن منتجات (براون). قصاصة عن السياحة في الصحراء. قصاصة أخرى عن فيلم سيعرض في التلفاز.. وغيرها من قصاصات كلها ذات طابع إعلاني، يتوسطها (وهنا بيت القصيد) مشهد إعلاني عن فيلم كاوبوي أميركي، فيما تمتد حوله الصحراء. هنا تتجلى بلاغة العمل الفني وهو يكوِّن رسائل بصرية لمحتويات سياسية: هل (اخترقنا) الكاوبوي الأميركي بإعلاناته؟ هل سقطنا أمام الغزو الثقافي قبل أن نسقط أمام الغزو العسكري؟ وهل كانت العولمة والجوبلة بإعلاناتها ومفاهيمها وسلعها المادية والحضارية والفكرية واحدة من الوسائل في يد الآخر في حربه معنا؟
هل يحق لنا تأويل العمل على هذا النحو؟ لم لا؟ أليست العلامات وسيلة لقراءة العمل الإبداعي بوصفها تضيء الطريق إلى المتلقي لفهمه وتأويله؟ وفي العمل (علامات) كثيرة تؤكد ما تذهب إليه هذه القراءة.
اللوحة الثانية لحسين الشريف لا تبتعد كثيراً عن مضمون لوحته الأولى، وإن اختلفت في طريقة القول ومكانه. بمعنى أنها تتناول تجربة التحديث في المجتمع الخليجي، فيما كانت اللوحة الأولى عربية وعالمية الطابع. الخامة هنا هي الألوان، التي تجسد الأصالة والعصرنة في التجربة الخليجية ومنها الإماراتية بالطبع، تلك العلاقة القائمة بين القديم والحديث. القديم مجسداً في قارب تقليدي والحديث، ممثلاً في العمارات العصرية الشاهقة التي تنتصب حول القارب. بألوان تراثية فرحة، مضيئة، بالدرجات الأولى من اللون الذي يخف حتى يكاد يكون ظلاً للون لا اللون نفسه، يقول الفنان العلاقة بين التراث والعصر، التراث (القارب ومحتوياته) تظهر مضيئة تماماً وكأن التراث أو الماضي هي الحقيقة المضيئة بين غابات البنيان. هي أليفة، حميمة، وقريبة تحتل كل المشهد تقريباً والعمارة المعاصرة بعيدة، نائية، على حواف اللوحة، وكأنه تعبير عن هشاشتها في الواقع.


يا جسراً خشبياً!

بين ماض يغوص في البحر وحاضر يخرج منه، يرسم الفنان بدر بو ناصر العلاقة الشائكة بين التراث والعصر، واختلاف النظرة إليها بين الأجيال. في اللوحة جسر خشبي يمتد إلى منتصف البحر يقف عليه شابين يشير كل منهما إلى دائرة من دائرتين تظهران في الأفق: إحداهما صغيرة تحمل مشهداً من الماضي، والثانية كبيرة تحمل صورة الأبراج العالية ومظاهر العمران المختلفة. وبينما تغوص دائرة التراث أو الماضي في البحر مغيبة معها ملامح زمن مضى، وحياة كاملة بكل معطياتها ومفرداتها، تعلو دائرة العصر فوق البحر عفية مالكة لكل أسباب الحياة والنمو لتحتل حيزاً كبيراً تحت الشمس. ولولا وجود الرجلين واختلاف الجهة التي يشيران وينظران إليها، لكان من السهل اعتبار اللوحة صياغة فنية للمقولة الشائعة عن الدولة التي ولدت ونمت بسرعة استثنائية لتعانق السحاب. لكن حال الرجلين وشكل الدائرتين وحجمهما وما فيهما من ألوان يؤشر على أن فكرة العمل هي العلاقة بين حال تنهض وحال تغيب أو تتبدد، أي بين تراث يغيب وحداثة تحضر. ناهيك عن اختلاف الرؤية بين الجيل الحاضر للتجربة وعلاقتها بالتراث والماضي.
في عمله الآخر مسحة من الكآبة التي تشيعها الألوان القاتمة، والتي يغلب عليها اللون الأسود. بالطبع، لا يكون الأسود دائماً في العمل الفني سبباً للأسى أو الكآبة، لكنه حين يقترن بهذه العائلة من الألوان الكابية، والجو المعتم (الضوء شحيح في اللوحة)، ويصور على المستوى المضموني مجموعة من البقايا المتناثرة، أو بقايا الحياة الإنسانية، في حال كهذه يصعب رؤية شيء غير الكآبة والإدانة للحياة التي تنطفئ في شكل مأساوي وعلى نحو تراجيدي يفلح الفنان في التعبير عنه باقتدار.


طعم الحنين

يحضر التراث بوجهه الآخر في أعمال عديدة، أعني الوجه المشرق، المضيء، الذي يحمل روائح العلاقات الإنسانية الحميمة، وطعم الألفة الذي ابتلعته جدران الكونكريت والأبراج العالية. ففي أعمال الفنان عبيد سرور، يحضر هذا الوجه الجمالي المفتقد، وتبرز ثيمة الحنين إلى زمن جميل مضى، لكن سرور لا يكتفي بهذه المشاعر الرومانسية بل يسبر غور المكان والزمان مقارباً بين مفهوميهما في عمله. إنه يرحل إلى العمارة التقليدية القديمة في الخليج والإمارات، مستلهماً منها تكوينه الجمالي، حيث يبرز الطابع الزخرفي لهذه العمارة، ومفرداتها التي تقترب من مفردات العمارة الإسلامية في الأقواس والزخارف والتشكيلات البنائية، وهو بهذا يوظف كل الحمولات النفسية والاجتماعية التي يستدعيها هذا النموذج المعماري إلى الذهن، معولاً على ما يثيره لدى المتلقي من مشاعر وذكريات عتيقة تجعله يجد في اللوحة عالماً يشبهه ويعبر عنه. وتتشابه لوحة لوحة أمل سعيد جمعان في مضمونها (مع اختلاف المستوى سواء لجهة التكنيك الفني أو المهارة في توظيف الألوان والمفردات) مع لوحة عبيد سرور حتى لتكاد تكون نسخة طبق الأصل عنها.
أما أحمد شريف فيأخذك إلى زقاق القديم، وبيته التراثي ببراجيله ونوافذه، ليجول بك في دهاليز الذاكرة، ويفتح لك باب اللون والظل داعياً إياك إلى اكتشاف مهارته في اللعب على العلاقة بين الضوء والظل.
وفي لوحة إبراهيم العوضي، يظهر التراث في شكله التسجيلي، حيث مركب شراعي يسير في البحر، وهنا يستخدم الفنان موجات من اللون الأسود لتجسيد البحر في الليل، فيما يرسم القارب بلون برتقالي والأفق بألوان الأصفر والأزرق المخضر، بحيث توحي اللوحة أن القارب يسير في عاصفة أو بحر هائج. ولا تبتعد لوحة صفية خلفان التي تصور هي الأخرى مركباً في البحر عن هذا المناخ إلا أنها تجسد بالألوان البرتقالية التي تشيع الهدوء والسلام لحظة الغروب الفاتنة.
ورغم أنه يجسد ثيمة أو مفردة تراثية (الفنر)، إلا أن عمل عبد الرحمن زينل لا يبدو تسجيلياً بل تغلب عليه مسحة من الغرائبية السحرية النابعة من تكوينات الجبل، والمناخات الضبابية التي تسود المشهد بسبب الألوان المستخدمة. والفنر هو القنديل الذي لطالما أضاء عتمة الليل الإماراتي في الزمن الماضي، وهو رمز لأصالة التراث وعراقته وقدرته على تبديد الظلمة وإنارة الطريق أمام الأجيال.


بوح اللون

ثمة مجموعة من الأعمال التي عكفت على دراسة اللون بما هو مفردة تعبيرية قادرة على ترجمة الأفكار والمشاعر، وفي هذه الأعمال لم يكن هم الفنان/ الفنانة التعبير عن فكرة معينة، بقدر ما هي محاولة للإخلاص للون، ولذاكرته، ولتركه يروي ما يشاء بلا تأطير ولا تحديد. بالطبع لم تأت المحاولات على نفس السوية الفنية ولا في نفس المستوى من حيث المعالجة. أولى هذه الأعمال، وربما أهمها، اللوحات التي قدمها محمد إبراهيم القصاب، ففيها ينجز دراسة للون الأزرق تقول كل درجاته ومفاهيمه وما يحيل إليه. نحن هنا أمام بحر من الأمواج اللونية الزرقاء التي تتدافع في غنائية وتتحد أو تفترق ثم تعود لتلتقي تماماً كما يحدث بين أمواج البحر. وفي عمله الثاني ينجز دراسة للون الأخضر في عتمته وإشراقاته، تتخلله خطوط حمراء صغيرة، كأنها شريان يسري في العتمة التي تنسج حضورها في أسفل اللوحة وأعلاها، يسري خفيفاً رهيفاً ليغذي الضوء الذي يتركز في منتصف اللوحة أو بؤرتها... ثمة في هذا التوزيع اللوني ما يشير إلى العلاقة بين الضوء والعتمة، إلى الفكرة الشائعة التي ترى أن الساعات الأشد حلكة هي علامة على قرب بزوغ الفجر بكل ما يشكله من ضوء وحرية وحياة.
الفنانة ابتسام عبدالعزيز تفتح هي الأخرى كتاب اللون، وتختار البنفسجي لتطلقه على راحته، وتشتق منه ما شاءت من المتواليات والدرجات مع لطخات خفيفة زرقاء مخضرة وصفراء. وهي في هذا العمل ترتهن إلى ذاكرة اللون البنفسجي وحمولاته التي تأخذك إلى عوالم حلمية يشيع فيها السلام والهدوء. فيما تهز رأسك إعجاباً بنضج الفنانة وقدرتها التقنية في التعاطي مع اللون مزجاً وتدريجاً وتوليداً. وفيما أنت تودع المعرض بنظرة عامة مستعداً للمغادرة، تهاجمك الألوان في لوحة الفنانة فاطمة عبدالباقي وتسحبك إلى دوامتها الصاخبة، لتستشعر إحساس من يغرق في طوفان من الألوان يتدفق من الأعلى ويزبد ويرغد في الأسفل، فيما دوائر اللون البرتقالية والحمراء والصفراء تفتح شدقيها مشكلة حالة من الصخب والتوتر والضجيج، حتى لتكاد تسمع صوت اصطفاقها. وبينما أنت على هذه الحال تلمح باباً مفتوحاً يومئ لك بأن الرحلة قد انتهت... والرحيل أزف.

اقرأ أيضا