الاتحاد

الملحق الثقافي

مشوار عكس الزمن على الكورنيش

الأول من يناير 1971، كان بالنسبة لي نقطة تحول وبداية لمسيرة حياة جديدة، تغير فيها المكان، والاتجاه، والعمل. فمن مدينة القاهرة بصخبها وضجيجها وزحمة سكانها إلى مدينة أبوظبي الهادئة المتسعة والتي لا يصل عدد سكانها إلى المائة ألف.

خيل إلي وأنا أنتقل من مطارها الجديد (كما كان يسمى وقتها) إلى بيت صديقي المرحوم أحمد سعيد شعت في الخالدية أنني أقطع طريقاً صحراوياً طويلاً، لا يوجد ما يوحي أنه شارع في مدينة.


خليل عيلبوني

في الصباح، وبعد الجولة الأولى، لاحظت أن معظم العمران في أبوظبي قائم على بناء الفلل والبيوت التي لا تزيد عن طابقين، بل إن معظمها من طابق واحد.

في الخالدية على سبيل المثال قامت عدة فلل، خصصت من قبل الحكومة للموظفين القادمين من الخارج، المستشفى المركزي كان محاطاً بفلل الأطباء.


الإنقاذ الشمشوني

شارع الكورنيش، كان جديداً، ولم يكن مكتملاً عندما وصلت في بداية 1971، بل مازلت أذكر كيف غرزت سيارتي عندما خرجت عن الشارع المرصوف إلى الرمال، ولولا وجود الأخ علي بن حسن الذي كان يلقب بشمشون العرب في ذلك الزمن حيث كان يجر الباص بشعره وتحطم الصخور على صدره وتمر السيارات الثقيلة على ذراعه، لما تمكنت من الخلاص من التغريز، لقد دفع السيارة بيديه ولم يجرها بشعره احتقاراً لها على ما يبدو فلقد كانت صغيرة لا تحتاج لأن يستعرض قوته معها، أتمنى أن أعرف أين هو الآن، فلقد جمعتني في البدايات صداقة حميمة معه وقمت بتسجيل إذاعي له نقلت من خلاله صورة صوتية عن الأعمال الخارقة التي يقوم بها.

شارع الكورنيش نفسه كان يبدو شبه خال من العمران لولا بعض العمارات القليلة والتي أستطيع تذكرها الآن ففي نهاية الكورنيش كانت هناك عمارتان للشيخ خالد بن محمد آل نهيان.
بعدهما في اتجاه مركز المدينة عمارة أخرى دائرية للشيخ خالد بالقرب من السفارة البريطانية، ثم عمارة جديدة في تقاطع طريق المطار مع الكورنيش كان فيها أول بنك تعاملت معه في أبوظبي وهو بنك كرندليز، حيث كان راتبي الضخم (مائتي دينار بحريني) يحول إليه، وأنا بالطبع لا أقصد السخرية عندما أصف راتبي في ذلك الوقت بالضخم، لأن مثل ذلك الراتب كان يضعني في مصاف كبار الموظفين والذين يسعى موظفو البنوك لاجتذابهم.

ولقد كنت فعلاً محل اهتمام، حيث تعرفت على معظم العاملين في ذلك البنك والذين لم يكن عددهم يزيد عن خمسة أو ستة منهم الأخ كامل أبو خضير رحمه الله والذي توطدت صداقتي معه حتى عاد إلى الأردن وترك أبوظبي في بداية التسعينات.


عمارات الكورنيش

ثم بعد مبنى بنك كرندليز كانت عمارة أدما (شركة نفط أبوظبي البحرية) ثم مبنى فندق العين، الفندق الوحيد الذي كان موجوداً في ذلك الوقت، وما زلت أذكر مديره النشيط والصديق للجميع السيد ديمتري رحمه الله.

طبعاً منطقة النادي السياحي لم تكن موجودة، ولا منطقة الميناء الذي كان العمل فيه قد بدأ من فترة قصيرة.

العمارات التي ذكرتها جميعها لم تكن تزيد عن خمسة أو ستة أدوار وأحياناً لا تصل إلا إلى أربعة أدوار.
عندما أسير في شارع الكورنيش الآن، وأشاهد ناطحات السحاب الشامخة والمطلة على بحر الخليج، وعلى حدائق غناء قل مثيلها في مدن العالم الكبيرة، لا أستطيع إلا أن أستعيد صور تلك العمارات الأولى والتي كانت في ذلك الوقت تبدو لنا ضخمة جداً.
كان الأخ المرحوم علي ياسين وهو من أوائل المذيعين في التلفزيون يسكن العمارة الأخيرة على الكورنيش عمارة الشيخ خالد، وكانت شقته في تلك العمارة تعتبر بالنسبة لنا قصراً أما أجرتها فكانت أيضا حديث مجتمعنا الصغير، إذ كانت تصل إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة دينار بحريني سنوياً (3500 درهم) أي ما يوازي أجرة فيلا.
ومنذ اليوم الأول لوصولي إلى أبوظبي، لاحظت أن حركة البناء نشيطة جدا وأن العمل في هذا المجال لا يتوقف حتى في الليل، وكنت أحسب أن ذلك بسبب حرارة الجو في النهار، ولكن في الواقع كان القائد الشيخ زايد رحمه الله يقود هذه الحركة ويخطط لبناء مدينة عالمية حديثة في أسرع وقت ممكن، ولأن بناء المدينة ليس عملاً سهلاً ولا يمكن للحكومة وحدها أن تقوم به، فقد قام بتشجيع المواطنين على البناء من خلال منحهم القطع الأرضية والمنح والقروض.
وما زلت أذكر كيف بنيت عمارة الكورنيش التابعة لمعالي الدكتور مانع العتيبة بالقرب من مبنى غرفة التجارة والصناعة، والتي قرر معاليه هذا العام أن يهدمها بعد خدمة استمرت حوالي أربعين عاماً.


تكاليف بسيطة

كانت هناك شركة مقاولات بسيطة اسمها شركة الإنشاءات العربية، الآن هي من أكبر شركات الإنشاءات ليس في الإمارات فحسب بل في العالم كله، وكان المسؤول عنها شاب لبناني طويل القامة رياضي المظهر، هو الأخ غسان مرعبي، والذي جمعته مع معالي الدكتور مانع العتيبة ومعي صداقة حميمة استمرت من ذلك الزمن.
طلب من معاليه يومها مبلغاً لبناء العمارة لا يزيد عن مائتين وتسعين ألف دينار، أي أقل من ثلاثة ملايين درهم، في ذلك الوقت كان المبلغ كبيراً.
وخلال أقل من ثمانية أشهر قامت العمارة الشامخة في مقاييس ذلك الزمان (عشرة طوابق) مع عمارة أخرى بجانبها هي عمارة الشيخ سيف بن محمد، والتي قام غسان مرعبي أيضا ببنائها من خلال شركته.
عايش الأخ غسان مرعبي حركة العمران في أبوظبي وساهم من خلال شركته بدور كبير في هذه الحركة مما يجعله مطالباً بتسجيل هذا الدور بالكلمة والصورة لأنه تاريخ يجب أن يحافظ عليه للأجيال القادمة.
لقد مر هذا الرجل بمختلف مراحل وتطورات حركة العمران في أبوظبي، بل وفي الإمارات كلها، حيث عاش أزماتها وكان أول المنطلقين في المشاريع بعد انتهاء تلك الأزمات، ورغم وصول الأخ غسان الآن إلى العمر الذي يتطلب منه الخلود إلى الراحة إلا أنه يأبى أن يرتاح مفضلاً أن لا يحرم مشاريع البناء التي تقوم بها شركته من خبرته الطويلة والناجحة.
كان غسان مرعبي من أوائل المقاولين في أبوظبي ولو جمعنا ما بناه هذا الرجل في مساحة على الأرض لوجدنا أنه بنى ما يوازي مدينة كبيرة وحده.
ولأن الوفاء من سمات العرب، ومن أجمل مزايا وسجايا قيادة وشعب دولتنا العظيمة دولة الإمارات العربية المتحدة فإن جميع الذين شاركوا في البناء من زمن البدايات إلى الآن يحظون على تقدير وشكر القيادة والشعب.
اليوم، ونحن نسير في شوارع مدينة أبوظبي الحديثة، ونرفع رؤوسنا لمتابعة شموخ العمران فيها، قد لا نصدق أن هذه المدينة بدأت ببضع عمارات معدودة على أصابع اليدين الاثنتين، وعدد محدود من البيوت والفلل.
حتى جزيرة أبوظبي نفسها لم تكن بهذه المساحة الضخمة قبل أن تقوم عمليات التوسع على حساب البحر المحيط بها من جميع الجوانب. كنا نتابع العمليات التي قامت بها شركة الجرافات البحرية والتي جرفت رمال البحر لتزيد من مساحة البر وكنا نتساءل، لماذا يفعل القائد ذلك ولدينا مساحات لا حصر لها من الأراضي خارج جزيرة أبوظبي.
اليوم، بعد أن أصبحت أبوظبي من أكبر مدن العالم أدركنا أهمية الخطوات التي تمت في هذا المجال، كان رحمه الله يفكر بإنشاء دولة على مستوى طموحاته، كان يريد أن يعمر الصحراء، لم يهتم بمدينة أبوظبي إلا من حيث كونها عاصمة لتلك الدولة العظيمة ولذلك فإن حركة العمران شملت الدولة كلها، وتعمق في الصحراء، وأنشأ في قلبها مدن الحضارة مثل مدينة زايد، ومدينة العين، وغيرها.
وأنشأ على الساحل مدناً أخرى فصارت طريق أبوظبي دبي تمر بعدة مدن وقرى صغيرة وكبيرة، مثل الشهامة والكرامة وغيرها.


سياحة في الوطن

عندما فكرنا في الثمانينات ببرنامج “سياحة في الوطن” التلفزيوني وجد الأخ عبد الله النويس صعوبات كثيرة في تدبير ثلاثين مكاناً سياحياً في كل الإمارات، ولو عادت فرصة إعداد البرنامج الآن لتزاحمت الأماكن أمامي ولوجدت صعوبة بالاختيار وتفضيل موقع على آخر، فما أكثر وأرقى هذه الأماكن السياحية في جميع أنحاء الدولة.
وأنا أتجول الآن في دولة الإمارات العربية المتحدة لا يسعني إلا أن أتذكر الرواد الذين شاركوا في حركة العمران من مقاولين ومهندسين أو مستشارين ومسؤولين في المجالس البلدية، فلقد كانت لهم مشاركة فعالة في مسيرة العمران التي قادها والد هذي الدولة وقائد هذا الشعب العظيم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه ومعه ولي عهده الأمين صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد الذي يمكن أن نقول بملء الفم، خير خلف لخير سلف، والذي يقف إلى جانبه ويعضده الآن أخوه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وفقهما الله إلى تكملة المسيرة والوصول بهذه الدولة إلى ما كان يصبو إليه والدهما الراحل العظيم.

اقرأ أيضا