الاتحاد

الملحق الثقافي

ترجمة جديدة لرواية جورج إورويل التي تجاوزها الزمن

صدرت ترجمة جديدة لرواية جورج أورويل ''مزرعة الحيوانات'' تولاها شامل أباظة وراجعها الروائي الراحل ثروت أباظة، وصدرت من قبل عدة ترجمات لها، وفي سنوات السبعينات من القرن الماضي نشرتها صحيفة ''أخبار اليوم'' مسلسلة، وترجمها آنذاك عبدالحميد عبدالغني وكان يسمي نفسه ''عبدالحميد الكاتب'' وكان مفهوماً مغزى الاهتمام بتلك الرواية وقتها، فقد كان الرئيس الراحل أنور السادات يخوض معركة ضارية ضد اليسار والأفكار الثورية عموماً، والرواية تسير في هذا الإطار، ولذا لم يكن غريباً أن يتولى الترجمة الجديدة شامل أباظة، فهو وفدي الهوى، وهو نجل الراحل د· إبراهيم دسوقي أباظة، ومن ثم فهو مؤمن بما تنطوي عليه الرواية من أفكار ومواقف، وهكذا كان الراحل ثروت أباظة الذي راجع الترجمة، والواضح أنه راجع الصياغة العربية والأدبية وليس دقة الترجمة·
جورج أورويل اسم أدبي مستعار اشتهر به المؤلف والكاتب اريك بلير الذي ولد في الهند سنة 1903 ثم عمل في بورما بالشرطة البريطانية وسافر إلى لندن ثم باريس وعاش حياة فقيرة، وتطوع سنة 1936 في صفوف الجمهوريين بإسبانيا ضد الجنرال فرانكو، ثم عمل في هيئة الإذاعة البريطانية محرراً وصحفياً حتى نهاية حياته، وانطلقت شهرته الأدبية سنة 1945 مع صدور روايته التي بين أيدينا، وطبع منها مليون نسخة وقتها وترجمت إلى سبعين لغة، من بينها العربية، واشتهر في عالمنا العربي أيضاً بروايته ''·''1984
حيوانات سياسية
''مزرعة الحيوانات'' رواية سياسية بامتياز، تدور على ألسنة الحيوانات، وأبطالها هم الحيوانات، ومع ذلك فهذه الحيوانات تحمل أفكاراً إنسانية·· تدور الرواية في مزرعة كان أصحابها من الرجال يسيئون معاملة الحيوانات، وذات ليلة جمع الخنزير الأكبر، الحيوانات كلها ليقص عليهم حلماً رآه، الخنزير ''ماجور'' قال لزملائه من الحيوانات: ''ألم يتضح لكم بعد أيها الرفاق أن الإنسان وحده هو مصدر مصائبنا؟ عليكم إذن أن تتخلصوا منه، وعندئذ تعود إلينا ثمرات عملنا·· إنني لا أشك لحظة أن حلمنا هذا في الحرية والثراء لابد أن يتحقق، ولكن علينا واجب شاق يجب أن نؤديه، إن علينا أن نعمل ليلاً ونهاراً بأرواحنا، وأجسادنا لقلب نظام الجنس البشري!
وأنهى محاضرته أو خطبته إليهم بالقول: ''إن الثورة هي رسالتي إليكم أيها الرفاق وإن كنت لا أستطيع أن أتنبأ لكم بموعدها، فقد تتحقق بعد أسبوع أو بعد مئة عام، ولكنني واثق تماماً من حتمية حدوثها، ثقتي من وجود القش الذي أدوسه بأقدامي فإن العدل لابد أن يسود!·
وأعطت خطبة ''ماجور'' رفاقة من الحيوانات ما يمكن تسميته بالمانفيستو، هو حدثهم عن ضرورة الثورة وحتمية قيامها، وأنه لابد أن تعود إليهم ثمرات عملهم وفائض إنتاجهم، ونلاحظ أن المفردات، معظمها مأخوذ من القاموس الماركسي الذي ساد بعد الثورة البلشفية في روسيا سنة ،1917 تحديداً الماركسية اللينينية التي حكمت وسادت الاتحاد السوفيتي والدول والأحزاب التي دارت في فلكه آنذاك·
ولأن الخنازير هي ''أذكي الحيوانات''، فقد تولت نشر هذه الأفكار بينهم وتنظيمهم، وحثهم على الثورة، وهو ما سيتحقق ذات ليلة، حيث تهاجم الحيوانات أصحاب المزرعة وتصيبهم بالفزع والهلع ويهربون من الحظيرة قبل أن تفتك بهم الحيوانات، ثم تتوجه الحيوانات إلى مخازن العلف فتأكل منها حتى تشبع·
لم تكن الحيوانات تتوقع هذا الانتصار السريع لذا راحت تطوف بأسوار المزرعة وبواباتها لتتأكد من خلوها من أي إنسان، ولما تأكدت سعدت ثم أخذت في ترديد نشيد الثورة سبع مرات متتالية من بدايته حتى النهاية، ثم هدأت بعد ذلك واستسلمت لنوم لذيذ لم تسعد بمثله من قبل·· عاشت لحظات من الانتصار وعرفت معنى نشوة النصر والظفر· ثم توجهت الحيوانات إلى منزل ''مستر جونز'' صاحب المزرعة الذي ثاروا عليه، وأصابهم الذهول من الجمال الذي به وروعة التحف التي تملأه، لذا قرروا عدم صلاحيته لسكنى الحيوانات والاحتفاظ به كمتحف للمزرعة·· وتم تغيير اسم المزرعة إلى ''مزرعة الحيوانات'' وبدأت الحيوانات العمل بجد ودأب· كانت هناك مزرعتان مجاورتان لمزرعة الحيوانات، الأولى هي الأكبر وتفتقد الإدارة الجيدة، والثانية هي الأصغر لكنها ناجحة ومتميزة، وتوقع صاحبا المزرعة للثورة الفشل بعد أسبوعين، لكن التنبؤ لم يتحقق، في المقابل توقعت حيوانات المزرعة أن يشن الجيران عليهم هجوماً مباغتاً، فتم الاستعداد لذلك الهجوم، وكانت الخنازير هي التي تتولى قيادة المزرعة، ووضعت الخطط الدفاعية اللازمة، ووقع الهجوم في أكتوبر، وكان الحمام قد رأى أن مستر جونز صاحب المزرعة استعان برجاله وبصاحبي المزرعتين ورجالهما في الهجوم فسارع بإبلاغ الحيوانات فاستعدت جيداً ونجحت الحيوانات في رد الهجوم بسرعة، وتأكد الانتصار·
بعد الثورة والانتصار ازداد نشاط الحيوانات وتضاعف عملها ومن ثم إنتاجها، ولكن أخذت الخنازير في التميز على سائر الحيوانات في العلف وفي الطعام وفي السكن ولا تخرج إلى العمل معها، وتحكم في المزرعة اثنان منها، وهما نابليون وسنوبول·· وأقيم ستار حديدي حول المزرعة لمنع تسرب أي شيء إلى الجيران مما يحدث بداخلها، صارت الخنازير طبقة جديدة تنعم بكل شيء وتميز نفسها على الحيوانات الأخرى التي أصابها اليأس والإحباط من جراء ذلك، ثم ازداد قمع الخنازير للحيوانات وسجن أعداد كبيرة منها بلا أسباب حقيقية تقتضي ذلك، مما جعل الحيوانات تندم على أيام مستر ''جونز''·
إدانة الثورة
الرواية تدين فكرة ''الثورة'' ذاتها، فضلاً عن كراهية الكاتب للثورة الاشتراكية، التي بدأت بفكرة العدل وتقسيم عائد الإنتاج والعمل لصالح الجميع بالمساواة، لكنها خلقت طبقة مستغلة قاسية، كان يقصد تحديداً تجربة الاتحاد السوفيتي والزعيم الروسي ستالين·
يحسب للرواية أن صاحبها كان منتبهاً منذ وقت مبكر إلى مخاطر الحكم التسلطي، ومدركاً أن كثيراً من الشعارات الحادة التي رفعت كانت تخفي خلفها أنانية وفساداً في التطبيق والواقع العملي·
ومن ناحية الشكل الروائي، فإن ما قام به لم يكن جديداً تماماً، لقد جعل أفكاره والأحداث كلها تدور على لسان الحيوانات، وهناك تراث إنساني سابق لذلك، مثل كتاب ''كليلة ودمنة'' الذي يعد كتاباً رئيسياً في الثقافة العربية، ويذهب البعض إلى أنه في الأصل نص هندي مترجم إلى العربية، وبعض المشاهد في الرواية تجعلنا نعتقد أنه خلال فترة وجوده الأولى بالهند اطلع جيداً على الثقافة الإسلامية وفي القلب منها القرآن الكريم خاصة مشهد الطيور التي هوت على رؤوس الأعداء حين هاجموا المزرعة وكان من جراء هذا الهجوم الهزيمة الكاملة والانسحاب، إنها لا تبتعد كثيراً عن مشهد الطير الأبابيل الذي حدثنا عنها القرآن الكريم وهزم أبرهة صاحب الفيل، كذلك لا ننسى هدهد سليمان والذي ظهر التأثر به جليا في العمل·
لقد انقضت الظروف السياسية التي على خلفيتها وضع الكاتب روايته وأدت إلى نجاحها وانتشارها، رحل ستالين منذ سنة ،1953 بل سقط الاتحاد السوفيتي كله سنة 90 وسقط أيضاً الستار الحديدي وانهارت منظومته السياسية والحزبية، لكن بقي من العمل روحه وبناؤه الفني والإبداعي، فضلاً عن انتصاره لمبدأ مهم وهو حرية الإنسان، في كل مكان وزمان

اقرأ أيضا