الملحق الثقافي

الاتحاد

غونتر غراس.. النابش في أقبية التاريخ

لقد أمضى غونتر غراس حياته في النبش في أقبية التاريخ الألماني ومخازنه. وقد التقى هناك حيوانات أليفة وغريبة: فئران وقطط، وكلاب، وحلازين، وضفادع، واسماك الترس..”. الطاهر بن جلون.
منذ أن أصدر روايته الأولى “طبل الصفيح” (1959) التي بوأته مكانة بارزة في الأدب الألماني الحديث، وحققت له شهرة عالمية واسعة، وغونتر غراس الذي يسميه محبوه “الابن الرهيب للأدب الألماني” لا يكاد ينقطع عن الكتابة وعن النحت والرسم، والحفر في الماضي والتعليق على الأحداث الساخنة سواء داخل بلاده أو في العالم، وعن قرع طبوله محذراً من المخاطر التي تتهدد الإنسانية على جميع الأصعدة.

قد يكونون على حق أولئك الذين علّقوا يوم فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 1999، قائلين إنه مع هاينريش بل أهم من جسّد الروح الالمانية في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد عاش ويلات الحرب الكونية الثانية طفلاً ثم شاباً، ومشى فوق أنقاض المدن المهدمة اثر سقوط الرايخ الثالث، وعاين بنفسه الكوارث والفواجع والتمزقات التي أصابت شعبه وبلاده بسبب النازية. وعندما تحوّلت ألمانيا إلى قوة اقتصادية مهابة، وذلك مطلع الستينات من القرن الماضي، كان أول من نبه إلى ضرورة مقاومة التكالب على الاستهلاك وعدم الانجذاب إلى المغريات المادية التي حققتها “المعجزة الاقتصادية”. ولما سقط جدار برلين، وتوحد شطرا المانيا، رفع صوته عاليا ليعلن أنه يتحتم على الالمان أن يتوحدوا أخلاقيا قبل أن يتوحدوا تحت راية الدويتشمارك “العملة الألمانية القديمة”.
وكانت الأكاديمية السويدية محقة أيضا عندما وصفته بأنه “رجل الأنوار في عصر تعب من العقل” وأنه “صوّر في أعماله الوجه المنسي للتاريخ من خلال حكايات مفعمة بالدعابة السوداء”.


مشوار “التطهر”

ولد غونتر غراس في مدينة “دانتسيك” (هي الآن مدينة بولونية) في الخامس عشر من شهر أكتوبر 1927. وكان والده يعمل في مصنع للورق. أما والدته فكانت تملك محلاً تجارياً صغيراً. وكانت مدينة “دانتسيك” في ذلك الوقت مثالاً للتعايش السلمي بين الأقليات والأديان والثقافات واللغات الشيء الذي ساعد غونتر غراس على أن “يتطهر” منذ البداية من كل المشاعر الشوفينية والعنصرية التي كانت قد بدأت تجتاح ألمانيا بينما كان هو يخطو خطواته الأولى في الحياة الدنيا..
وفي عام 1945 جنّد، وأرسل إلى جبهة القتال ليعيش تجربة الحرب المريرة تماماً مثلما هو الحال بالنسبة إلى هاينريش بل. وكانت الحرب قد أوشكت على نهايتها عندما أصيب بجراح خطيرة قرب برلين. بعدها ألقي عليه القبض وأرسل إلى أحد المعسكرات في “بافاريا” كان يشرف عليها جنود أميركيون. بعدما اطلاق سراحه حاول مواصلة دراسته غير أنه سرعان ما انصرف عن ذلك غير آسف ليعمل في أحد المناجم قرب مدينة هانوفر.
وكانت ألمانيا لا تزال تئن تحت خرائب الحرب وأوجاعها عندما أعلن أدباء وشعراء شبان عادوا للتو من جبهات القتال عن تأسيس مجموعة أدبية اطلق عليها اسم “مجموعة 47”. ومتحدثاً عنها وعن أهدافها قال أحد مؤسسيها وهو الكاتب هانس فرنر: “نادراً ما انفتحت في تاريخ بلد خسر الحرب، وأكثر من الحرب هوة ثقافية بين جيلين كما كان الحال في ألمانيا عقب الحرب الكونية الثانية. فقد كان هناك جيل يتكلم وجيل صامت. ومن هم الذين فضلوا البقاء صامتين؟ هم الشبان الذين ظلوا بكما أمام هول الفاجعة. لذا كان عليهم أن يتكلموا وعليهم أن يرفعوا أصواتهم من تحت الأنقاض ليقولوا الحقيقة بمسؤولية كبيرة”.
وكان غونتر غراس واحدا من هؤلاء الذين رفعوا أصواتهم من تحت الخرائب ليكون شاهدا على ما رأى وما سمع خلال تلك الحقبة السوداء من تاريخ المانيا. ومنذ البداية، لفتت قصائده ونصوصه انتباه رفاقه في “مجموعة 47” من أمثال هاينريش بل ومارتين فالسر والفريدا ندرش. غير أن غونتر غراس كان يعلم وهو لا يزال في بدايات مسيرته الأدبية أن الطريق طويل، وأن حرق المراحل يمكن أن يقتل مواهبه قبل اكتمالها ونضجها. لذا فضل التمهل والانصراف إلى العمل الجاد في انتظار اللحظة المناسبة.
وبعد أن عثر على والديه اللذين كانا قد فرا من “دانتسيك” عند دخول النازيين إليها، وذلك في نهاية الثلاثينات، التحق بأكاديمية الفنون الجميلة بمدينة “دوسولدورف”. وفي عام 1954 عقب جولة طويلة عبر ايطاليا وفرنسا، تزوج من أنا شفرس، السويسرية الجنسية. وبعد أن أصدر مجموعة شعرية عام 1956 وأقام معرضاً في مدينة “شتوتغارت” انطلق إلى باريس بصحبة زوجته التي كانت ترغب في تحسين مستواها في الرقص، ومعا أقاما في شقة بائسة بغرفة واحدة، وبمطبخ صغير. وهناك ظلا أربع سنوات. وبالرغم من الصعوبات المادية التي كانت تحول حياته وحياة زوجته إلى جحيم لا يطاق، فان غونتر غراس ظل منكباً على كتابة “طبل الصفيح” التي ستدخله إلى عالم الكبار في مجال الأدب.


شاعرية وتقنيات

وفي هذه الرواية ذات النفس الملحمي البديع، والشاعرية العالية، والتقنيات البارعة، صور غونتر غراس مأساة المانيا خلال الحرب الكونية الثانية من خلال طفل يقرر الا يكبر. وحتى النهاية، يظل طفلاً يتمتع بقدرة فائقة على إدانة المجتمع وفساد الأنظمة وسقوط القيم.
مطلع الستينات، التقى غونتر غراس بالزعيم الاشتراكي الديمقراطي الكبير فيلي براندت، وبينهما قامت علاقة صداقة متينة استمرت حتى وفاة هذا الأخير عام 1992.
ومن المؤكد أن ذلك اللقاء هو الذي حرض غونتر غراس على تكثيف نشاطه في المجال السياسي. وفي الحملات الانتخابية كان يقوم بجولات عبر مختلف المدن الألمانية لتأييد الاشتراكيين الديمقراطيين، وللتعبير عن مساندته لفيلي براندت الذي كان يدافع عن سياسة الانفراج بخصوص ما كان يسمى بالمعسكر الشيوعي.
ثم أن غونتر غراس كان يعتقد أن المثقفين لابد أن يتخلوا عن “سلبيتهم” مثلما كان حالهم خلال فترة جمهورية قايمار حتى لا تقود “القوى السوداء” للظهور من جديد.
غير أن النشاطات السياسية، لم تعرقل صاحب “طبل الصفيح” عن مواصلة العمل والإبداع في المجال الأدبي والفني. فخلال الستينات أصدر العديد من الأعمال أهمها رواية صغيرة حملت عنوان: “القط والفئران” و”سنوات الكلب” وفيهما يعود إلى الماضي، وإلى سنوات النازية تحديداً. وعن ذلك يقول غونتر غراس “حال انتهائي من “طبل الصفيح” أحسست أنه عليّ أن أكتب كتباً أخرى لكي أقول ما يجب علي قوله بشأن الحقبة النازية. تلك الحقبة التي دمرت مقومات الروح الألمانية التي تغنى بها شعراؤها وكتابها العظام من غوته حتى توماس مان”.
وعندما اندلعت الثورة الطلابية في ربيع عام 1968، لم يبد غونتر غراس اهتماماً كبيراً بها. وعندما سئل عن رأيه في الشيوعية والرأسمالية، أجاب قائلاً: “ماركس بالنسبة لي كاتب مثير للجدل نعم، هو كاتب وليس عالماً. وأفضل ما يمكن أن نقوله عنه هو أن كل أطروحاته ونظرياته تولد الجدل حولها. مثلاً، حماسة رد الفعل أمام الرأسمالية تظهر بطبيعة الحال أن النظامين، وهذا ما وضحه ماركس جيداً” أي الرأسمالية والشيوعية، او الاشتراكية في معناها الأوسع يتكيفان مع بعضهما البعض، والاثنان هما في نهاية المطاف حركتان طهريتان تقدسان العمل ومفهوم العمل”.
انطلاقاً من السبعينات واثر سقوط فيلي براندت الصدوي بدأ غونتر غراس يبتعد شيئاً فشيئاً عن عالم السياسة. وفي نهاية السبعينات، صرح قائلاً: “خلال السنوات القليلة الماضية، اكتشفت أن السياسة لا تلتهم فقط وقتي وحيويتي وانما لغتي أيضا ذلك أن لغة أهل السياسة، مثل الثياب المستعملة، بالية ووسخة”.
غير أن السياسة سرعان ما فرضت نفسها بقوة على غونتر غراس. فإثر انهيار جدار برلين وقيام الوحدة الألمانية، تدخل في الجدل الدائر حول هذه المسألة أكثر من مرة ليعلن عن “رفضه التام” لـ”وحدة تراعى فيها المصالح المادية للألمان الشرقيين”.
كما أنه حذّر من أن تستغل “القوى السوداء” تنامي المشاعر القومية عند الألمان لتعود مجدداً إلى النشاط وإفساد العقول معتبراً حوادث العنف والحرق التي جدت عام 1993 ضد أحياء العمال المهاجرين الأتراك، مؤشرات خطيرة لعودة النازية. ولم يكتف غونتر غراس بذلك، بل أصدر رواية ضخمة بدت وكأنها إدانة صارخة للوحدة الشيء الذي أثار سخط الكثيرين ضده. بل أن الناقد الكبير مارسيل رايش ـ راينتسكي اعتبر أن هذه الرواية هي أضعف أعماله فنياً وأسلوباً.
وقبل أن تهدأ العاصفة التي اثارتها روايته المذكورة توارى غونتر غراس عن الانظار ليخرج للناس في ربيع عام 1998 بكتاب يتضمن مائة قصة قصيرة يروي من خلالها قصته مع القرن العشرين. وفي حوار اجري معه اثر صدور هذا الكتاب قال غونتر غراس: “أنا لا أكتب أبدا تحت تأثير الغضب والاحتداد. من الأكيد أنني كائن شكاك وحذر. لكن في الوقت نفسه أنا انسان يحب الحياة”.

اقرأ أيضا